تصاعدت في الآونة الأخيرة موجة “التهجير القسري الصامت” التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث يتم تفريغ قرى بأكملها ومخيمات للاجئين بعيدًا عن الأضواء الإعلامية.
ويهاجم المستوطنون السكان الفلسطينيين، تحت حماية جنود الاحتلال وبدعم من حكومة بنيامين نتنياهو بهدف تهجيرهم. وحذّرت الأمم المتحدة من أن الضفة الغربية تشهد أسوأ أزمة إنسانية منذ عام 1967 نتيجة عمليات الهدم والنزوح واسعة النطاق، خاصة في مخيمات اللاجئين.
وتُقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 37 ألف فلسطيني نزحوا عن ديارهم في الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده، في رقم قياسي غير مسبوق منذ بدء تسجيل البيانات، فكيف ومتى ولماذا تصاعدت هذه الهجمات؟
تصاعد التهجير بعد 7 أكتوبر
شهدت الضفة الغربية تصعيدًا حادًا في جرائم المستوطنين وعمليات التهجير عقب اندلاع العدوان على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. واستغل المستوطنون انشغال العالم بالأحداث في القطاع لتصعيد هجماتهم ضد القرى والبلدات الفلسطينية.
وقد وثقت منظمات حقوقية تفريغ ما لا يقل عن 7 تجمعات سكانية فلسطينية بالكامل خلال أكتوبر ونوفمبر 2023 بفعل هجمات نفذها مستوطنون مدججون بالسلاح، بمشاركة وحماية من جنود الاحتلال.
وأفاد تقرير حديث لـ”هيومن رايتس ووتش” أن المستوطنين اعتدوا على الفلسطينيين بالضرب والتعذيب وسرقوا ممتلكاتهم وماشيتهم، ووجّهوا إليهم تهديدات بالقتل إن لم يغادروا نهائيًا، في مشاهد أعادت للأذهان التطهير العرقي الذي شهدته نكبة 1948.
ونتيجة لهذه الاعتداءات المنهجية، نزح ما يزيد عن 1200 فلسطيني من المجتمعات الريفية في غضون أشهر قليلة بعد بدء العدوان على غزة، بينهم نحو 600 طفل. وتؤكد الأمم المتحدة أن الهجمات الاستيطانية في تلك الفترة سجلت أعلى مستوى منذ بدء توثيقها عام 2006.
لم يقتصر الأمر على عصابات المستوطنين وحدها؛ فقد كشفت التقارير أن جيش الاحتلال نفسه كان حاضرًا في ما يقرب من نصف اعتداءات المستوطنين خلال أواخر 2023، بل شارك فعليًا في بعض الهجمات لطرد الفلسطينيين من منازلهم.
وقد وثقت هيومن رايتس ووتش حالات رافق فيها جنود الاحتلال المستوطنين أثناء اقتحام القرى، وساهموا في احتجاز وضرب السكان تحت تهديد السلاح لإجبارهم على الرحيل.

وفي إحدى الحالات جنوب الخليل، دمر المستوطنون وجنود الاحتلال كل منازل قرية خربة زنوتا، ما أجبر سكانها جميعًا على الفرار في 30 أكتوبر 2023.
وبالمثل جرى تفريغ تجمعات مثل خربة الراس الأحمر والقنوب في محافظة الخليل، وكذلك تجمعين بدويين في رام الله (عين الرشاش ووادي السيق) خلال تلك الفترة.
وإزاء هذا التصاعد، حذر مراقبون من أن سلطات الاحتلال تستغل العدوان على غزة كغطاء لإعادة رسم الخريطة الديمغرافية في الضفة عبر حملة تهجير صامتة وممنهجة.
تدمير مخيمات اللاجئين
مطلع عام 2025، أطلق جيش الاحتلال عدوانا واسعا في مدن ومخيمات شمال الضفة ووسطها، عُرف باسم “الجدار الحديدي”، واستهدف مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ومحيطهما، حيث اقتحمتها مرارًا بدعوى ملاحقة المقاومة، لكنها استخدمت قوة تدميرية غير مسبوقة.
وأسفرت هذه الهجمات عن تسوية أجزاء واسعة من المخيمات بالأرض، مما أجبر عشرات الآلاف من السكان على النزوح.
بعد عام من بدء العدوان، أكد فيليب لازاريني المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أن نحو 33 ألف لاجئ فلسطيني لا يزالون في حالة نزوح قسري من مخيمات شمال الضفة، خصوصًا جنين ونور شمس وطولكرم، مبينا أن قوات الاحتلال “هدمت مساحات شاسعة منها، مما يقلل فرص هذه المجتمعات في التعافي”.
وقد فقدت مئات العائلات اللاجئة بيوتها وممتلكاتها في تلك المخيمات، ولم يعد لها مأوى إلا المدارس والقاعات المؤقتة أو الاستضافة لدى أقارب، وسط نقص حاد في الخدمات الأساسية من تعليم وصحة.
ولم تشهد الضفة الغربية موجات تهجير بمثل هذا الحجم منذ نكسة 1967. وقد قدّرت الأونروا أن العدد الإجمالي للفلسطينيين الذين نزحوا نتيجة عمليات الاجتياح العسكري الإسرائيلية في عام 2025 وحده بلغ حوالي 33362 شخصًا من مخيمات جنين وطولكرم وما حولها.
يعكس هذا الرقم الضخم تداعيات العدوان العسكري المستمر، حيث شهد مخيم جنين مثلاً أشرس هجوم في يوليو/تموز 2023 تبعه هجمات متكررة على مدار 2024، ثم عملية اجتياح واسعة في يناير/كانون الثاني 2025 كانت الأطول والأكثر دموية.
خلال هذا العدوان، استخدم الاحتلال جرافات ومدرعات لهدم البنية التحتية للمخيم بالكامل تقريبًا، بما في ذلك شوارع وأسوار منازل ومرافق عامة.
وأفادت الأونروا أن 12557 فلسطينيًا نزحوا من مخيم جنين وحده خلال 2025 نتيجة العدوان العسكري، إضافة إلى نحو 20805 نازحًا من مخيمي طولكرم ونور شمس في العام ذاته.
ومع أن بعض هؤلاء النازحين تمكنوا من العودة لاحقًا إلى المخيمات، فإن الكثيرين وجدوا بيوتهم مدمرة كليًا أو غير صالحة للسكن، ما جعل نزوحهم طويل الأمد.
وتتهم السلطة الفلسطينية “إسرائيل” بأنها تستغل هذه العمليات لفرض واقع جديد في شمال الضفة عبر إفراغ مناطق كاملة من اللاجئين وتوسيع رقعة المستوطنات المحيطة بتلك المخيمات.
محو قرى بأكملها
بعيدًا عن المخيمات والمدن الكبرى، استهدفت اعتداءات المستوطنين تجمعات فلسطينية ريفية صغيرة، خاصة تلك الواقعة في مناطق نائية أو قرب مستوطنات نُصبت حديثًا.
وكشفت منظمات دولية أن قرى بدوية بأكملها اختفت عن الخريطة خلال العامين الأخيرين بفعل إرهاب المستوطنين.
فعلى امتداد المنطقة الواقعة بين رام الله وأريحا (شرقي رام الله وشمال البحر الميت)، كان يعيش نحو سبع تجمعات بدوية يبلغ تعدادها حوالي 1000 نسمة حتى عام 2022.
أما بحلول مطلع 2025 فلم يتبقَّ منها سوى تجمع واحد هو قرية المعرجات ويضم بضع عشرات من الأسر، فيما نزحت جميع العائلات الأخرى من عين سامية ووادي السيق ورأس التين وعين القبو وغيرها نتيجة الاعتداءات.
استنادا إلى بيانات المجلس النرويجي للاجئين وهيومن رايتس ووتش، يوضح هذا الإنفوجراف أبرز التجمعات البدوية المهجرة بسبب جرائم المستوطنين وأعداد من كانوا يقطنون فيها، وما تبقى منها.

تواطؤ رسمي وحماية عسكرية
يعزو الفلسطينيون تصاعد جرأة المستوطنين على ارتكاب هذه الجرائم إلى الضوء الأخضر والدعم الذي يتلقونه من حكومة الاحتلال وأجهزتها العسكرية.
فمن جهة، تضم حكومة اليمين المتطرف الحالية وزراء وقادة مستوطنين يجاهرون بنيتهم توسيع الاستيطان وفرض سيادة الاحتلال على الضفة الغربية، وقد اتخذت هذه الحكومة خطوات فعلية تُرسخ إفلات المستوطنين من العقاب.
وتشير معطيات منظمة يش دين الإسرائيلية إلى أن أكثر من 90% من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين تُغلق ملفاتها دون توجيه أي اتهام للجناة.
وبذلك يشعر المستوطنون بحصانة تامة تشجعهم على المضي في اعتداءاتهم، خاصة مع علمهم أن جنود الاحتلال المنتشرين في الضفة نادراً ما يتدخلون بل غالبًا ما يوفرون الغطاء للمستوطنين أثناء هجماتهم.
وقد وثقت مقاطع فيديو عديدة جنودًا يقفون بجانب المستوطنين خلال مهاجمتهم للقرى، وأحيانًا يقومون هم أنفسهم بإطلاق النار على الفلسطينيين الذين يحاولون الدفاع عن ممتلكاتهم.
ومن جهة أخرى، قدمت حكومة نتنياهو اليمينية دعمًا مباشرًا لتسليح المستوطنين وتشكيل مليشيات محلية بحجة الدفاع الذاتي. فعقب هجمات 7 أكتوبر 2023، استدعى جيش الاحتلال 5500 مستوطن من قوات الاحتياط وكلفهم بمهام “الدفاع الإقليمي” في الضفة.
كما وزعت سلطات الاحتلال 7000 بندقية إضافية على المستوطنين وعناصر ما يسمى “فرق الحراسة المدنية” في المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
واعترفت صحف إسرائيلية أن من بين أولئك المجندين مستوطنين لديهم سوابق إجرامية في ممارسة الجرائم ضد الفلسطينيين تم تسليحهم وإطلاقهم في الميدان.
وبالتوازي مع ذلك، شهد عام 2023 شرعنة الحكومة لعشرات البؤر الاستيطانية التي كانت تعتبر “غير قانونية” حتى وفق المعايير الإسرائيلية، وضخ أموال عامة لتطوير البنية التحتية فيها وربطها بشبكات الطرق والكهرباء.
في المحصلة، يرسم الواقع على الأرض صورة قاتمة: حرب صامتة تهدف إلى إعادة هندسة الضفة ديمغرافيًا عبر اقتلاع الفلسطينيين من أراضيهم خطوة خطوة.
وبينما ينشغل العالم بأحداث غزة أو تطورات أخرى، تتواصل في التلال والوديان معاناة أسر فلسطينية تُطرد تحت جنح الليل، وتُصبح قراها أثرًا بعد عين، في مشهد يعيد إلى الأذهان نكبات سابقة.