تراقب أوساط المال والأعمال في الخليج التوتر المتصاعد بين السعودية والإمارات بقلق متزايد، وسط مخاوف من أن يؤثر الخلاف السياسي الأخير في اليمن وتباين المصالح في دول أخرى (السودان والصومال) على الحركة التجارية والاستثمارية المشتركة.
وتصاعدت هذه الهواجس مع خروج خلافات نادرة إلى العلن بين البلدين نهاية 2025، ما أثار تساؤلات حول مستقبل الشراكة الاقتصادية الوثيقة التي تجمع أكبر اقتصادين في المنطقة، في وقت تحاول فيه كلٌ من الرياض وأبوظبي ترسيخ مكانتها كمركز تجاري ومالي إقليمي.
شراكة اقتصادية عميقة
ترتبط السعودية والإمارات بعلاقات اقتصادية وثيقة وتشابك تجاري جعل أبوظبي الشريك التجاري العربي الأكبر للرياض والسادس عالميًا بالنسبة لها.
وقد شهد التبادل التجاري الثنائي نموًا مطردًا في السنوات الأخيرة، حيث ارتفع من نحو 21 مليار دولار في 2020 إلى قرابة 30 مليار دولار بنهاية 2023 وفق البيانات السعودية – بزيادة تقارب 42% خلال ثلاث سنوات.
هذا الزخم يعكس تكاملًا اقتصاديًا كبيرًا بين البلدين، اللذين يعدان من أسرع الاقتصادات نموًا وتنويعًا بالمنطقة، ويمكن رصد الشراكة في عدة نقاط رئيسية:
1- التبادل التجاري السلعي
تشمل التجارة بين البلدين طيفًا واسعًا من السلع، أبرزها المنتجات البترولية المكررة والمعادن الثمينة.
تصدّر الإمارات إلى السعودية نفطًا مكررًا بقيمة 3.5 مليارات دولار سنويًا تقريبًا، وذهبًا بأكثر من 2.5 مليار دولار، إضافة إلى صادرات متنوعة مثل المجوهرات والإلكترونيات والبضائع المعاد تصديرها.
في المقابل، تستورد الإمارات منتجات سعودية تشمل البتروكيماويات والمواد الغذائية ومواد البناء وغيرها.
الكثير من هذه السلع يمر عبر المنافذ الإماراتية قبل دخولها إلى الأسواق السعودية؛ على سبيل المثال، يمر جزء كبير من واردات المملكة عبر ميناء جبل علي في دبي، الذي يعدّ مركزًا إقليميًا لإعادة التصدير إلى المملكة.
2- الاستثمار والأعمال المشتركة
بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية في السعودية نحو 111 مليار ريال سعودي (قرابة 30 مليار دولار) بنهاية 2023، وذلك في قطاعات متنوعة تمتد من الطاقة إلى التكنولوجيا.
أما استثمارات السعوديين لدى جارتهم، فتقدّر بحوالي 6.5 مليارات دولار (تراكميًا حتى 2022)، ما جعل السعودية رابع أكبر مستثمر أجنبي في الإمارات.
وتعمل آلاف الشركات بكلا السوقين عابرةً للحدود؛ إذ يوجد في الإمارات أكثر من 4000 علامة تجارية سعودية وعشرات الوكالات التجارية السعودية، إلى جانب مشاريع مشتركة في مجالات اللوجستيات والتجزئة والضيافة تخدم السوقين معًا.
هذه التشابكات تعززها أيضًا الروابط المصرفية والتمويلية بين دبي والرياض، فضلًا عن تنقل رؤوس الأموال عبر صناديق الثروة السيادية التي باتت تلعب دورًا عالميًا في الاستثمار.
3- التكامل في البنية التحتية والأسواق
تسعى كل من السعودية والإمارات إلى ترسيخ موقعها كمركز لوجستي ومالي، وغالبًا ما يتكامل دورهما بدلًا من التنافس المباشر.
على سبيل المثال، تستفيد السعودية من البنية التحتية الإماراتية المتقدمة في مجال الموانئ والنقل الجوي لتدفق البضائع والسياح إلى المملكة، بينما تستفيد الإمارات من حجم السوق السعودية الكبير وعمقها.
قطاع السفر والسياحة نموذج بارز لهذا التكامل؛ فقبل التوتر الأخير، سيّرت بين البلدين نحو 629 رحلة طيران أسبوعيًا لنقل البضائع والمسافرين، كما زار الإمارات أكثر من 1.7 مليون سائح سعودي خلال عام 2023، مما عزز الإنفاق السياحي المتبادل.
وإضافة لذلك، الأسواق الاستهلاكية مترابطة بشكل لافت، إذ تنتشر متاجر التجزئة الإماراتية (مثل سلسلة لولو الشهيرة) في كلا البلدين، حيث تعرض منتجات سعودية أساسية في سلال التسوق اليومية مثل حليب المراعي وتمور جُمارة ودجاج اليوم.
هذا التشابك الاقتصادي جعل أي اضطراب في العلاقة الثنائية يحمل تبعات كبيرة على قطاع واسع من الشركات والمستهلكين على حد سواء.

صدمة اقتصادية حال القطيعة
تصاعد التحذير في مجتمع الأعمال من سيناريو قطع العلاقات التجارية بين السعودية والإمارات، لما قد يسببه من صدمة اقتصادية للطرفين.
وكالة بلومبيرغ نقلت عن مصادر مطلعة أن بعض الشركات الإقليمية والدولية العاملة في البلدين بدأت فعلًا بإعداد خطط طوارئ لضمان استمرار أعمالها إذا تفاقم الخلاف ووصل إلى حد فرض قيود على حركة التجارة عبر الحدود.
حتى الآن لم تُتخذ إجراءات رسمية، لكن هذه الخطط الاستباقية تعكس حالة الحيطة والحذر لدى الشركات خشية الأسوأ، وفيما يلي أبرز التداعيات المحتملة في حال تأزمت الأوضاع ووصلت إلى قطيعة اقتصادية:
1- اضطراب سلاسل الإمداد
أي إغلاق للحدود البرية أو الأجواء بين البلدين سيؤدي فورًا إلى تعطيل انسياب البضائع والخدمات، وقد استحضر كثير من المراقبين تجربة حصار قطر في 2017 عندما قُطعت العلاقات فجأة، مما أحدث ارتباكًا واسعًا في سلاسل التوريد الإقليمية آنذاك.
ومع أن اقتصاد قطر أصغر حجمًا وأقل تشابكًا مقارنةً باقتصادي السعودية والإمارات، إلا أن تداعيات ذلك الحصار على التجارة والنقل الجوي والبري لا تزال حاضرة في أذهان المستثمرين.
في الحالة الحالية، أي حصار سعودي للإمارات (أو العكس) قد يعني وقف المرور عبر منفذ البطحاء البري وإعادة توجيه الشحنات عبر طرق بحرية وجوية أطول، وهذا سيعطّل سلسلة التوريد لكثير من السلع الأساسية ويؤخر وصولها.
يزداد القلق نظرًا لاعتماد السعودية على الموانئ الإماراتية (كميناء جبل علي) لإعادة تصدير جزء كبير من وارداتها، ما قد يؤدي إلى اختناقات لوجستية وارتفاع في تكاليف الشحن ونقص بعض المنتجات في الأسواق على المدى القصير.
2- تراجع الثقة واستثمارات الأعمال
الثمن الأكبر لأي قطيعة سيتجلى في ثقة مجتمع الأعمال المحلي والدولي بالبيئة الاستثمارية في الخليج. تشير التقديرات إلى أن نحو 22 مليار دولار من التبادل التجاري السنوي سيكون مهددًا بشكل مباشر في حال وقف التعامل بين الجانبين.
وإلى جانب خسارة عائدات التجارة، قد تتأثر خطط الاستثمار والتوسع سلبًا؛ فالشركات العالمية التي اتخذت كلًا من دبي والرياض مقرًا إقليميًا ستعيد تقييم استراتيجياتها، وقد يؤجل مستثمرون مشاريع أو صفقات كانت مخططًا لها في البلدين.
هذا التوتر يضع المصارف وصناديق الثروة السيادية أيضًا في موقف حرج، نظرًا لتداخل استثماراتها عبر الحدود. فأي تصعيد اقتصادي من الطرفين – مثل فرض رسوم جمركية أو قيود على التحويلات المالية – سيضر بسمعتهما كمراكز مالية مستقرة ويزرع الشكوك لدى الشركات المتعددة الجنسيات التي تنشط في المنطقة.
3- خطوات احترازية للشركات
بالفعل بدأت بعض المؤسسات باتخاذ تدابير تحوطية تسبق أي قطيعة رسمية. ذكرت بلومبيرغ أن شركات إماراتية أبلغت عن صعوبة في الحصول على تأشيرات عمل لموظفيها في السعودية مؤخرًا، ما قد يكون مؤشرًا على تشديد غير معلن من الجانب السعودي.
كما يدرس موردون إماراتيون إمكانية تكوين مخزون احتياطي لتلبية احتياجات السوق السعودية في حال تأثر خط الإمداد.
وإلى جانب ذلك، باشرت بعض الصناديق الاستثمارية والشركات بوضع خطط لنقل مقارها أو فتح مكاتب في الرياض كإجراء احتياطي يضمن لها استمرار الوصول إلى السوق السعودية حتى لو فرضت قيود على الأنشطة عبر الحدود.
هذه التحركات تعكس إدراك الشركات لحساسية الموقف؛ فالسعودية منذ عام 2021 تضغط على الشركات الدولية لنقل مقارها الإقليمية إلى داخل المملكة عبر اشتراط ذلك للفوز بالعقود الحكومية الكبرى.
ومع التوتر الحالي، قد ترى الرياض فرصة لتسريع نزوح ما تبقى من مقار الشركات من دبي إلى أراضيها كجزء من المنافسة الاقتصادية بين البلدين.
4- تأثيرات على أسواق النفط
رغم أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي لم يظهر علنًا في أروقة منظمة أوبك+ حتى الآن، إلا أن استمرار التوتر قد ينعكس على تنسيق السياسات النفطية. فالسعودية والإمارات كلاهما ركنان أساسيان في تحالف أوبك+، وأي شقاق بينهما يمكن أن يعرقل الإجماع حول قرارات الإنتاج.
في السابق اختلفت رؤى البلدين بشأن حصص الإنتاج (كما حدث عام 2021 حين طالبت الإمارات برفع سقف إنتاجها بشكل مستقل) وتم احتواء الأمر بتسوية داخل المنظمة.
لكن في أجواء توتر سياسي شديد، قد يصعب الحفاظ على جبهة موحدة داخل أوبك، مما يهدد استقرار أسواق النفط العالمية سواء بزيادة المعروض دون تنسيق أو بتعطيل خطط رفع الإنتاج المستقبلية.
وأي اهتزاز في التحالف النفطي قد يؤدي إلى تقلبات في أسعار الخام تضر بمصالح البلدين المالية، في وقت يعتمدان فيه على إيرادات النفط لتمويل برامج التحول الاقتصادي.

هل تصل العلاقات إلى القطيعة؟
على الرغم من لهجة التصعيد في الأسابيع الأخيرة، يرى خبراء تحدثوا لوكالة رويترز أن قطع العلاقات الاقتصادية بشكل كامل بين السعودية والإمارات احتمال بعيد نظريًا، نظرًا للتكلفة الباهظة والخسائر المشتركة التي ستلحق بكلا الجانبين.
فخلافًا لحصار قطر 2017 – الذي استهدف اقتصادًا أصغر حجمًا – تقف اليوم مصالح استراتيجية أعمق على المحك بين الرياض وأبوظبي. وتقدّر أوساط التحليل أنه لن يكون من السهل تكرار سيناريو المقاطعة الخليجية مرة أخرى، ببساطة لأن المكاسب المرجوة من الضغط السياسي لا توازي الخسائر الاقتصادية المؤكدة.
دول الخليج عمومًا لا شهية لديها لمواجهة جديدة تزعزع استقرار المنطقة اقتصاديًا، كما أن صناع القرار في السعودية والإمارات ينظرون إلى السياسة الخارجية كأداة لدعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وليس العكس.
هذا النهج البراغماتي يُبقي قنوات التواصل الخلفية مفتوحة بين القيادتين لاحتواء الخلاف، مهما اشتدت السجالات الإعلامية في العلن.
يدرك الطرفان أيضًا أن أي خطوة نحو المقاطعة الكاملة ستكون مكلفة للغاية وستقوض إنجازاتهما الاقتصادية وخططهما الطموحة (رؤية السعودية 2030 ومئوية الإمارات 2071).
وقد حذر محللون من أن أي قطيعة تجارية ستؤثر سلبًا على الخطط التنموية بعيدة المدى لكلا البلدين عبر زعزعة ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين فيهما.
وقالت أليس جاور، وهي خبيرة في شؤون الخليج، إنه رغم التنافس المشروع بين الرياض وأبوظبي، إلا أن مقاطعة اقتصادية متبادلة ستعني تقويض أهداف التنويع الاقتصادي وإضعاف الزخم الذي حققته الدولتان في جذب رأس المال الأجنبي.
من جهته، رأى محلل سياسي سعودي أن سيناريو “الطلاق الاقتصادي” مستبعد جدًا، لكنه لم يستبعد إجراءات انتقاميّة “مؤلمة” أقل حدة من القطيعة الشاملة إذا شعرت الرياض بتهديد مباشر لمصالحها.
وتعكس هذه التصريحات حرصًا سعوديًا على توصيل رسالة حازمة دون الوصول لمرحلة اللاعودة، فيما تفضل الإمارات عدم التصعيد إعلاميًا أملًا في تسوية هادئة تحفظ شراكة المال والأعمال بين البلدين.
في الأيام الأخيرة، برزت بالفعل بوادر تهدئة حذرة. فقد صرح وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في 25 يناير/كانون الثاني 2026 أن انسحاب الإمارات من اليمن “إذا كان هذا هو الحال بالفعل”، قد يشكل نقطة انطلاق لتحسين العلاقات بين البلدين. يوحي ذلك برسائل إيجابية من الرياض مشروطة بتغيير في سلوك أبوظبي إقليميًا.
كما أفادت تقارير بأن الاتصالات الدبلوماسية خلف الكواليس تكثفت لإحتواء الموقف قبل أن يخرج عن السيطرة. وفي المحصلة، يدرك الجانبان أن تحالفهما الاقتصادي كان ولا يزال أحد عوامل استقرار الخليج وازدهاره خلال العقود الماضية؛ وبالتالي فإن الحفاظ عليه – ولو تطلّب معالجة الخلافات عبر تسويات وتنازلات متبادلة – يبقى السيناريو الأرجح تفاديًا لضرر لا تحمد عقباه على الجميع.