في خطوة تفتح بابًا واسعًا للجدل حول حدود تدخل المؤسسة العسكرية في الشأنين الديني والقضائي، قررت الأكاديمية العسكرية المصرية استبعاد 179 إمامًا وخطيبًا من الدورة التدريبية المؤهلة للتعيين بوزارة الأوقاف، استنادًا إلى معايير تتعلق بالوزن والإعفاء الطبي من الخدمة العسكرية، رغم اجتيازهم المراحل المعلنة للمسابقة.
القرار لا يبدو إجراءً إداريًا معزولًا، بل يأتي ضمن مسار أوسع تُعاد فيه هندسة وظائف مدنية سيادية، من الدعوة الدينية إلى المنصة القضائية، عبر إخضاعها لتأهيل عسكري مباشر، في سابقة تعكس توسع منطق الانضباط العسكري ليشمل مجالات يُفترض أنها تقوم على الاستقلال والكفاءة المهنية لا الطاعة الجسدية والتنظيمية.
في هذا المقال، نحاول نقاش دلالات إخضاع الإمام والقاضي معًا لمعايير مستمدة من المؤسسة العسكرية، وما يكشفه ذلك عن تداخل غير مسبوق بين السلطة العسكرية وكلٍّ من السلطتين الدينية والقضائية، وأيضا تحول “التأهيل” إلى أداة للفرز والإقصاء وإعادة الضبط السياسي.
وكذلك، تناول أثر هذه السياسات على مستقبل استقلال الخطاب الديني واستقلال القضاء، وعلى مفهوم الدولة المدنية وتكافؤ الفرص، واضعًا هذه القرارات في سياقها الأشمل، سياق دولة تُدار فيها المؤسسات المدنية بوصفها امتدادات للمنظومة الأمنية، لا فضاءات مستقلة لخدمة المجتمع والفكر والعدالة.
إعادة صياغة فلسفة الموظف المصري
تأسس هذا المسار التحولي، في مسألة تعيين المدنيين، على قاعدة تشريعية صلبة بدأت بصدور القانون رقم 149 لسنة 2022، الذي أنشأ الأكاديمية العسكرية المصرية لتكون المظلة الجامعة للكليات العسكرية (الحربية، البحرية، الجوية، والدفاع الجوي) تحت رئاسة وزير الدفاع، ومقرها الرئيسي داخل مركز قيادة الدولة الاستراتيجي بالعاصمة الإدارية الجديدة، كما تزامن ذلك مع إنشاء الكلية العسكرية التكنولوجية بموجب القانون رقم 150 لسنة 2022، لتتكامل المنظومة التعليمية العسكرية وتتوسع صلاحياتها التدريبية لتشمل تأهيل كوادر مدنية للعمل في مؤسسات مثل الطب الشرعي.
ورغم أن الأهداف المعلنة كانت إعداد ضباط الوحدات المقاتلة، إلا أن الممارسة العملية سرعان ما كشفت عن رغبة في “عسكرة هيكليّة” للجهاز الإداري للدولة، حيث صدر قرار رئيس الجمهورية رقم 302 لسنة 2022 وتعديلاته ليمنح خريجي الكليات العسكرية درجات بكالوريوس مدنية في تخصصات الاقتصاد والعلوم السياسية والإحصاء والحاسبات، مما أتاح للكوادر العسكرية اختراق المجال المدني بمسوغات أكاديمية رسمية تضاهي الجامعات المدنية.
“حين يُختزل التعليم في ترديد الأناشيد وتمجيد “#السيسي“، تُصاغ عقول الأجيال لتخدم السلطة لا المجتمع”
❗عسكرة التعليم في مصر وصناعة المواطن المُطيعhttps://t.co/I9JIWmaBkP
مقال لـ: @Ahmd_abdelhalim pic.twitter.com/AZ6YP12Rlz
— نون بوست (@NoonPost) October 14, 2025
هذه الرؤية انتقلت من حيز التدريب النوعي إلى الإلزام الشامل في أبريل 2023، حين أصدر الأمين العام لمجلس الوزراء، اللواء أسامة سعد، خطابا دوريا تضمن توجيهات رئاسية تُلزم جميع الراغبين في التعيين بأي وظيفة حكومية بالحصول على دورة تأهيلية داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين. وبموجبْ هذا التوجه، لم تعد الأكاديمية مجرد مركز تعليمي، بل تحولت إلى “مصفاة” أمنية وبدنية وفكرية لا تفرّق بين الموظف الإداري والقاضي أو الدبلوماسي.
وتنبع هذه الفلسفة من رؤية السلطة التنفيذية من أجل بناء وتأهيل شخصية خاصة للموظف العام، يكون تأثيرها ممتدًا إلى أسرته ومجتمعه، وهي رؤية تعكس عدم الثقة في آليات التعليم والتوظيف المدنية التقليدية والبحث عن “النموذج العسكري” كبديل وحيد لضمان السيطرة والانضباط المطلق داخل مفاصل الدولة، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تآكل فكرة الدولة المدنية وتحويلها إلى جهاز تابع للجيش.
الأئمة بين “حراسة العقيدة” وضوابط الأكاديمية
تعد أزمة “دفعة الإمام حسن العطار” بوزارة الأوقاف النموذج الأكثر دلالة على استخدام المعايير البدنية كأداة للإقصاء؛ ففي يناير 2026، استبعدت الأكاديمية العسكرية 179 إماما وخطيبا رغم اجتيازهم رحلة اختبارات شاقة بدأت بالجهاز المركزي للتنظيم والإدارة واستمرت لعامين كاملين.
وجاء الاستبعاد في مرحلة “كشف الهيئة” بناءً على معايير لم تُعلن في شروط المسابقة، مثل زيادة الوزن بمقدار يتراوح بين 3 إلى 5 كيلوغرامات عن “الوزن المثالي” العسكري، أو الحصول المسبق على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية (مثل حالات الفلات فوت) التي لا تعيق أداء مهام الإمامة.
هذا الفرز البدني أثار تساؤلات حول مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة وأن دفعات سابقة مثل “دفعة الإمام محمد عبده” تم قبول أعضائها بهوامش زيادة في الوزن وصلت إلى 20 كيلوغرامًا، مما عزز فرضية أن “التأهيل” بات أداة للفرز الانتقائي السياسي والاجتماعي أيضا، وليس البدني فقط.
يتجاوز الأمر الجانب البدني إلى محاولة خلق “مرجعية دينية موازية” تُدار من داخل المؤسسة العسكرية؛ حيث فُرض على الأئمة برنامج تدريبي لمدة 6 أشهر، ولحملة الدكتوراه لمدة عامين، بمقر قيادة الدولة الاستراتيجي، يتضمن نظاما صارما يشمل الاستيقاظ في الرابعة فجرا، ومنع الهواتف المحمولة إلا بتصاريح محدودة، واستخدام ملابس وأدوات حلاقة توفرها الأكاديمية، كما تضمن التدريب مُحاضرات في الأمن القومي وتفكيك الفكر المتطرف، بل والتدريب على استخدام السلاح وطلقات الرصاص غير الحية لتوليد شعور بالانضباط القتالي.
وقد تجسد هذا التوجه في تشكيل “مجلس علمي” داخل الأكاديمية برئاسة وزير الأوقاف أسامة الأزهري لمناقشة الجوانب الدينية واللغوية، وهو ما يُعدّ تغولًا على اختصاصات الأزهر الشريف الممنوحة له بموجب المادة السابعة من الدستور، ويهدف هذا المسار إلى تحويل الإمام من “عالم دين” مستقل إلى “موظف منضبط” يعمل كحارس للحرية لا حارس للعقيدة، مع تدريبه على كشف “التغيرات الفكرية” في منطِقته وإبلاغ الجهات المعنية، مما يحول رسالة المسجد إلى امتداد لمنظومة الضبط الأمني.
عسكرة المنصة القضائية
مثّل إخضاع السلطة القضائية للأكاديمية العسكرية التحول الأخطر، من حيث المساس بمؤسسة سيادية، تاريخيا، مثل القضاء، كما بالنظر إلى المكانة الدستورية للقضاء كسلطة مستقلة؛ فمنذ يناير 2026، انتقل كامل ملف التعيينات القضائية إلى الأكاديمية العسكرية بموجب توجيهات رئاسية ألغت الدور التاريخي للمكاتب التابعة للهيئات القضائية.
وأصبح المسار الجديد يبدأ بالتوجه للأكاديمية لإجراء اختبارات طبية ورياضية وتحريات أمنية، ولا تُحال أسماء الناجحين فيها فقط إلى “اللجنة السباعية” بمجلس القضاء الأعلى للاختبار القانوني، لتستلم الأكاديمية الدرجات مرة أخرى وتجري التقييم النهائي وتعد الكشف الذي يرفعه رئيس الجمهورية، ما يعني أن الأكاديمية أصبحت تملك سلطة “الفيتو” على دخول أي قاضٍ للمنصة، بل وشملت التوجيهات إلغاء اختيارات دفعة حقوق 2022 وإعادة اختيار المرشحين بمعرفة الأكاديمية، وإلغاء مقابلات دفعة النيابة العامة 2024 التي كانت قد بدأت بالفعل.
وإلى جانب الحواجز الإجرائية، فرضت الأكاديمية منذ يناير 2025 عائقا ماليا ضخما، من خلال إلزام القضاة الجدد بدفع رسوم تدريب بلغت 112 ألف جنيه للذكور و120 ألف جنيه للإناث مقابل الإقامة والتدريب، وأكد مستشارون أن قرارات تعيينهم لم تصدر إلا بعد تقديم إيصال السداد، مما يحول الوظيفة القضائية إلى ميزة لمن يملك القدرة المالية وينسف مبدأ تكافؤ الفرص.
ولم يتوقف التغول عند التعيينات، بل امتد للترقيات؛ حيث استبعد القرار الجمهوري رقم 429 لسنة 2025 قرابة 100 مستشار من الترقية بهيئة قضايا الدولة لعدم اجتيازهم دورة الأكاديمية، رغم استيفائهم الشروط القانونية، ما أدى لانتفاضة قضائية، حيث دعا نادي قضاة مصر لجمعية عمومية طارئة في 6 فبراير 2026 لمواجهة هذا “الأمر الجسيم”، وشهد النادي حضورا بالمئات واستخداما لتقنيات الفيديو كونفرانس لنقل الوقائع للمحتشدين في الخارج، معلنا حالة الانعقاد الدائم للدفاع عن استقلال القضاء وفصل السلطات، وسط تضامن واسع من أندية قضاة الأقاليم من الإسكندرية والمنوفية إلى الصعيد وقنا.
تفند الأرقام الموثقة مزاعم نظام السيسي بتحسين أوضاع السجون وتخفيف القبضة الأمنية، حيث وثّقت التقارير الحقوقية 20 حالة وفاة بين سبتمبر 2024 وسبتمبر 2025 نتيجة الإهمال الطبي المباشر.. كيف تحولت السجون المصرية إلى مسارح للموت الصامت؟
📍تفاصيل أكثر في موقعنا الإلكتروني👇… pic.twitter.com/Hb8LHU9BdN
— نون بوست (@NoonPost) December 8, 2025
نهاية، ما يجري ليس إصلاحًا ولا تطويرًا، بل إعادة هندسة قسرية للدولة على صورة المؤسسة العسكرية، إذ تدخل الأكاديمية العسكرية في شؤون الأئمة والقضاة يعلن، بلا مواربة، نهاية ما تبقّى من استقلال الوظيفة العامة، وبداية مرحلة تُدار فيها الدولة بمنطق الثكنة لا الدستور، كما فرض “الشخصية الولائية” للدولة العسكرية كمعيار للتعيين ليس تفصيلاً لغويًا، بل هو جوهر التحوّل، حيث إقصاء العقل لصالح الجسد، والكفاءة لصالح الطاعة، واستبدال فكرة “الموظف العام” بفكرة “العنصر المنضبط” مثل الضابط والجندي. في هذا السياق، لا يعود الإمام أو القاضي فاعلًا أخلاقيًا أو قانونيًا، بل شاهد زور على تمدد السلطة التنفيذية داخل ما يُفترض أنه مجال محايد ومحصّن.
وعلى هذا الأساس، تصبح النتيجة ليست فقط انتهاكًا فجًا لمبدأ تكافؤ الفرص، بل تفريغًا متعمّدًا لمؤسستي الدين والقضاء من أي شرعية مستقلة، وتحويلهما إلى أدوات ضبط اجتماعي.
حين يدرك المواطن أن العدالة والخطاب الديني يخضعان للفرز البدني والقدرة المالية، لا للقانون والعلم، فإن الدولة نفسها تصبح فاقدة للمرجعية، وتفتح الباب أمام فوضى قانونية وتديّن احتجاجي لا تملك السيطرة عليه. وما الصدام مع القضاة واحتجاجات الخريجين إلا مؤشرات على تصدّع أعمق في بنية الدولة المدنية. فـ”الجمهورية المنضبطة” التي تُبنى على الإقصاء والتجريد قد تفرض الصمت، لكنها تعجز عن إنتاج الاستقرار، لأن الدول لا تُحكم بالولاء والوزن والطول، بل بالمؤسسات، والمعرفة، وسيادة القانون.