ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما يتحدث الناس عن أرقام عشوائية مثل “36,500 قتيل خلال 48 ساعة” أو “43,000 قتيل” أو “50,000 قتيل منذ 2 يناير/ كانون الثاني” كحصيلة للاحتجاجات الأخيرة في إيران، من دون أي سياق أو طريقة للتحقق من صحة تلك الأرقام، فإن الأمر لا يقتصر على التضليل، بل يترتب عليه عواقب وخيمة.
هذه ليست إحصاءات محايدة، بل أسلحة. فهي تشكّل ذريعة متعمّدة، يتم تسويقها عبر عناوين مثيرة، وتُردّدها أصوات انتهازية، وتبتلعها جماهير غاضبة، ثم تُستخدم لتبرير التصعيد وسفك الدماء.
لقد شاهدتم هذا النمط من قبل: القصة الملفقة عن “إخراج الأطفال من الحاضنات” في الكويت والتي غذّت حرب الخليج، وكذبة أسلحة الدمار الشامل التي أطلقت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والادعاءات الكاذبة عن “رضّع مقطوعي الرؤوس” بعد هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 في جنوب إسرائيل.
كل هذه الادعاءات انتشرت بسرعة، وتم تضخيمها بحماس، واستُخدمت كسلاح لكسب تأييد الرأي العام، ثم سُحبت بهدوء بعد أن كانت الحروب قد بدأت ولم يعد بالإمكان إصلاح الضرر.
تُصاغ الكذبة عمدا بشكل يجعلها تبدو ضرورة أخلاقية عاجلة تستدعي التحرك الفوري، ثم يُمنح الضوء الأخضر لاستخدام القوة بعد اندلاع موجات الغضب الشعبي. أما الحقيقة فلا يتم الكشف عنها إلا لاحقًا، أحيانًا بعد سنوات، حين يفوت الأوان لتجنّب المآسي لو ظهرت الحقيقة في وقتها.
لا تحتاج المعلومات المضللة إلى قدر من التعقيد، فهي لا تتطلب سوى عاطفة جياشة، وتكرار مستمر، وعجز مؤقت عن التحقق ليتم الإفلات من التدقيق.
لذلك طالبوا بالإجابات فورا: أين الأدلة المستقلة والميدانية من داخل إيران؟ من الذي تحقق بدقة من هذه الأرقام الاستثنائية؟ ومن المستفيد الأكبر إذا طغى الغضب على صوت العقل؟.
المعلومات المضللة لا تحتاج إلى إقناعك تمامًا. يكفيها أن تشعل غضبك بسرعة تفوق قدرتك على إدراك الحقائق. وعندما يتم التحقق من المعلومات، يكون الأوان قد فات وانطلقت الحرب.
كل إحصائية تنتشر بسرعة عن فظائع هنا أو هناك، يجب التعامل معها بالشك الصارم الذي تفرضه دروس التاريخ، لأن ثمن التصديق الأعمى هو أرواح البشر.
تضخيم الأرقام
أعلى إحصاءات الخسائر البشرية التي يتم تداولها على نطاق واسع، والتي تقدر عدد القتلى في احتجاجات إيران الأخيرة بين 30,000 و40,000، تروج لها أساسًا منظمات في المنفى، وليس مراقبون محايدون على الأرض. ومن أبرز هذه المنظمات “مركز حقوق الإنسان في إيران” التي تتخذ من نيويورك مقرًا لها.
ترأس مجلس إدارة المركز مينكي ووردن، وهي كاتبة أمريكية ارتبط اسمها منذ فترة طويلة بمنظمة “هيومن رايتس ووتش” وحملات بارزة يتم شنها ضد الصين.
تم تداول بيانات مشابهة من خلال وسائل إعلام مثل “إيران إنترناشونال” (المموّلة جزئيًا من مصادر مرتبطة بمصالح سعودية)، و”وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان”، ومقرها الولايات المتحدة، و”منظمة حقوق الإنسان الإيرانية” ومقرها النرويج.
يوم الاثنين، نشرت “وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان” تقريرا يقدّر حصيلة القتلى المؤكدة بما يزيد قليلًا عن 6,000، مع الإشارة إلى أن الوفيات الأخرى المبلغ عنها مازالت قيد التحقيق.
وتعتمد هذه المنظمات على شبكات نشطاء داخل إيران، لكنها تعمل في خضم حرب معلوماتية، حيث يمكن للمبالغة أن تعزز الظهور الإعلامي والتمويل والضغط السياسي. عملها مهم في تسليط الضوء على الانتهاكات، لكنه يبقى ضمن أنشطة المناصرة، وليس تحققًا جنائيًا دقيقًا.
تساءل كثيرون عن سبب مطالبتي بالتدقيق الصارم فيما يتعلق بالوضع في إيران، فيما “أتقبل أرقام القتلى في غزة دون تمحيص”. هذا القياس خاطئ، ويسيء فهم سبب الدعوة إلى التحقق من الأرقام، وكذلك اختلاف بيئات المعلومات بشكل جذري.
كانت غزة واحدة من أكثر النزاعات توثيقًا في التاريخ. على مدى أكثر من عامين، وفّر آلاف الصحفيين الفلسطينيين والدوليين والأطباء والمواطنين لقطات مباشرة، ومقاطع فيديو محددة جغرافيا، وسجلات من المستشفيات، وجمعوا أسماء وأعمار وصور الضحايا.
أظهرت صور الأقمار الصناعية محو أحياء كاملة. كما أن الوصول الميداني – رغم محدوديته – أتاح لوكالات الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية مراقبة الأزمة عن كثب. حتى الأرقام الصادرة عن وزارة الصحة في غزة، والتي تعترض عليها إسرائيل وحلفاؤها، تم تأكيدها عبر تحليلات مستقلة من منظمة “إير وورز” والأمم المتحدة، ومن خلال المراقبة بالأقمار الصناعية. لا يوجد خلاف جدي حول حجم الدمار والخسائر البشرية.
التعتيم المتعمّد
الوضع في إيران اليوم مختلف تمامًا: انقطاع شبه كامل للإنترنت منذ أسابيع، وغياب وسائل الإعلام الدولية والمنظمات الإنسانية، وعدم تدفق الأدلة التي يمكن التحقق منها.
ما يحدث في إيران وحشي ومأساوي، لكن الادعاءات المبالغ فيها التي تتحدث عن سقوط نحو 50,000 قتيل تصدر بشكل شبه حصريً عن منظمات في المنفى ووثائق “مسربة” لم تُنشر علنًا ولم يتم التحقق منها بشكل مستقل من أي جهة محايدة.
لا توجد صور من المشارح أو قوائم بأسماء الضحايا، ولا أدلة من خلال الأقمار الصناعية على وجود مقابر جماعية. الشائعات والحملات الدعائية هي التي تملأ هذا الفراغ.
التشكيك في الأرقام ليس إنكارًا للمعاناة، بل هو أمر منطقي يتناسب مع السياق. من منظور الأدلة الملموسة، لا يمكن التعامل مع حرب موثقة بالصوت والصورة كما يتم التعامل مع دولة معزولة إعلاميا. هذا ليس اتساقًا، بل هو تضليل متعمد.
كما رأينا سابقا، المعلومات المضللة سلاح ذو حدين. اكتشفت امرأة إسرائيلية مؤخرًا أن صورتها استُخدمت على القناة 12 الإسرائيلية، حيث زُعم أنها واحدة من أربعة يهود قُتلوا خلال الاحتجاجات في إيران. لكنها على قيد الحياة، ولم تزر إيران قط، وتعيش في مستوطنة إسرائيلية. تنتشر القصص الكاذبة بسرعة وسط الفوضى، والتحقق بدقة من المعلومات هو السبيل الوحيد لمواجهة التضليل.
أمضيتُ عامين أراقب الأحداث في غزة، ووثقت مشاهد الدمار لحظة بلحظة: الجثث والأسماء والعائلات والمستشفيات والأحياء. رأينا القنابل تتساقط، ورأينا الجثث المشوهة. لم يختفِ أي دليل.
أما أن نرى الآن ادعاءات غير مؤكدة بأن حصيلة القتلى في إيران خلال بضعة أيام تعادل عدد القتلى في غزة على مدى عامين، فهذا ليس مجرد تضليل، بل هو أمر مروّع. إن استغلال الإبادة الجماعية في غزة لتضخيم أرقام غير موثقة وإشعال حرب أخرى والدفع نحو تغيير النظام الإيراني أمر مشين.
لقد غيّرت الحقائق القادمة من غزة الرأي العام وحرّكت العالم، لذلك يسعى آخرون اليوم إلى نيل التعاطف ذاته، حتى لو اضطروا لاستغلال الصدمة وتشويه الواقع.
لن أسايرهم في ذلك، ولن أفترض حسن النوايا. لن أسمح باستخدام الإبادة الجماعية في غزة لتبرير الحرب على أي طرف آخر.
يستحق الشعب الإيراني الحقيقة، لا ذرائع واهية أثبت التاريخ أنها قد تؤدي إلى نتائج أسوأ. التضامن الحقيقي يعني المطالبة بالأدلة، لا إثارة الغضب خدمة لأطراف أخرى.
المصدر: ميدل إيست آي
