في الوقت الذي نحاول معرفة خيارات إيران المستقبلية في العراق، وسبر أغوار مجهوداتها لإيصال من تثق به وتعتمد عليه إلى سدة الحكم هناك، استعدادًا لمنازلتها التي ربما تكون الأخيرة مع الولايات المتحدة، تتهيأ الولايات المتحدة لتلك المنازلة من خلال تحشيد اساطيلها وقواتها بالمنطقة لتوجيه ضربة لإيران، ربما ستأتي بأجل نظامها، وتطوي صفحته وتلغي تأثيره بالمنطقة، لاسيما في العراق.
الحقيقة التي لا تغيب عن ناظر الجميع، أن التطورات المتلاحقة في المنطقة، أصبحت متسارعة للدرجة التي لا يتسنى لأحدنا أن يتمكن من تكوين رؤية استشرافية دقيقة يتلمس خلالها معرفة ماذا تريد أن تفعل إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وماذا تحيك من خطط للحفاظ على أخر منطقة نفوذ مهمة لها في العراق.
هل ستخسر كل ذلك بسقوط نظامها، أم أن بعثرتها للأوراق في المنطقة وبالأخص في العراق، سيمد لها حبل نجاةٍ تناور به لإنقاذ نفسها من المصير المحتوم الذي أبرمه لها ترامب؟
تشير جميع المؤشرات إلى أن التصعيد بين #إيران و #أمريكا بلغ مستويات غير مسبوقة من الحشد والاستنفار، ما يجعل احتمال توجيه ضربة عسكرية أقرب من أي وقت مضى.. فهل حانت ساعة الصفر رغم الضغوط الإقليمية لإثناء #ترامب عن هذه الخطوة؟ https://t.co/1r4OM2nMTC
— نون بوست (@NoonPost) January 27, 2026
حكومة عراقية بهوى إيراني هو واجب الوقت
من مراقبتنا لمجريات الأمور بعد الانتخابات النيابية الأخيرة في العراق، تنبأ كثير من المراقبين، بأن الطريق مُمهدًا لمحمد شياع السوداني للوصول إلى تشكيل حكومته الثانية، لا سيما وأن تحالفه قد حصل على أعلى عددًا من المقاعد النيابية، وأنه يحوز برضا أمريكي وإيراني بنفس الوقت، وأنه قادر على مراعاة مصالح الطرفين في العراق بمهارة عالية.
لكن ومع مرور الوقت واقتراب الاستحقاق لتسمية رئيس الوزراء، وجدنا حراكًا محمومًا من قبل إيران للتواصل مع قادة الإطار التنسيقي الشيعي، تحثهم فيه على استبدال السوداني بشخصية نوري المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة، لأن واجب الوقت بالنسبة لهم، هو العمل على عدم سقوط النظام الإيراني، وتحشيد الجهود كافة في سبيل تحقيق هذا الهدف، لأن سقوط النظام الإيراني، يعني سقوط الحكم الشيعي في العراق، وانحسار النفوذ الذي تمتلكه الأحزاب والفصائل الشيعية، وانتهاء عصرها إلى الأبد.
سقوط النظام الإيراني سيحرك لعبة الدومينو التي ستصل للنظام العراقي سريعًا، وستسقطه، فلقد بنى النظام العراقي استراتيجية حكمهِ، بالاعتماد على الدعم الإيراني، وأي خلل في تركيبة الأخير، يعني تخلخل أتباعه في العراق.
حتى وصلت الطبقة الشيعية الحاكمة في العراق إلى مرحلة، حرقت فيها مراكبها مع الجميع، وجاهرت بالعداء للجميع سواء داخليًا أو خارجيًا، انتصارًا للمصالح الإيرانية. وهم يعلمون جيدًا، أن سقوط نظامهم، سيجلب معه لحظة الحساب، التي ستُحرك كل الأطراف التي اكتوت بنار هذا النظام الطائفي للقصاص من رموزه بعد طول انتظار، يدعمهم في ذلك، قوة كبيرة هي الولايات المتحدة، التي ترى أن النظام العراقي بقيادته الحالية وفصائله المسلحة، قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء بدعمٍ من النظام الإيراني.
الفصائـ ـل تلوح بــ”فتوى الجهـ ــاد” والعراق أمام أخطر اختبار سيادي
تصعيد خطير في خطاب الفصائـ ــل المسلحـ ــة، مع التلويح بفتوى “الجهـ ــاد” والاستعداد لدعم إيران عسكريًا، يضع العراق أمام اختبار سيادي بالغ الحساسية.
في المقابل، تتمسك الحكومة برفض استخدام الأراضي والأجواء… pic.twitter.com/6HBLUkQIYe
— الساعة (@alssaanetwork) January 27, 2026
مصير الفصائل المسلحة مرتبط بحكومة تعادي أمريكا
من ناحيتها، فالأمر أكثر تأكيدًا بالنسبة للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، فهي ترى أن تشكيل حكومة عراقية مرتبطة بإيران، ليس مجرد تعبير عن الولاء العقائدي للولي الفقيه، إنما هو الفرصة الأخيرة لها للإفلات من الضغوط الداخلية والضغوط الأمريكية التي تريد حلها ونزع سلاحها.
ذلك لأن الأحزاب الشيعية العراقية، ربما تستطيع الإفلات من التفكك والاندثار إذا ما اندلعت الحرب على إيران، وسقط نظامها، وذلك من خلال تغيير جلدها ورفع شعارات مخالفة للتي كانت ترفعها في السابق، لكن هذا الترف من المناورات السياسية، غير متاح للفصائل المسلحة التي متهمة أمريكيًا بسفك دماء جنودًا أمريكان، وتجرأت على ضرب “الكيان” بعد السابع من أكتوبر.
ومن قبلها كانت موغلة هذه الفصائل بالدم العراقي. وعلى هذا الأساس فليس من الوارد أن تغفر واشنطن وتل أبيب، هذه الفعلة للفصائل وتدعها تفلت بفعلتها هذه. ولذلك، نجد الفصائل مهتمة وبقوة لتشكيل حكومة يترأسها شخصية لا يمكن الشك بولائه لإيران، أو الشك بطائفيته، وأن يكون شخص رئيس الوزراء القادم، قادر على الدفاع عنها بكل قوة، ويفعل المستحيل لعدم حلها أو نزع سلاحها، حتى لو غامر بكل المصالح العراقية.
🔴 هام — عاجل
ترشيح المالكي بدعم قادة فصائل مسلّحة يضع مسار تشكيل الحكومة في مواجهة التحذيرات الدولي.
عقب اجتماع عُقد في دار هادي العامري، أعلن الإطار التنسيقي ترشيح نوري المالكي رسميًا لتولّي رئاسة الوزراء.
وظهر المالكي في مقطع مصوّر أثناء خروجه من دار العامري، وبجانبه أبو… pic.twitter.com/SlN40cKfMw
— المغرد العراقي (@Iraq_Liberty) January 24, 2026
خيارات الإطار التنسيقي
الرفض الأمريكي لترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، والذي جاء على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة، أوقع القيادات الشيعية ضمن الإطار التنسيقي الشيعي، في حالة إرباك شديدة، لا سيما وأن الخيارات أمام هذا الرفض كلها لا تخدم مصالحها، فإذا استجاب للرفض الأمريكي لنوري المالكي وعملوا على استبداله بشخصية أخرى، ستكون سابقة لهذا النظام باستجابته الصريحة والمذلة للإملاءات الأمريكية التي طالما كانوا ينفون عن أنفسهم ذلك، والتي ستؤثر على مكانتهم بين صفوف اتباعهم. أما إذا ما ركبوا رؤوسهم واظهروا العناد وأصروا على المضي في ترشيحهم لنوري المالكي لتشكيل الحكومة الجديدة، فإن هذا سيأتي بالويل للحكومة الجديدة، بل ولكل العراقيين.
دخل الائتلاف الحاكم في العراق (الإطار التنسيقي) مرحلة جديدة من الارتباك والانقسام في المواقف على خلفية الموقف المعلن للرئيس الأميركي دونالد ترامب الرافض لترشيح زعيم ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي لرئاسة الوزراء.
التفاصيل: https://t.co/QqOggLS11w pic.twitter.com/puPpBLl34d
— العربي الجديد (@alaraby_ar) January 29, 2026
هذه الحكومة ستكون غير قادرة على إداء عملها وهي تتعرض لعقوبات اقتصادية أمريكية يمكن أن تطيح بالنظام بالكامل، ولأن توتر العلاقة مع واشنطن يحمل مخاطر كبيرة على بغداد سياسيا وأمنيا واقتصاديا، أما التراجع عن الترشيح، فقد يكون أخطر من الاستمرار، في ظل مهل دستورية ضاغطة، يرافق ذلك إصرار المالكي على المضي في إجراءات ترشحه لرئاسة الحكومة العراقية، والذي قابله ردٌ من ترامب بالقول، إن الولايات المتحدة لن تقدم للعراق أي مساعدة إذا انتُخب المالكي رئيسا للوزراء.
المرجح لدينا، أن أحزاب الإطار التنسيقي ستقبل بالأمر الواقع وستستبدل المالكي بشخصية أخرى مثل السوداني، أو رئيس المخابرات العراقية حميد الشطري، وتتجرع ذُلَّ الامتثال للأوامر الأمريكية خشية من سقوط نظامهم هذه المرة، لا سيما وأنهم كانوا يرفعون شعارًا يعبرهم عن تمسك بالحكم بأي شكل من الاشكال قائلين، #لا_تضيعوها بمعنى أنهم سيبذلون الغالي والنفيس، وتقديم كل التنازلات حتى لا يضيع منهم الحكم ويذهب إلى “السنة” بحسب رؤيتهم.
الأمر لن يبقى عند هذا الحد فقط، فالإملاءات الأمريكية لم تكتفي برفض نوري المالكي لرئاسة الوزراء فحسب، إنما رفضت كل شخصية مقربة من إيران، والإطار التنسيقي يجد صعوبة في إيجاد مثل هذه الشخصية من بين صفوفه، فالجميع مقربون لإيران، والجميع لهم ارتباطاتهم القديمة والحديثة مع إيران.
وحتى إذا ما وجدت مثل هذه الشخصية التي لا يُعرف عنها الارتباط الوثيق مع النظام الإيراني، ستأتي الشروط اللاحقة التي تريد واشنطن من العراق تنفيذها، فهي لا تريد أن تضم أية حكومة عراقية، وزراء ينتمون أو مقربون من الفصائل المسلحة المعروفة بولائها لإيران، وبالتالي فأن الفوز الذي أحرزته الفصائل المسلحة في الانتخابات الأخيرة، وحصولها على عدد كبير من المقاعد النيابية، سوف يذهب سدى، ولن تستطيع الدخول في الحكومة والسيطرة على المؤسسات التنفيذية في البلد، وهي بذلك تقوم واشنطن بتحييد هذه الفصائل وجعلها على الهامش تمهيدًا لحلها ونزع سلاحها.
🔴 عاجل: يمكن راحت عالمالكي…
واشنطن تلوح بالعقوبات في حال وصلت شخصية مرتبطة بالفصائل لرئاسة الوزراء. pic.twitter.com/wqF2hkErFd
— Rusly Al-Maliki 🇮🇶 رسلي المالكي (@RusslyA) January 25, 2026
وعلى هذا الحال وفي ظل هذه الحيرة التي وقع فيها الإطار التنسيقي، نجد أن تشكيل الحكومة سوف يتأخر طويلًا هذه المرة، وقد رأينا كيف أن واشنطن بدأت بخطوتها الأولى، من خلال أوامرها التي وصلت إلى قادة الأحزاب الكردية لتأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، حتى لا يتم تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة من قبل الرئيس العراقي المقبل، ولن تنتهي بتلك المحاولات الأمريكية. فيمكن للكتل الكردية والسنيَّة المتوافقة مع الموقف الأمريكي، أن تقوم بنفس ما قام به الإطار التنسيقي مع التيار الصدري، الذي أفشل التيار الصدري في تشكيل حكومته بسبب الثلث المعطل الذي قاموا به.
حتى في حال تم التصويت على رئاسة الجمهورية وقام هذا الرئيس بتكليف مرشح الإطار التنسيقي نوري المالكي أو أي شخصية مرفوضة أمريكيًا، سيجد مرشح رئاسة الوزراء، صعوبة في نيل الثقة من البرلمان لحكومته، وذلك من خلال كسر نصاب الجلسات البرلمانية، أو الاعتراض على وزرائه، أو تأجيل الجلسات لمدد طويلة، وهكذا دواليك، إلى أن يصل النظام السياسي إلى نهاية مسدود، حينها ستدعم الولايات المتحدة المطالبات التي ستتعالى بإعادة الانتخابات النيابية، وستخسر حينها الفصائل المسلحة والأحزاب الشيعية نجاحاتها التي احرزتها في الانتخابات الأخيرة نتيجة غياب التيار الصدري، الذي من المتوقع أنه سيشارك في أي انتخابات قادمة وبقوة.