في تحوّل لافت من شأنه الإسهام في إعادة تشكيل ملامح التجارة العالمية، أعلنت الهند والاتحاد الأوروبي، الثلاثاء 27 يناير/كانون الثاني 2026، التوصل إلى اتفاقية تجارية شاملة، لتتوج بذلك عقدين كاملين من المفاوضات الممتدة، في توقيت يتسم بحساسية جيوسياسية غير مسبوقة على الساحة الدولية.
ويكتسب الاتفاق، الذي وصفته وكالة رويترز بـ”أمّ الصفقات“، ثقلًا استثنائيًا نظرًا لاتساع نطاقه الديمغرافي والاقتصادي، إذ يطال سوقًا تضم قرابة ملياري نسمة، بواقع نحو 1.4 مليار نسمة في الهند ونحو نصف مليار في دول الاتحاد الأوروبي، كما يغطي ما يقرب من 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ونحو ثلث حجم التجارة الدولية، ما يجعله أحد أكثر الاتفاقات التجارية تأثيرًا في النظام الاقتصادي العالمي المعاصر.
ولا يقتصر هذا التقارب على البعد التجاري فحسب، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي بالتوازي توقيع اتفاقية شراكة أمنية ودفاعية مع الهند، في استجابة مباشرة لتنامي التحديات الاستراتيجية وتزايد منسوب عدم اليقين في البيئة الدولية.
ووفق بيان رسمي، تؤسس هذه الشراكة لإطار شامل يحدد سقف الطموح الاستراتيجي للطرفين، وينظم تعاونهما في مجالات السلام والأمن والدفاع، بما يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر عمقًا وتكاملًا.
وتأتي هذه الشراكة المزدوجة -التجارية والأمنية- في سياق دولي يتسم بتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية واختلال سلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب ما تعانيه خارطة التجارة الدولية من عبث وفوضى جراء السياسات الحمائية التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أربكت موازين التجارة العالمية وأعادت فتح النقاش حول مستقبل النظام التجاري متعدد الأطراف.
اتفاق تاريخي.. ما تفاصيله؟
وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الاتفاق بأنه لحظة تاريخية، قائلة في منشور على منصة “إكس”: “أوروبا والهند تصنعان اليوم التاريخ”، مضيفة أن الطرفين أبرما “أهم اتفاقية على الإطلاق”، أسست لمنطقة تجارة حرة تضم قرابة ملياري شخص بما يحقق منافع متبادلة.
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الاتفاقية “الأهم عالميًا”، مؤكدًا أنها تفتح آفاقًا اقتصادية واسعة أمام نحو 1.4 مليار نسمة في الهند، إلى جانب ملايين المواطنين في دول الاتحاد الأوروبي.
ويعوّل الجانبان على أن تسهم الاتفاقية في تعزيز حجم التبادل التجاري عبر خفض الرسوم الجمركية في عدد كبير من القطاعات، فوفق تقديرات بروكسل، فإن تقليص الرسوم الهندية على الواردات الأوروبية قد يتيح للاتحاد الأوروبي توفير ما يصل إلى 4 مليارات يورو سنويًا.
كما ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” أن الاتفاق سيؤدي إلى إلغاء رسوم جمركية بنحو 4 مليارات يورو (4.75 مليارات دولار) على صادرات الاتحاد الأوروبي، مع توقع تضاعف الشحنات الأوروبية إلى السوق الهندية.
وبحسب الصحيفة، سيُخفض الاتفاق أو يُلغي الرسوم الجمركية على نحو 96.6% من الصادرات الأوروبية إلى الهند، ما سينعكس على خفض أسعار عدد من السلع الأوروبية، من بينها السيارات والمشروبات الكحولية والآلات.
Europe and India are making history today.
We have concluded the mother of all deals.
We have created a free trade zone of two billion people, with both sides set to benefit.
This is only the beginning.
We will grow our strategic relationship to be even stronger. pic.twitter.com/C7L1kQQEtr
— Ursula von der Leyen (@vonderleyen) January 27, 2026
وفي هذا الإطار، تعتزم الهند تقليص الرسوم الجمركية على السيارات المصنعة في أوروبا من 110% إلى 10%، وعلى النبيذ من 150% إلى 20%، إضافة إلى الإلغاء الكامل للرسوم البالغة حاليًا 50% على سلع مثل المعكرونة والشوكولاتة، وفق الاتحاد الأوروبي.
وأكدت فون دير لاين، لدى وصولها إلى الهند الأحد الماضي، أن الاتحاد الأوروبي يتوقع الاستفادة من “أعلى مستوى من النفاذ إلى السوق الهندية يُمنح على الإطلاق لشريك تجاري”، مشيرة إلى أن هذه السوق ظلت لسنوات طويلة محمية، ومتوقعة أن يؤدي الاتفاق إلى مضاعفة الصادرات الأوروبية.
جدير بالذكر أنه في عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الجانبين نحو 120 مليار يورو (قرابة 142 مليار دولار) في السلع، بزيادة تقارب 90% خلال العقد الماضي، إضافة إلى نحو 60 مليار يورو (71 مليار دولار) في قطاع الخدمات، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي.
وتعوّل بروكسل على السوق الهندية الضخمة، باعتبارها الدولة الأكثر سكانًا في العالم، والتي سجلت نموًا قويًا بنسبة 8.2% على أساس سنوي في الربع الأخير من العام الماضي.
ووفق صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن تتجاوز الهند اليابان خلال العام الجاري لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين وألمانيا، مع إمكانية دخولها قائمة أكبر ثلاثة اقتصادات عالميًا قبل عام 2030، بحسب تقديرات الحكومة الهندية.
ومن المقرر أن يتم التوقيع الرسمي على هذا الاتفاق عقب الانتهاء من المراجعات القانونية، وهي عملية يُتوقع أن تستغرق ما بين خمسة وستة أشهر، على أن يبدأ التنفيذ الفعلي للاتفاق خلال عام واحد، بحسب بعض الترجيحات، ما يمهّد لمرحلة جديدة من التعاون والتكامل الاقتصادي بين الجانبين.
مواجهة السياسة الأمريكية
لا يمكن فصل هذه الخطوة عن سياقها الزمني ودلالات توقيتها، إذ تندرج ضمن إطار أوسع من التحركات السياسية والاقتصادية التي تهدف إلى التحوّط من السياسات الأمريكية، في ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وكلٍّ من بروكسل ونيودلهي، فالقرار لا يعكس مجرد تقارب ثنائي، بل يمثل جزءًا من مسار استراتيجي طويل يسعى إلى تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة وإعادة توزيع مراكز الثقل في النظام الدولي.
وفي هذا السياق، أسهمت التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية، على خلفية اعتراضها على خطته المتعلقة بضم جزيرة غرينلاند، إلى جانب حديثه المتكرر عن إخضاع الشراكة مع أوروبا لاختبارات قاسية، وخطابه التصادمي الذي أثار قلق المعسكر الغربي، في زيادة حالة الاستياء داخل الاتحاد الأوروبي.
وقد دفعت هذه التطورات قادة التكتل إلى البحث عن آليات عاجلة ومسارات بديلة تتيح لهم تعزيز هامش الاستقلال الاستراتيجي والاقتصادي بعيدًا عن المظلة الأمريكية قدر الإمكان.
ويوازي ذلك موقف مماثل في العلاقة بين واشنطن ونيودلهي، إذ فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على السلع الهندية، في وقت فشلت فيه محاولات التوصل إلى اتفاق تجاري بين البلدين العام الماضي، نتيجة تعثر قنوات التواصل بين الحكومتين، وقد أسهم هذا التعثر في دفع الهند إلى تسريع انفتاحها على شراكات بديلة تعزز موقعها في الاقتصاد العالمي وتحد من تعرضها للضغوط الأمريكية.
وعند هذه النقطة، تلاقت مصالح الطرفين المتضررين من النهج الأمريكي، ليغدو الخيار الأمثل أمامهما هو المضي نحو شراكة شاملة متعددة الأبعاد، يوظف فيها كل طرف ثقله الديمغرافي والاقتصادي ونفوذه السياسي والدولي، بهدف ترسيخ تكتل جديد قادر على امتصاص الصدمات المحتملة الناجمة عن استمرار توتير العلاقات مع واشنطن، وإعادة رسم موازين القوة في النظام الدولي الآخذ في التشكل.
لا يقتصر هذا التقارب على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى شراكة دفاعية وأمنية، بما قد يشكل تحولًا نوعيًا يمس جوهر خارطة التحالفات التقليدية، ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن التحديات المتزايدة التي تواجه مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في ظل السياسات التصادمية التي ينتهجها ترامب تجاه الحلف، والتي ألقت بظلال من الشك على تماسكه ودوره في منظومة الأمن الغربي.
إعادة رسم خارطة التجارة العالمية
لا شك أن تدشين تكتل اقتصادي يمتد تأثيره إلى نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ويستحوذ على قرابة ثلث حجم التجارة الدولية، ويخدم سوقًا تضم ما يقارب ملياري نسمة، أي نحو ربع سكان العالم، يمثل تحولًا بنيويًا في موازين الاقتصاد العالمي، وإعادة رسم عميقة لخارطة التجارة الدولية، إيذانًا بمرحلة جديدة من التحالفات غير التقليدية التي تتجاوز القوالب الأيديولوجية الراسخة.
وفي ظل تصاعد النزعات الحمائية وتآكل اليقين الذي حكم العلاقات الاقتصادية الدولية التقليدية لعقود، تجد دول وتكتلات كبرى نفسها مضطرة إلى البحث عن شراكات أكثر استقرارًا وتوازنًا.
ولم تعد هذه الشراكات مشروطة بالانتماء إلى منظومات فكرية أو أيديولوجية متجانسة، كما يتجلى في تحالف الهند، ذات الجذور المرتبطة تاريخيًا بالمعسكر الشرقي، مع أوروبا، التي تُعد الأب التاريخي للمعسكر الغربي، في إطار شراكة اقتصادية وأمنية متعددة الأبعاد.
ويبرز هذا التوجه في أكثر من ساحة دولية، إذ وقّع الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الأخيرة اتفاقًا محوريًا مع تكتل “ميركوسور” في أميركا الجنوبية، كما أبرم خلال العام الماضي اتفاقات تجارية مع إندونيسيا والمكسيك وسويسرا.
وفي المسار ذاته، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان، ما يعكس سباقًا دوليًا محمومًا لإعادة تشكيل شبكات التجارة العالمية وتحصينها ضد الصدمات الجيوسياسية.
وفي ذات السياق، يبدأ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الأربعاء 28 يناير/كانون الثاني الجاري، زيارة رسمية للعاصمة الصينية بكين تستمر ثلاثة أيام، في خطوة تهدف إلى تعزيز العلاقات بين لندن وبكين، خصوصًا على الصعيد الاقتصادي، حيث مُنحت الزيارة طابعًا اقتصاديًا واضحًا، إذ يرافق ستارمر في الوفد كل من وزيرة الخزانة رايتشل ريفز ووزير الأعمال بيتر كايل، ضمن وفد كبير من رجال الأعمال والمسؤولين الاقتصاديين، سعيًا لفتح فرص جديدة أمام الشركات البريطانية وتعزيز التعاون التجاري مع الصين.
ومن هنا تشير مجمل هذه التطورات إلى أن العالم يتجه نحو إعادة تقييم شاملة للخارطة التقليدية للتجارة والاقتصاد الدولي، في ظل تحولات عميقة قد تفضي إلى نظام أكثر تعددية وتداخلًا. وقد تكتسب هذه التحولات زخمًا استثنائيًا في حال دخول قوى اقتصادية أخرى على خط التحالفات والتكتلات الجديدة، بما من شأنه تسريع وتيرة إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي برمته بعيدًا عن سياسة القطب الأوحد ولا حتى الثنائية.
وأخيرًا.. ماذا عن موقف واشنطن؟
من الطبيعي أن يثير هذا الاتفاق حفيظة الولايات المتحدة، التي قد ترى فيه خطوة نحو تفكيك النظام أحادي القطبية الذي تقوم عليه ريادتها العالمية، بما قد يقلص نفوذ واشنطن ويدعم بروز تكتل اقتصادي وسياسي جديد قادر على تحدي الهيمنة الأمريكية. وحتى وقت كتابة هذه السطور، لم يصدر أي تعليق رسمي من الرئيس ترامب، في حين أعرب وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، عن انتقاده للاتحاد الأوروبي لمضيّه قدمًا في الصفقة مع الهند، مشيرًا إلى أن واشنطن تفرض رسومًا بنسبة 25% على السلع الهندية نتيجة شرائها النفط الروسي.
من جهته، أكد وزير النفط والغاز الطبيعي الهندي، هارديب سينغ بوري، في تصريحات لشبكة CNBC، أن العلاقات بين الهند والولايات المتحدة لا تزال إيجابية، مع توقع التوصل قريبًا إلى اتفاق تجاري، مشددًا على دعم الهند للنظام التجاري متعدد الأطراف.
وفي تحليله للاتفاق، رأى مدير مركز الاقتصاد السياسي الدولي الأوروبي، هوسوك لي-ماكياما، أنه يمثل أحد أفضل الاتفاقيات للطرفين، لا سيما أنهما يتبنيان سياسات حمائية في قطاعات حساسة مثل الزراعة وصناعة السيارات، لافتًا إلى أن أوروبا اعتادت التعامل مع التهديدات الجمركية المتكررة من الولايات المتحدة.
وفي سياق متصل، دعا عضو البرلمان الأوروبي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية، ديفيد ماكاليستر، إلى تعزيز السيادة الأوروبية وزيادة التنافسية الاقتصادية، مع الحفاظ على العلاقات عبر الأطلسي القائمة على الاحترام والثقة المتبادلة، مؤكدًا أن أوروبا قادرة على حماية مصالحها في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
في المحصلة، تبدو الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب مرشحة لإحداث تحولات عميقة لا تقتصر على مجالي السياسة والأمن، بل تمتد إلى بنية النظام الاقتصادي العالمي ذاته، فإعادة تشكيل التحالفات التقليدية باتت أمرًا مطروحًا بقوة، في ظل نظام دولي قديم يقترب من نهاياته، وتوازنات جديدة لم تستقر ملامحها بعد.
مثل هذا الواقع المعقد والمرتبك يضع الدول كافة، ولا سيما المتوسطة منها، أمام تحدٍ وجودي بالغ التعقيد، عبّر عنه رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، بوضوح خلال كلمته في منتدى دافوس الأخير، حين قال إن “الدول المتوسطة مطالبة بالتحرك معًا، لأنها إن لم تكن حاضرة على طاولة القرار، فستجد نفسها على قائمة الطعام”.
