ترجمة وتحرير: نون بوست
بعد عام من المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة وفشلت في إقناع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” – وهي ميليشيا كردية تسيطر على المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا – بتفكيك تلك الهياكل والاندماج في الدولة السورية، تصاعدت حدة التوترات مع دمشق، مما أدى إلى تحول سريع في المشهد الميداني.
ففي الأسبوعين الماضيين، استعاد الجيش السوري مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد من قوات “قسد”، بما في ذلك محافظتي دير الزور والرقة، ذات الأغلبية العربية.
وأعادت هذه العملية حقول نفط كبرى وسدودًا كهرومائية ومراكز احتجاز تضم مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية ومدنيين موالين له، إلى سيطرة الدولة، مما عزز بشكل كبير سلطة الرئيس أحمد الشرع.
تم تمديد وقف إطلاق النار الذي أُبرم بين الحكومة السورية و”قسد” في 20 يناير/ كانون الثاني، لمدة خمسة عشر يومًا إضافيًا بعد أن كانت المهلة 4 أيام، ما يمنح قوات سوريا الديمقراطية مزيدا من الوقت لنزع السلاح وتقديم خطة للاندماج في الجيش السوري، أو استئناف القتال.
سواء صمدت الهدنة أم انهارت، سيكون لذلك تداعيات كبيرة على تركيا المجاورة، التي تربطها مصالح تاريخية بسوريا، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن أنقرة حققت انتصارا.
فمن وجهة نظر تركيا، مثّلت سوريا ما بعد بشار الأسد تحديين مباشرين: الحكم الذاتي للكرد على طول حدودها الجنوبية، والتحركات الإسرائيلية التي اعتبرت أنقرة أنها تقوّض أهدافها.
وتشير التحولات الأخيرة إلى أن توم براك، سفير الولايات المتحدة إلى أنقرة والمبعوث الخاص إلى سوريا، ساعد في ترجيح الكفة لصالح تركيا على كلا الجبهتين.
مشكلتا تركيا في سوريا ما بعد الأسد
منذ تأسيس قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عام 2015 بدعم أمريكي، نظرت أنقرة إليها باعتبارها تهديدًا للأمن القومي. فقد أدى النفوذ الواسع للفصائل المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية، داخل “قسد”، إلى أن يتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الولايات المتحدة، حليف أنقرة في حلف شمال الأطلسي، بتسليح عدو تركيا اللدود.
وقد أفضى التعاون بين واشنطن و”قسد” إلى توتر العلاقات التركية الأمريكية، وإلى تغذية مشاعر معادية لأمريكا داخل تركيا، وإثارة المخاوف القومية من إنشاء دولة كردية على الحدود بدعم أمريكي. واستغل أردوغان هذا الواقع – إلى جانب بروز الحكم الذاتي الكردي في سوريا – ليتبنى أجندة متشددة مناهضة للكرد ويعقد تحالفًا مع حزب الحركة القومية، وهو تحالف أتاح له تحقيق هدفه القديم بالانتقال إلى نظام رئاسي واسع الصلاحيات.
واليوم، يرتبط مصير “قسد” والحكم الذاتي الكردي مرة أخرى بحسابات أردوغان الداخلية. فقد أطلق مبادرة جديدة بالتعاون مع زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل، عبد الله أوجلان، تهدف إلى تفكيك الحزب بعد أن أعلن في مايو/ أيار الماضي أنه سيتخلى عن السلاح.
وتستند هذه المبادرة أساسًا إلى الحاجة للحصول على دعم الكتل الكردية في البرلمان التركي بما يسمح لأردوغان بالترشح مجددًا للرئاسة في عام 2028، رغم القيود الدستورية. ويعتمد نجاح هذه المساعي على حل “قسد” وإنهاء مشروع الحكم الذاتي الكردي في سوريا.
وقد رأت أنقرة أيضًا أن توسع الحضور العسكري الإسرائيلي في سوريا بعد سقوط الأسد يشكّل عقبة أمام تحقيق أهدافها. فإلى جانب المخاوف من أن العمليات الإسرائيلية تفاقم عدم الاستقرار في البلاد، كان المسؤولون الأتراك قلقين من أن استمرار وجود الجيش الإسرائيلي سيشجع الكرد السوريين على التملص من اتفاقات التسوية مع دمشق.
وقد أشار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مرارًا وتكرارًا إلى أن “قسد” تتباطأ في تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 10 مارس/ آذار 2025 بشأن دمج قواتها في الجيش السوري، معتقدة أن إسرائيل ستدعمها، تمامًا كما دعمت الحكومة الإسرائيلية الدروز في جنوب سوريا.
في الوقت نفسه، سعت تركيا إلى توسيع حضورها العسكري في سوريا ما بعد الأسد، بما في ذلك بحث ترتيبات دفاعية مشتركة قد تتيح إنشاء قواعد تركية جديدة في وسط البلاد ونشر أنظمة رادار على الأراضي السورية.
وقد عارض المسؤولون الإسرائيليون بشدة خطة نشر أنظمة الرادار، معتبرين أنها ستقيّد بشكل كبير حرية الحركة الإسرائيلية في الأجواء السورية، وقد تعرقل قدرتها على تنفيذ عمليات خارج البلاد، بما في ذلك ضد أهداف في إيران.
في أبريل/ نيسان الماضي، أفادت التقارير أن أنقرة قيّمت ثلاث قواعد جوية سورية على الأقل تمهيداً لنشر قواتها فيها، وهي مواقع استهدفتها إسرائيل لاحقاً بغارات جوية. ووصف وزير الدفاع يسرائيل كاتس تلك الضربات بأنها تحذير من أن إسرائيل لن تسمح بتعريض أمنها للخطر، بينما اتهم وزير الخارجية جدعون ساعر تركيا بالسعي إلى إقامة نظام “حماية تركية” في سوريا.
هل حُلّت المشكلات؟
لقد ترك الهجوم العسكري الأخير للحكومة السورية قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في وضع حرج؛ فقد انشق آلاف من مجنديها العرب، مما سرّع من انهيارها، بينما خسرت مساحات واسعة من الأراضي التي سيطرت عليها لعقد من الزمن تقريبًا. ومن المقرر تفكيك وحداتها، ودمج مقاتليها في الجيش السوري من دون تشكيلات ذات أغلبية كردية، كما سيتم دمج الإدارة المستقلة التي أنشأتها خلال الحرب ضد تنظيم الدولة في الدولة الجديدة.
ولم تعد واشنطن تبدو وكأنها ترى في “قسد” عنصرًا محوريًا في إستراتيجيتها الإقليمية؛ إذ صرّح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، براك، بأن مهمة المنظمة الأصلية قد “انتهت إلى حد كبير”، وأن أفضل أمل للكرد الآن يكمن في حكومة الرئيس الشرع.
وعلى الرغم من أن إسرائيل لم يكن من المرجح أن تدعم قسد بالطريقة التي دعمت بها الدروز في سوريا، الذين تدخلت لصالحهم ضد دمشق الصيف الماضي، فإن شخصيات من “قسد” تحدث إليها الكاتب كانت تأمل أن مجرد احتمال تدخل إسرائيلي قد يردع حملة عسكرية من جانب الحكومة السورية والقوات المدعومة من تركيا. لكن قرار إسرائيل البقاء على الهامش خلال العمليات الأخيرة لدمشق قد بدّد هذا الوهم، وأوضح للكرد السوريين أن إسرائيل لن تنخرط بشكل مباشر.
وبالنظر إلى ذلك، تجد “قسد” نفسها أمام خيارات قاتمة؛ فإذا ما قررت استئناف القتال بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار الممتدة لأسبوعين، فمن المرجح أن تجتاح القوات السورية ما تبقى من أراضيها، مع وقوع المدنيين الكرد في مرمى النيران، وغياب أي احتمال لحماية دولية ذات معنى. أما إذا قبلت قسد بشروط دمشق، فإنها تكون عمليًا قد وافقت على إنهاء تجربة الحكم الكردي المستقل في سوريا.
لكن ماذا يعني كل هذا بالنسبة لمساعي أنقرة لتفكيك حزب العمال الكردستاني؟ بعد أن تحركت الحكومة السورية ضد “قسد”، خرج الكرد في تركيا إلى الشوارع استجابة لدعوة من حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية، ثالث أكبر فصيل سياسي في البلاد. وقد اندلعت اشتباكات مع الشرطة، مما دفع بعض مسؤولي الحزب الذين تحدث إليهم الكاتب إلى إعلان أن “عملية السلام” مع حزب العمال الكردستاني قد انتهت، لكن هذا الحكم سابق لأوانه.
لقد جرت المحادثات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان إلى حد كبير من دون مشاركة فعلية من حزب الشعوب للمساواة والديمقراطية أو من الجمهور الكردي الأوسع، ومن المرجح أن يواصل أوجلان نهجه طالما لم يتصاعد العنف ضد الكرد بشكل خارج عن السيطرة. فقد تخلى منذ فترة طويلة عن المطالب المتعلقة بإقامة دولة كردية أو حكم ذاتي إقليمي، وبدلاً من ذلك دعا إلى “الحكم المحلي الديمقراطي”. وبعد اتفاق 10 مارس/ آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” – الذي كان يهدف إلى تمهيد الطريق لدمج البُنى العسكرية والمدنية لقسد في مؤسسات الدولة السورية – ضغط أوجلان على “قسد” لتنفيذه.
الشروط التي تعرضها دمشق الآن أقل بكثير من حيث الفائدة، وقد أثار مرسوم الرئيس الشرع الذي يعترف بحقوق الكرد ومواطنتهم ولغتهم انتقادات من أطراف كردية تطالب بضمانات دستورية بدلاً من ذلك. ومع ذلك، يبقى نهج أوجلان البراغماتي محوريًا، إذ إن مصالحه الشخصية مرتبطة باستمرار المحادثات؛ فالمسجون في جزيرة إمرالي ببحر مرمرة منذ عام 1999 يسعى إلى تحسين ظروف اعتقاله وتقليل عزلة سجنه.
وتؤكد المحاضر تم نشرها مؤخرًا من اجتماعات نوفمبر/ تشرين الثاني بين أوجلان والوفود الزائرة هذا النهج البراغماتي. فوفقًا للمحاضر المنقحة، واصل أوجلان الدفع نحو نزع سلاح حزب العمال الكردستاني حتى في الوقت الذي كانت فيه دمشق تهاجم “قسد”، وبدا مستسلمًا لفكرة تخلي الكرد السوريين عن الحكم الذاتي لصالح الاندماج في المؤسسات الوطنية. وفي الوقت نفسه، كشفت التطورات الأخيرة أن نفوذ أوجلان أضعف مما كانت أنقرة تفترض في البداية؛ فعلى الرغم من ضغوطه، أخرت “قسد” تنفيذ اتفاق 10 مارس/ آذار. وأوضح مسؤولان كرديان أن أوجلان يواجه الآن انتقادات متزايدة من الجمهور الكردي، الذي كان جزء كبير منه يأمل أن تساعد المحادثات مع أنقرة الكرد السوريين في الحفاظ على المكاسب التي حققوها خلال الحرب.
إن التزام أوجلان المستمر بنزع السلاح – وانهيار “قسد” إلى جانب الحكم الذاتي الكردي – يحل فعليًا “المشكلة الكردية” التي يواجهها أردوغان في سوريا. أما فيما يتعلق بـ”المشكلة الإسرائيلية”، فإن أنقرة تعتقد أيضًا أن موقفها قد تعزز، إلى حد كبير بفضل السفير باراك؛ فقد قال مسؤول تركي إن أنقرة نسّقت مع باراك قبل الهجوم لضمان عدم تدخل إسرائيل لحماية “قسد”.
وربما يميل باراك أيضًا بكفة التوازن لصالح تركيا في أولويات أخرى؛ فقد نشرت تركيا مؤخرًا نظام رادار متطور في مطار دمشق الدولي، وهو رادار مراقبة الحركة الجوية “إتش تي آر إس–100” الذي تنتجه شركة الصناعات الدفاعية التركية أسيلسان.
ووصف السفير التركي في سوريا، نوح يلماز، ذلك بأنه ترقية كبيرة للبنية التحتية في مركز الطيران الرئيسي بالعاصمة. وبينما يؤكد المسؤولون الأتراك أن النظام مخصص للاستخدام المدني، يخشى المسؤولون الإسرائيليون من أنه قد يقيّد حرية إسرائيل في التحرك داخل الأجواء السورية.
ويأتي وقف إطلاق النار بين دمشق والكرد في لحظة حساسة بالنسبة لإسرائيل، إذ استؤنفت المحادثات حول ترتيب أمني محتمل مع سوريا. فبعد جمود دام شهرين؛ اجتمع مسؤولون كبار من إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة في باريس في 6 يناير/ كانون الثاني، واتفقوا على إنشاء آلية مشتركة، وهو مركز اتصال مخصص يتيح تنسيقًا مستمرًا في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري والدبلوماسية والقضايا التجارية تحت إشراف أمريكي.
ورغم هذا التقدم، لا تزال هناك فجوات كبيرة بين الطرفين، كما يطالب الرئيس الشرع بانسحاب كامل لإسرائيل من منطقة العازل ومن الجانب السوري لجبل الشيخ – وهي خطوات تراها إسرائيل صعبة للغاية، خصوصًا فيما يتعلق بجبل الشيخ. لكن التطورات الأخيرة في سوريا عززت موقف الشرع، ويبدو أنه يحظى بدعم ترامب. ويعتقد المسؤولون الأتراك أنه مع تقدم الشرع وتركيا – واصطفاف واشنطن على ما يبدو – قد تجد إسرائيل صعوبة أكبر في مقاومة الضغط الأمريكي للتوصل إلى تسوية.
ومن منظور أنقرة، بمجرد تسوية قضية “قسد”، فإن تقسيم النفوذ في سوريا – إسرائيل في الجنوب وتركيا في الشمال – أمر مقبول، وربما حتى مفيد؛ فإذا انسحبت القوات الإسرائيلية، سيتحول التدقيق حتمًا إلى عشرات الآلاف من الجنود الأتراك الموجودين داخل سوريا. أما إذا بقيت إسرائيل، فقد تشعر دمشق بأنها أكثر عرضة للخطر، وبالتالي أكثر ميلًا لتعميق التعاون مع تركيا. وهذه هي المعضلة التي يواجهها صانعو القرار الإسرائيليون الآن وهم يدرسون خطواتهم المقبلة في سوريا.
المصدر: معهد الشرق الأوسط