ضمن جهودها لجذب الاستثمارات الأجنبية واستعادة زخم القطاع النفطي بعد سنوات من الاضطراب، وقّعت حكومة الوحدة الوطنية الليبية في طرابلس اتفاقية تطوير نفطي تاريخية مع شركتي توتال إنيرجيز الفرنسية وكونوكو فيليبس الأمريكية، بقيمة تتجاوز 20 مليار دولار على مدار 25 عامًا.
تهدف هذه الاتفاقية إلى مضاعفة قدرة الإنتاج في حقول شركة الواحة النفطية لتزيد بحوالي 850 ألف برميل يوميًا، مما قد يرفع إنتاج ليبيا النفطي بشكل كبير ويولّد إيرادات صافية تفوق 376 مليار دولار خلال مدة المشروع.
وقد أعلنت الحكومة خلال قمة ليبيا للطاقة والاقتصاد 2026 أنها وقّعت أيضًا مذكرات تفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية للتعاون في أنشطة الاستكشاف والإنتاج، إضافةً إلى اتفاقية تعاون مع وزارة النفط المصرية.
هذه التطورات تعكس انفتاح ليبيا مجددًا على كبرى شركات الطاقة العالمية، إلا أنها تطرح سؤالًا جوهريًا: من يملك فعليًا النفط والغاز في ليبيا ومن يسيطر على مواردهما؟
ثروة نفطية هائلة مقسمة
تمتلك ليبيا مخزونًا هائلًا من الموارد النفطية والغازية يُعدّ الأكبر في أفريقيا ومقسم بين الشرق والغرب الليبي حيث يوجد حكومتان تتصارعان على السلطة.
هذا المخزون جعل ليبيا عضوًا بارزًا في منظمة الدول المصدر للنفط “أوبك” ومصدر قوة اقتصادية محتملة، إلا أن الاستفادة منها تعثّرت بفعل الانقسامات والصراعات الداخلية منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011.
يظهر الإنفوجراف التالي حجم احتياطيات الطاقة المؤكدة وأماكن تركزها في ليبيا.

خريطة الحقول والسيطرة
يتأثر المشهد النفطي الليبي بالانقسام السياسي في البلاد. إجمالًا، معسكر الشرق يمتلك أوراق القوة بحكم سيطرته الميدانية على أغلب منابع النفط وموانئه، في حين يمسك معسكر الغرب بمفاتيح الشرعية الدولية والمؤسسات المالية التي تدير عائدات النفط وتوقّع العقود.
الإنفوجراف التالي يوضح خريطة الحقول والسيطرة النفطية في ليبيا بين معسكري الشرق والغرب.

الإنتاج الفعلي والطاقة الممكنة
رغم الاضطرابات، شهدت ليبيا خلال 2025 انتعاشًا نسبيًا في إنتاجها النفطي خلال عام 2025 وصل إلى أعلى مستوى له منذ حوالي 12 عامًا.
يظهر الإنفوجراف التالي حجم الإنتاج الفعلي من الطاقة في ليبيا وكيفية تراجع الأرقام الحالية مقارنة بعام 2011 بفعل الأزمات والإغلاقات كما حدث مع الحقول الشرقية في أغسطس/آب 2024.

عائدات النفط وصراع الإيرادات
تُشكّل عائدات النفط العمود الفقري لاقتصاد ليبيا ومصدر التمويل شبه الوحيد للدولة. ولهذا أصبحت إدارة هذه الثروة في قلب الصراع السياسي بين الشرق والغرب.
يظهر الإنفوجراف التالي حجم عائدات النفط وأبرز المحطات على طريق صراع توزيع الإيرادات، حيث يطالب مسؤولون في الشرق بإيجاد آلية لتوزيع العائدات بين الأقاليم أو نقل بعض الصلاحيات المالية إليهم.

تأثير الانقسام السياسي على الاستثمارات
أدت حالة عدم الاستقرار وازدواجية السلطة إلى عزوف معظم المستثمرين الأجانب عن القطاع النفطي الليبي طوال العقد الماضي. فالشركات العالمية تتوجس من ضخ أموالها في مشاريع ببيئة متقلبة قد تتعرض فيها الأصول للإغلاق أو التدمير، أو تتغير فيها القوانين تبعًا للحكومة المسيطرة.
كما أن غياب إطار قانوني موحّد (بسبب وجود حكومتين متنافستين أحيانًا) أثار تساؤلات حول شرعية العقود؛ ففي السنوات الأخيرة عارض مسؤولون نفطيون في الشرق بعض الاتفاقات التي أبرمتها طرابلس بحجة منحها امتيازات مبالغ فيها للشركات الأجنبية.
مع ذلك، بدأت بوادر عودة اهتمام كبرى الشركات تظهر مع بوادر التهدئة. فإيطاليا -عبر شركة إيني- ظلت لاعبًا رئيسيًا خاصة في تطوير الغاز، حيث وقّعت في أوائل 2023 اتفاقًا بقيمة 8 مليارات دولار لتطوير حقول غاز بحرية جديدة قبالة الساحل الغربي بهدف تزويد أوروبا.
وكذلك استأنفت شركات غربية أخرى أعمالها الاستكشافية: بي بي البريطانية وشلمبرجير الأمريكية وأو.إم.في النمساوية وغيرها أعلنت التزامها بخطط تطوير حقول جديدة في ليبيا.
والآن في مطلع 2026، جاءت الاتفاقية الضخمة مع توتال الفرنسية وكونوكو الأمريكية عبر شركة الواحة لتؤكد أن شهية الاستثمار بدأت تعود.
هذه الشراكة طويلة الأمد والاستثمار الأجنبي بأكثر من 20 مليار دولار تدل على ثقة حذرة بإمكانية الاستقرار، لكنها مشروطة باستمرار التوازن الحالي بين الشرق والغرب؛ فالشركتان على الأرجح حصلتا على ضوء أخضر ضمني من جميع الأطراف قبل المضي قدمًا لتفادي عراقيل سياسية.
وفي المحصلة، تكشف خريطة النفط والغاز الليبية عن ثنائية معقدة: موارد غنية يمكن أن تجعل ليبيا مزدهرة، لكنها موزعة بين أيدي أطراف متعددة تتنازع السيطرة عليها.
وبدون استقرار سياسي ووحدة قرار سيادي، توقع أن تبقى ثروة ليبيا النفطية والغازية رهينة التقلبات، وستظل عبارة “من يملك النفط والغاز؟” سؤالًا مطروحًا في كل منعطف.