شهدت الساعات الأخيرة نشاطًا دبلوماسيًا لافتًا قادته عواصم إقليمية عدة، في مسعى لاحتواء التوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن، ومحاولة ثني إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن المضي قدمًا نحو توجيه ضربة عسكرية لإيران، في ظل مخاوف جدية من انزلاق المنطقة إلى موجة تصعيد واسعة قد تهدد استقرارها وأمنها الجماعي.
ومن القاهرة إلى الرياض، مرورًا بالدوحة وأبوظبي وأنقرة، تكثفت الاتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، في محاولة لبلورة مسار تفاوضي يفتح نافذة للحل السياسي، ويجنب المنطقة تداعيات مواجهة عسكرية يصعب احتواء نتائجها إذا ما اندلعت شرارتها.
ويأتي هذا الحراك الدبلوماسي المتسارع في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع تصعيد حاد في اللهجة الأمريكية، حيث لوّح الرئيس ترامب بأن “الوقت يوشك على النفاد”، محذرًا طهران من أن عدم الانخراط السريع في مفاوضات جادة والتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي سيقابل برد عسكري “أشد قسوة بكثير” من الضربات السابقة، مترافقًا مع تهديدات بتحريك قوة بحرية أمريكية كبيرة باتجاه إيران.
وفي ظل هذا المشهد المشحون والمرتبك معًا، والمفتوح على كافة الاحتمالات، يظل التساؤل مطروحًا: هل تنجح دبلوماسية اللحظات الأخيرة في كبح جماح التصعيد ونزع فتيل الأزمة قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة؟
ما هي المطالب الأمريكية للتراجع عن العملية؟
كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن ثلاثة مطالب رئيسية تقدمت بها إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى إيران، وُصفت بأنها «شروط صارمة» للتراجع عن خيار العمل العسكري المحتمل، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين.
المطلب الأول: يتمثل في وقف إيران الكامل لجميع أنشطة تخصيب اليورانيوم، ورغم أن منشأتي نطنز وفوردو، وهما الركيزتان الأساسيتان لبرنامج التخصيب الإيراني، تعرضتا لأضرار جسيمة خلال حرب الأيام الاثني عشر الماضية، ما يجعل إعادة تشغيلهما أمرًا غير مرجح في المدى القريب، إلا أن المخاوف الأمريكية لا تزال قائمة من إمكانية لجوء طهران إلى مواقع صغيرة وسرية يصعب رصدها لمواصلة عمليات التخصيب.
وتشير الصحيفة إلى أن امتلاك إيران يورانيوم مخصب بنسبة 60%—وهي نسبة تقترب من المعدل المطلوب لصناعة السلاح النووي—قد يتيح لها إنتاج وقود يكفي لعدد محدود من الرؤوس النووية، في حال تمكنت من الوصول إلى المخزون الذي دُفن تحت الأنقاض جراء الهجمات، وحتى الآن، تؤكد أجهزة الاستخبارات الأمريكية والأوروبية عدم توفر مؤشرات على نجاح إيران في استعادة هذا اليورانيوم، على الأقل في المدى القريب.
المطلب الثاني: يركز على فرض قيود صارمة على مدى وعدد الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما يعني عمليًا تجريد طهران من أهم أدوات الردع المتبقية في ترسانتها العسكرية.
وترى واشنطن وحلفاؤها أن هذه الخطوة من شأنها الحد من قدرة إيران على استهداف العمق الإسرائيلي في حال تعرضها لهجوم من تل أبيب، ورغم تقديرات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين بأن هجومًا إيرانيًا وشيكًا على إسرائيل لا يبدو مرجحًا في الوقت الراهن، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمّح إلى إمكانية شن ضربات جديدة إذا ما أقدمت طهران على إعادة بناء قدراتها العسكرية.
المطلب الثالث: يتمحور حول إنهاء الدعم الإيراني للقوى الحليفة لها في الإقليم، ولا سيما في لبنان والعراق واليمن، مع التركيز على تجفيف مصادر التمويل والتسليح لتلك الفصائل، ويُعد هذا الشرط امتدادًا لمطالب أمريكية متكررة لطهران خلال السنوات الماضية، باعتباره أحد أبرز أوجه النفوذ الإيراني خارج حدودها.
وتشير الصحيفة إلى أن ترامب يبدو واثقًا بعد ما اعتبره نجاحًا أوليًا لسياساته في فنزويلا، مستندًا إلى أسلوب التهديد المباشر بـ«إسقاط النظام» كأداة ضغط، في محاولة لردع القيادة الإيرانية والحرس الثوري على حد سواء.
غير أن اللافت في مجمل هذه المطالب الثلاثة هو غياب أي إشارة—صريحة أو ضمنية—لمسألة حماية المحتجين داخل إيران من الانتهاكات السلطوية، رغم أن هذا الملف كان قد استُخدم سابقًا كأحد المبررات السياسية لتسويق أي تحرك عسكري محتمل ضد طهران.
حراك دبلوماسي مكثف
شهدت الساعات الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا إقليميًا مكثفًا في محاولة لاحتواء الأزمة في لحظاتها الحرجة، حيث أكد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، موقف المملكة الرافض بشكل قاطع لاستخدام أجوائها أو أراضيها في أي أعمال عسكرية ضد إيران، أو في أي هجمات تنطلق من أي طرف كان.
وشدد ولي العهد على احترام الرياض لسيادة إيران، مؤكدًا دعم المملكة لكافة المساعي الرامية إلى حل الخلافات عبر الحوار السياسي، بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة ويحول دون انزلاقها إلى مواجهات مفتوحة.
وفي السياق ذاته، قاد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي تحركات دبلوماسية نشطة، أجرى خلالها سلسلة اتصالات هاتفية مع مسؤولين في إيران والولايات المتحدة وقطر وسلطنة عُمان، تناولت تطورات الأوضاع في ظل تصاعد حدة التوتر الإقليمي.
سمو #ولي_العهد يتلقى اتصالًا هاتفيًا من رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.https://t.co/zMptZKprMY#واس pic.twitter.com/d1Wg9MOrYF
— واس الأخبار الملكية (@spagov) January 27, 2026
وأكد عبد العاطي، في اتصالاته مع نظيره الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ضرورة تكثيف الجهود لخفض التصعيد وتفادي انزلاق المنطقة إلى دوامات جديدة من عدم الاستقرار، مشددًا على أهمية تهيئة المناخ المناسب لتغليب الحلول الدبلوماسية والتوصل إلى تسويات سياسية مستدامة، وعلى رأسها استئناف الحوار الأمريكي–الإيراني بشأن الملف النووي بما يراعي مصالح جميع الأطراف.
وتكامل هذا الحراك مع تحركات قطرية وإماراتية متزامنة، حيث أكد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في اتصالات ومباحثات مع مسؤولين إيرانيين، دعم الدوحة الكامل لكافة جهود خفض التصعيد.
كما جددت أبو ظبي، في بيان رسمي، التزامها بعدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها أو مياهها في أي أعمال عسكرية عدائية ضد إيران، ورفضها تقديم أي دعم لوجستي في هذا الإطار، مؤكدة أن الحوار واحترام سيادة الدول والالتزام بالقانون الدولي تمثل الأسس الأنجع لمعالجة الأزمات الراهنة وحماية أمن المنطقة.
طهران وسياسة الباب المفتوح
على الرغم من التصعيد العسكري الأمريكي، وما رافقه من حشد واسع للقدرات العسكرية في المياه الإقليمية، إلى جانب الخطاب السياسي والإعلامي المتشدد، تسعى طهران إلى الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، في إطار ما يُعرف بسياسة «الباب المفتوح»، وقد عكس وزير الخارجية الإيراني هذا التوجه بصورة غير مباشرة، في تصريحاته للصحفيين على هامش اجتماع الحكومة الأسبوعي، الأربعاء 28 من الشهر الجاري.
ورغم نفيه حدوث أي تواصل مباشر خلال الأيام الماضية مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، أو تقدم بلاده بطلب رسمي لإجراء مفاوضات، أوضح عراقجي في المقابل أن جهود الوساطة لا تزال قائمة، وأن إيران على تواصل مع الوسطاء عبر قنوات غير مباشرة، مؤكدًا أن دولًا عدة تضطلع بدور الوسيط، وتبذل مساعي ومشاورات في هذا السياق، مشددًا على أن طهران تتفاعل مع هذه الجهود «بحسن نية» في محاولة لاحتواء التوتر القائم.
#عاجل | المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية:
📌إذا اشتعلت النيران في هذه المنطقة فستحرق العالم أجمع
📌لا نسعى إلى الحرب لكننا مصرون على الدفاع عن مصالح بلادنا وشعبنا pic.twitter.com/ntkcXKWRyw
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) January 28, 2026
وفي قراءة إيرانية أوسع للمشهد الإقليمي، ترى طهران أن هناك شبه إجماع إقليمي على رفض أي تهديد عسكري، انطلاقًا من القناعة بأن أي اهتزاز في الاستقرار ستكون له تداعيات خطيرة تطاول المنطقة بأسرها، وفي هذا الإطار، حذر عراقجي من أن أي عمل عسكري، في ظل الكثافة الكبيرة للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، من شأنه أن يفضي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وفتح الباب أمام تحديات أمنية يصعب احتواؤها، لكنه في الوقت ذاته بعث برسائل طمأنة للجانب الأمريكي بقوله إن بلاده “لا تزال ترحب باتفاق نووي عادل يضمن حقوق إيران في التقنية النووية السلمية ويضمن عدم امتلاك أسلحة نووية”
مطالب ترامب في ميزان الملالي
تشير التقديرات السياسية والإعلامية إلى أن جولات المباحثات التي جرت خلال الأيام الماضية بين واشنطن وطهران، سواء عبر قنوات غير مباشرة أو من خلال وسطاء، لم تُفضِ إلى تحقيق اختراق حقيقي في جدار التصلب المتبادل، في ظل تمسك كل طرف بسقوفه التفاوضية ومطالبه الأساسية، ما أبقى مسار الحوار عالقًا في دائرة المراوحة دون تقدم ملموس.
وبحسب تقديرات أمريكية وأوروبية، فإن احتمالات استجابة طهران للمطالب الأمريكية الثلاثة لا تزال محفوفة بالتعقيدات، فعلى صعيد المطلب الأول، المتعلق بالتخلي الكامل عن عمليات تخصيب اليورانيوم، ترى “نيويورك تايمز” أن هذا الشرط قد يكون مرفوضًا مبدئيًا من جانب إيران، غير أنه قد يخضع لصيغ التفاف تكتيكية، من قبيل تعهدات مرحلية بخفض نسب التخصيب أو تجميدها مؤقتًا.
ويعزز هذا الخيار صعوبة الرقابة الأمريكية الكاملة بعد الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية خلال حرب الأيام الاثني عشر، ما يمنح طهران هامش مناورة يسمح لها بالإبقاء على مشروعها النووي بوتيرة أبطأ وعلى مدى زمني أطول.
أما المطلب الثاني، الخاص بتقييد مدى وعدد الصواريخ الباليستية، فيُعد من الخطوط الحمراء لدى طهران، التي تنظر إلى هذه القدرات بوصفها آخر أدوات الردع الاستراتيجي في مواجهة أي هجوم إسرائيلي محتمل.
ومن ثم، لا يُتوقع أن تبدي إيران مرونة حقيقية حيال هذا الملف، باستثناء تقديم تعهدات سياسية غير ملزمة، وبرعاية الوسطاء، بعدم استخدام هذه الصواريخ ضد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية، لا سيما في ظل التقديرات الغربية التي تستبعد قيام طهران بأي هجوم وشيك في المرحلة الراهنة.
وفي المقابل، يبدو أن المطلب الثالث، المتعلق بتقليص أو قطع الدعم عن حلفاء إيران في المنطقة، قد يكون الأكثر قابلية للتجاوب، ولو بصورة مؤقتة، في ظل الضغوط الاقتصادية الحادة التي تواجهها البلاد، والتي تجعل من استمرار استنزاف الموارد عبر الأذرع الخارجية مخاطرة قد تهدد استقرار النظام نفسه، وهي الرسالة التي عكستها بوضوح موجات الاحتجاج الأخيرة.
هل تنجح دبلوماسية اللحظات الأخيرة؟
ينطلق الحراك الدبلوماسي الإقليمي من قناعة راسخة مفادها أن اندلاع حرب واسعة لن يقتصر أثره على الساحة الإيرانية وحدها، بل ستتجاوز تداعياته حدود الجغرافيا لتطال مجمل أمن واستقرار الإقليم، وهو ما يفسر هذا التحرك الكثيف والمتسارع بوصفه محاولة استباقية لاحتواء الانفجار وحماية المصالح الجماعية لدول المنطقة.
في المقابل، تسعى طهران إلى توظيف ورقة التصعيد واحتمالات توسيع دائرة الرد في حال تعرضها لهجوم أمريكي، باعتبارها أداة ضغط غير مباشرة على الوسطاء الإقليميين والدوليين، بهدف كبح اندفاع واشنطن نحو مواجهة عسكرية جديدة قد تضع مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط أمام مخاطر جسيمة وغير محسوبة.
وفي هذا السياق، يراهن بعض الفاعلين على قدرة الدبلوماسية على انتزاع قدر من المرونة الإيرانية إزاء المطالب الأمريكية الثلاثة، بما يمنح ترامب مكسبًا سياسيًا قابلًا للتسويق داخليًا، مقابل إقناع الإدارة الأمريكية بأن كلفة الضربة العسكرية قد تفوق عوائدها الاستراتيجية.
وبينما يتواصل الضغط الإسرائيلي لدفع واشنطن نحو الحسم العسكري، يظل القرار الأمريكي محل تباين داخل دوائر صنع القرار، ولم يُحسم بعد رغم الحشد العسكري غير المسبوق، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح دبلوماسية اللحظات الأخيرة في نزع فتيل الأزمة قبل أن تتدحرج كرة النار، وتدخل المنطقة مسارًا مجهول العواقب؟