يواجه التراث الفلسطيني تحديات جسام تحت الاحتلال الإسرائيلي، في ظل سياسات التهويد والتوسع الاستيطاني وعمليات التخريب والنهب الممنهجة، ما يجعل الحفاظ على المواقع الأثرية والهوية التاريخية الفلسطينية قضية مصيرية.
ولأن التراث الفلسطيني أكثر من مجرد آثار وحجارة، إذ يمثّل ذاكرة وطن وهوية شعب، فإن حماية هذا الإرث تتطلب جهدًا فلسطينيًا متواصلًا ودعمًا عربيًا ودوليًا فعالًا، لتكون الرواية الفلسطينية حاضرة وموثقة أمام العالم، ولتصبح كل قطعة أثرية شاهدًا حيًا على حضارة امتدت لآلاف السنين.
من أجل هذا، أجرى “نون بوست” حوارًا مع محمد جرادات، مدير دائرة جرد المواقع الأثرية في وزارة السياحة والآثار، الذي كشف حجم الانتهاكات الإسرائيلية للتراث، وطرق التوثيق الفلسطيني، وأهمية الرواية التاريخية المستندة إلى الأدلة العلمية.
بعد 7 أكتوبر، ما الذي تغيّر في وتيرة الاعتداءات على المواقع الأثرية الفلسطينية؟
منذ عام 2013 وحتى اليوم، تتعرض الآثار والتراث الفلسطيني لعملية نهب ممنهجة وغير مسبوقة، سواء من حيث ضمّ المواقع الأثرية أو سرقة المواد والقطع التاريخية. وقد تصاعدت هذه العملية بشكل كبير خلال عام 2024، في ظل قيام الحكومة الإسرائيلية بتعزيز هذا التوجه، وإصدار قرار يسمح للإدارة المدنية بالتحكم الكامل بجميع المواقع الأثرية الواقعة في المنطقة المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو.
وتُعد هذه المنطقة، بما تضمه من مواقع أثرية، خاضعة للإدارة والسيطرة الفلسطينية، ويعني ذلك أن ما يقارب 25% من قائمة المواقع والمعالم الأثرية، البالغ عددها نحو 7000 موقع ومعلم أثري ضمن حدود فلسطين عام 1967، سيصبح متاحًا للسيطرة الإسرائيلية، سواء عبر تنفيذ عمليات تنقيب واسعة أو من خلال مصادرة القطع الأثرية.
وشهدنا أيضًا منح صلاحيات إضافية للعاملين في قطاع الآثار والتراث الثقافي في إسرائيل، تتيح لهم السيطرة على هذه المواقع وتنفيذ أعمال تنقيب ومصادرة للمواد الأثرية فيها، ومن الأمثلة القريبة على ذلك موقع خربة البرج.
تقع خربة البرج في بلدة المزرعة الشرقية، إلى الغرب منها بنحو 1.5 كيلومتر، شرق مدينة رام الله، على قمة تلة، ويضم هذا الموقع آثارًا تعود إلى العصر الحديدي والعصور الكلاسيكية، ما يشير إلى وجود عدة طبقات أثرية تمتد من العصر الحديدي والهيلنستي والروماني والبيزنطي، إضافة إلى آثار أموية وعباسية، وأخرى تعود إلى العصور الوسطى، بما فيها الفترات الصليبية والأيوبية، فضلًا عن آثار مملوكية وعثمانية.
ويظهر جزء من هذه الآثار على سطح الموقع، الذي يُعد تلًّا أثريًا يحتوي على بقايا أبنية، وبقايا كنيسة، إضافة إلى صفّين من القواعد، وستة أعمدة، إلى جانب أبنية أخرى وقطوع في الصخر وآبار مياه. وقد أقدم الاحتلال على مصادرة الأعمدة، ولا سيما الأعمدة الساقطة على الأرض، حيث تم نقلها إلى جهة أخرى أو إلى داخل إسرائيل.
هل يمكن توصيف ما يجري بأنه نهب منظّم للآثار، أم تصعيد ميداني مرتبط بالحرب والعدوان الحالي؟
ما يجري هو عمل ممنهج يترافق مع تصعيد ميداني، فإلى جانب الاعتداءات المباشرة، تتخذ سلطات الاحتلال إجراءات واضحة تهدف إلى فرض السيطرة على المواقع الأثرية الفلسطينية، ومن أبرز هذه الإجراءات إقامة ما يُسمّى (حديقة أثرية) في منطقة سبسطية، على مساحة تُقدَّر بنحو 800 دونم.
ويقع موقع سبسطية إلى الشمال من مدينة نابلس، وهو موقع مدينة رومانية مقام على تلة تشرف على المنطقة السهلية المحيطة، ويُعد هذا الموقع من المواقع المدرجة على القائمة التمهيدية للترشيح إلى قائمة التراث العالمي، حيث تعمل وزارة السياحة والآثار حاليًا على إعداد ملفه لاعتماده كموقع تراث عالمي.
وتأتي المصادرة الإسرائيلية لهذه المواقع في سياق أوسع مرتبط بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وقد سبق ذلك قيام الاحتلال بمصادرة 63 موقعًا أثريًا في منطقة نابلس، تقع غالبيتها في مناطق مرتفعة أو بمحاذاة الشوارع، ولا سيما ما يُعرف بالطرق الالتفافية، ولا يقتصر الهدف من هذه الإجراءات على ضم المواقع الأثرية فحسب، بل يندرج ضمن أهداف ممنهجة أوسع ينفذها الاحتلال للسيطرة على الأرض وإعادة توظيف هذه المواقع بما يخدم مشروعه الاستيطاني.
لماذا برأيك، تحوّلت المواقع الأثرية إلى هدف مباشر في هذه المرحلة؟
كما هو معروف، ترتبط المواقع الأثرية ارتباطًا وثيقًا بالأرض، وبالتالي فإن مصادرة أي أرض تعني بالضرورة مصادرة ما تحتويه من آثار. وفي المرحلة الحالية، تعلن سلطات الاحتلال بشكل مباشر عن نيتها ضمّ بعض المواقع الأثرية بذريعة تطويرها أو إقامة ما يُسمّى “حدائق أثرية”، غير أنّ هذه الخطوات تخفي في جوهرها أهدافًا تخدم المشروع الاستيطاني بالأساس.
ومن بين هذه الأهداف تثبيت البؤر الاستيطانية، ولا سيما تلك غير المعترف بها رسميًا، ويتم هذا التثبيت تحت غطاء ضمّ المواقع الأثرية، الأمر الذي يؤدي في الوقت ذاته إلى ضم مساحات واسعة من الأراضي المحيطة بها، كما يندرج ضمن هذه الأهداف توسيع نطاق ما يُعرف بالاستيطان الرعوي، الذي أصبح ظاهرة متزايدة في الآونة الأخيرة، حيث تترك سلطات الاحتلال مساحات شاسعة مفتوحة أمام الرعاة الإسرائيليين، إلى حدّ وصولهم في بعض المناطق إلى مناطق مصنفة (أ) وفق اتفاقية أوسلو، بذريعة رعي الأغنام.
ويضاف إلى ذلك هدف توسيع المستوطنات القائمة، من خلال ربط المواقع الأثرية المصادَرة بهذه المستوطنات، ما يفضي إلى ضم المزيد من الأراضي والمواقع الأثرية، كما تهدف هذه السياسات، كما هو الحال في نابلس وسبسطية، إلى التضييق والحصار على المدن والبلدات الفلسطينية في محافظة نابلس، فضلًا عن مصادرة أراضٍ إضافية لإقامة بنى تحتية خاصة بالمستوطنات، بما في ذلك شق الطرق.
ويترتب على هذه الإجراءات حرمان الفلسطينيين، ولا سيما وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، من العمل على حماية وتطوير مجموعة من المواقع والمعالم الأثرية المهمة التي جرى ضمها في محافظة نابلس. ومن بين هذه المواقع: خان اللبن، وخربة العوف الواقعة قرب بلدة سنجل شمال رام الله، وخربة سيلون أو ما يُعرف بتل شيلو، وهو موقع مفتوح للسياحة والزيارة. كما تشمل هذه المواقع خربة البوبرية وخربة الطانة التحتا في عمق محافظة نابلس، وهي مواقع أثرية ذات أهمية كبيرة وقابلة للتطوير السياحي.
ويُضاف إلى ذلك موقع خربة محطة قطار المسعودية، حيث كان يمر القطار العثماني في مطلع القرن العشرين، وكانت هذه المحطة نقطة توقف رئيسية في منطقة المسعودية، قبل أن يقدم الاحتلال على ضمها. كما تشمل القائمة خربة الكنيسة أو خربة الشيخ غانم، الواقعة على جبل جرزيم في محافظة القدس المحتلة ، علمًا بأن جبل جرزيم نفسه يضم نقطة استيطانية.
وعليه، يمكن الحديث عن عشرات المواقع الأثرية التي قام الاحتلال بضمها والسيطرة عليها، في إطار سياسة تهدف أساسًا إلى خدمة المشروع الاستيطاني، وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وخلق بيئة تحاكي السيطرة الإسرائيلية على الأرض في الضفة الغربية، ولا سيما في سياق الاستيطان الرعوي واستغلال الأراضي الزراعية.
ما هي القيمة التاريخية والأثرية لهذه المناطق؟
يحمل أي موقع أثري قيمة تاريخية وأثرية بحدّ ذاته، غير أن بعض المواقع، مثل سبسطية، تتمتع بقيمة استثنائية، فهي مدينة رومانية متكاملة، تضم معظم مكوّنات المدينة الرومانية الكلاسيكية، بما في ذلك منطقة الأكروبولس التي تضم المعبد، وقصر أوغسطس، إضافة إلى المسرح، والشارع المعمّد، والبوابة، وملعب سباق الخيل، وتُعد هذه العناصر مجتمعة ذات أهمية أثرية وتاريخية كبيرة.
ويكتسب الموقع أهمية إضافية كونه مدرجًا على القائمة التمهيدية للتراث العالمي، حيث طُرحت قائمة تضم نحو 20 موقعًا خلال الأعوام 2004–2005، وجرى اعتمادها من قبل منظمة اليونسكو كقائمة تمهيدية، وكانت سبسطية من بين هذه المواقع، ويجري حاليًا إعداد الملف الخاص بسبسطية لاعتمادها رسميًا كموقع تراث عالمي، وقد تم لاحقًا تجديد هذه القائمة، الأمر الذي قوبل باحتجاجات إسرائيلية على قيام الفلسطينيين بإعداد ملف الترشيح الخاص بسبسطية ضمن قائمة التراث العالمي.
أما موقع البرج في بلدة المزرعة الشرقية، شرق مدينة رام الله، فيتميّز بموقعه على رأس تلة ترتفع نحو 920 مترًا عن سطح البحر، ما يمنحه إطلالة بانورامية على الجهات الأربع، غير أن ما جرى في هذا الموقع تمثّل في قيام سلطات الاحتلال بنقل الأعمدة الأثرية الموجودة فيه إلى داخل إسرائيل، ويُعد هذا الموقع من المواقع التي تستحق أن تتحول إلى حديقة أثرية ومقصد سياحي، نظرًا لموقعه المرتفع وإطلالته المميزة، إضافة إلى احتوائه على آثار يعود تاريخها إلى أكثر من 3000 عام.
ما دور المستوطنين وما يُسمّى بـ”سلطة الآثار الإسرائيلية” في هذه السرقات؟ وهل تتم هذه العمليات بحماية جيش الاحتلال؟
نعم، فمن المعروف أنه يوجد في الضفة الغربية ما يُسمّى بـ”طاقم الآثار في يهودا والسامرة”، وهو المسمّى المعتمد إسرائيليًا، ويتبع للإدارة المدنية، ويتكوّن هذا الطاقم من مجموعة ضباط في جيش الاحتلال متخصصين في مجال الآثار، وكانت مسؤوليتهم، بصفتهم سلطة احتلال، إدارة ملف الآثار.
وبعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، نُقلت صلاحيات إدارة الآثار في المنطقتين المصنفتين (أ) و(ب) إلى الجانب الفلسطيني، في حين بقيت المنطقة المصنفة (ج) تحت السيطرة الإسرائيلية. وينص القانون الدولي على تحريم المساس بآثار الأراضي المحتلة، إلا لأغراض إنقاذية أو في سياق تنفيذ أعمال بنى تحتية ضرورية.
غير أن القرارات اللاحقة، والتي جاءت استجابة لمطالب المستوطنين، جرى اعتمادها من قبل جيش الاحتلال والمستوى السياسي الإسرائيلي، ما أدى إلى ربط هذا الطاقم العامل في الإدارة المدنية بما يُعرف بـ”سلطة الآثار الإسرائيلية”، ونتيجة لذلك، بدأت العديد من الجامعات الإسرائيلية بتنفيذ أعمال تنقيب داخل مواقع أثرية تقع في المنطقة المصنفة (ب).
ومن الأمثلة على ذلك أعمال التنقيب التي أُجريت قبل عامين أو ثلاثة في خربة تِبنى القريبة من قرية النبي صالح، شمال غرب رام الله، والتي نفذتها جامعة بار-إيلان الإسرائيلية، ومقرها في منطقة النقب، ويُظهر ذلك أن هذه القرارات جاءت نتيجة تحريض من المستوطنين، واعتماد من الجيش والمستوى السياسي، وتشكل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى بسط السيطرة وضم أراضٍ في الضفة الغربية، في سياق مشروع ضمّ الضفة الغربية إلى الجانب الإسرائيلي.
إلى أين تُنقل الآثار المسروقة؟ وهل تُعرض في مناطق إسرائيلية أم تُستخدم لدعم روايات تاريخية مزيفة؟
من المعروف أن الآثار التي جرى استخراجها من الضفة الغربية كانت تُخزَّن في مخازن بمنطقة الشيخ جراح في القدس، فيما كانت آثار قطاع غزة تُخزَّن في مدينة عسقلان، حيث خُصّصت مخازن لهذا الغرض. ونحن نتحدث هنا عن ملايين القطع الأثرية التي جرى استخراجها من الضفة الغربية، سواء عبر أعمال التنقيب التي نفذتها سلطات الاحتلال، أو من خلال التنقيب غير المشروع الذي قام به لصوص الآثار، لتصل لاحقًا إلى السوق الإسرائيلية.
ويجري عرض جزء من هذه القطع أحيانًا في المتاحف الإسرائيلية، علمًا بأن في إسرائيل أكثر من 200 متحف وصالة عرض، بعضها متاحف صغيرة تُعرض فيها هذه القطع. كما تضم إسرائيل مجموعات أثرية خاصة، من بينها مجموعة موشيه ديان، التي كانت تُعد مجموعة ضخمة، ويعود مصدر غالبية قطعها إلى الضفة الغربية.
ولا يقتصر التعامل مع هذه القطع على تخزينها بانتظار مفاوضات مستقبلية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لإعادتها، كما حدث في التجربة المصرية في سيناء، بل يجري التصرف بها على أنها ملك إسرائيلي، حيث تُعرض في المتاحف، وتُجرى عليها دراسات وأبحاث، وقد يُنقل بعضها إلى الخارج.
ويعكس هذا السلوك حقيقة أن الاحتلال لا يتعامل مع الضفة الغربية بوصفها أرضًا محتلة، بل ما زال ينظر إليها كمنطقة تُدار من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية. وتأتي الخطوات التصعيدية الأخيرة، بما فيها سياسات الضم والتوسع وإعادة فرض السيطرة على المنطقة المصنفة (ب)، في السياق نفسه.
هل ترون أن نهب الآثار جزء من مشروع أوسع لتهويد المكان؟
تمثل عملية التهويد سياسة إسرائيلية مستمرة لم تنقطع، إذ بدأت بتهويد القدس ومنطقة الجليل، ثم امتدت إلى فلسطين عمومًا، قبل أن تتوسع اليوم لتشمل الضفة الغربية. ويجري ذلك ضمن عملية ممنهجة لنزع الطابع العربي والإسلامي والمسيحي عن العديد من المواقع الفلسطينية، مثل القدس والخليل والجليل ونابلس، وفرض الطابع اليهودي عليها.
وتقوم هذه السياسة على طمس الحقائق التاريخية ودحض الرواية العربية، وفرض رواية إسرائيلية نعتبرها رواية مزيفة. وفي هذا السياق، تُسقَط روايات جاهزة على المواقع الأثرية، في مخالفة للمنهج العلمي في علم الآثار، الذي يفترض تفسير المواقع بناءً على الأدلة المكتشفة. غير أن سلطات الاحتلال تعمل على ربط هذه المواقع بروايات توراتية مسبقة، ثم تبني أعمالها الأثرية على هذا الأساس.
ولا يقتصر هذا النهج على الحفريات والمواقع، بل يمتد أيضًا إلى المناهج الدراسية الإسرائيلية، حيث يتم ترسيخ سردية تعتبر هذه الآثار جزءًا من “التراث اليهودي”، رغم أنها في الأصل آثار فلسطينية مرتبطة بتاريخ الأرض وسكانها الأصليين. وبذلك، تندرج هذه السياسات ضمن محاولة شاملة لتهويد الأرض والمكان، وكل ما يتصل بالتاريخ والتراث الفلسطيني.
كيف تُستخدم الآثار المسروقة في إعادة كتابة تاريخ الأرض؟
تعمد سلطات الاحتلال إلى رفض التعامل مع تاريخ فلسطين بوصفه تاريخًا فلسطينيًا متراكمًا عبر مئات السنين، وتسعى بدلًا من ذلك إلى تقديمه على أنه تاريخ يهودي حصري، وتقوم هذه السياسة على إسقاط روايات جاهزة على المواقع الأثرية، وإعادة تفسيرها بما يخدم سردية تعتبر أن تاريخ الأرض هو تاريخ خاص باليهود فقط.
وفي هذا الإطار، يجري الاستيلاء على فترات تاريخية تعود إلى العصر البرونزي، والعصور الكنعانية، والفلسطينية القديمة، وإعادة نسبها أو توظيفها ضمن رواية واحدة مرتبطة بعرق ودين محددين، ولا سيما ربطها ببني إسرائيل، وكأن هذه الأرض وتاريخها ينتميان حصرًا إلى جماعة واحدة. وبهذا الشكل، يُعاد توجيه كل ما هو موجود على الأرض، من آثار وشواهد تاريخية، لخدمة هذه الرواية والتنظير لها.
ما حجم الضرر الثقافي والوطني الناتج عن سرقة الآثار؟
يترتب على سرقة الآثار أضرار ثقافية ووطنية جسيمة، في مقدمتها حرمان الفلسطينيين من أداء دورهم الطبيعي تجاه هذه المواقع، سواء من حيث تأهيلها، أو إجراء الدراسات العلمية المتخصصة عليها، أو إدراجها ضمن الخارطة السياحية الفلسطينية، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني الفلسطيني.
وعلى مستوى الرواية التاريخية، يجري اختلاق سرديات جديدة للمواقع الأثرية، لا تستند إلى معطيات الموقع ذاته ولا إلى نتائجه العلمية، ثم يتم تسويق هذه الروايات على المستوى العالمي. ويظهر ذلك بوضوح في مدينة القدس، المعروفة تاريخيًا بأنها مدينة الديانات السماوية الثلاث، حيث يجري حصر هويتها وتاريخها في إطار رواية واحدة تربط المدينة حصرًا ببناء “الهيكل”، مع تغييب كامل للروايات العربية والإسلامية والمسيحية.
كما يترافق ذلك مع حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى القدس أو التعامل معها كجزء أصيل من كيانهم الوطني، والسيطرة عليها بما يؤدي إلى تغيير معالمها العربية والإسلامية والمسيحية. وينطبق الأمر ذاته على مدينة الخليل، ولا سيما الحرم الإبراهيمي، الذي يُعد موقعًا دينيًا وتاريخيًا وأثريًا بالغ الأهمية، حيث يُقيَّد وصول الفلسطينيين إليه، ولا يُسمح لهم بالصلاة فيه إلا في أوقات محددة.
وتسهم عملية تسويق هذه الروايات على الصعيد الدولي في ترسيخ قناعات لدى شرائح واسعة، وخصوصًا بين المتعاطفين مع إسرائيل، تدفعهم إلى تبنّي الرواية الإسرائيلية على حساب الرواية الفلسطينية. في المقابل، تستند الرواية الفلسطينية إلى نتائج علمية وأدلة أثرية موثقة، غير أن تهميشها وحرمان أصحابها من الوصول إلى مواقعهم التاريخية يقوّض حضورها وتأثيرها على المستوى العالمي.
إذا استمر نهب الآثار الفلسطينية، ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الرواية التاريخية الفلسطينية؟
في الواقع، توجد اليوم في العالم روايتان متقابلتان: الرواية الإسرائيلية، التي يتعاطى معها بعض الأطراف ويتبناها، والرواية الفلسطينية، التي لا تزال حاضرة رغم محدودية الإمكانيات المتاحة لها. ومع ذلك، تبذل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، إلى جانب الجامعات وبعض المؤسسات الأكاديمية، جهودًا لبلورة رواية فلسطينية علمية، تستند إلى الأدلة الأثرية المتوفرة، وإلى مصادر تاريخية غير محرّفة أو مزيفة.
في المقابل، تمتلك الرواية الإسرائيلية حضورًا واسعًا على المستوى العالمي، مدعومًا بعمل ضخم وإنتاج أدبي غزير في مجالات الآثار والكتابات التاريخية. ويجري تسويق هذه الرواية باعتبار أن هذه الأرض هي “أرض الميعاد” “وأرض اليهود” و”أرض الأجداد”، مع توظيف الآثار لدعم هذا الطرح المختلَق.
وعليه، فإن مسألة الرواية تُعد أحد ميادين الصراع الأساسية وأحد ميادين التصادم مع الاحتلال، ورغم وجود تيار ليبرالي داخل إسرائيل يتجاوب أحيانًا مع التوجه الفلسطيني، فإن الغالبية العظمى من علماء الآثار والعاملين في هذا القطاع في إسرائيل يتجهون نحو تكريس رواية توراتية إسرائيلية، والعمل على تعميمها وتسويقها عالميًا.
هل يمكن الحديث عن “تطهير ثقافي” إلى جانب التطهير المكاني؟
بالتأكيد، فالحرب العسكرية والسلاحية واضحة ومباشرة، لكن الحرب الثقافية تُعد في كثير من الأحيان أكثر خطورة. إذ يجري العمل على خلق جيل داخل إسرائيل لا يؤمن إلا بالرواية الإسرائيلية، وينكر وجود الآخر، وينفي روايته ودوره في التاريخ وفي عملية بنائه وتطوره.
ويكمن الخطر أيضًا على الشعب الفلسطيني في أن الرواية الإسرائيلية، وما يُنتَج من مصادر وكتابات عنها، أصبحت في كثير من الأحيان مراجع يعتمد عليها عدد من الباحثين، في ظل شحّ المصادر العربية وضعف حضورها عالميًا. وعلى المدى البعيد، فإن هذا الواقع يهدد بتغيير المعالم على الأرض، حيث تؤدي السيطرة الميدانية إلى طمس كثير من الشواهد، ونسج روايات غير صحيحة حول مواقع أثرية بعينها.
وللتدليل على ذلك، يمكن الإشارة إلى ما حدث في موقع مسعدة عام 1951، حين قام ضابط في الجيش الإسرائيلي بإعداد كتيّب تعريفي (بروشور) عن الموقع، الواقع قرب عين جدي،على ضفاف البحر الميت وادّعى فيه وقوع معركة كبيرة بين الجيش الروماني واليهود. ولا يزال هذا الكتيّب يُوزّع عالميًا حتى اليوم على أنه حقيقة تاريخية ثابتة.
لاحقًا، قام أستاذ من جامعة بار-إيلان بتحديد موقع المعركة المزعومة، وأجرى أعمال تنقيب فيه، فلم يعثر إلا على رأس سهم واحد، ما يثير تساؤلًا علميًا مشروعًا حول إمكانية وقوع معركة ضخمة دون وجود شواهد أثرية تدل عليها، ورغم ذلك، ما زال الموقع يُقدَّم على أنه ساحة معركة كبرى بين الرومان واليهود، إلى درجة أن بعض الجنود والضباط المنضمين إلى الجيش الإسرائيلي يؤدون قسم الولاء في هذا الموقع تحديدًا.
وهكذا، تتحول الرواية المشوّهة، رغم افتقارها إلى الأدلة العلمية، إلى “حقيقة” مسلَّم بها، يتم توريثها وتكريسها عبر الأجيال، في إطار سياسة تطهير ثقافي موازية للتطهير المكاني، تستهدف الوعي والذاكرة والتاريخ.
إلى أي حد تشكل هذه الممارسات جريمة وفق القانون الدولي؟
من المعروف أن القانون الدولي يحمي التراث الثقافي والممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وتشمل هذه الحماية ما نصت عليه اتفاقية لاهاي لعام 1954، وكذلك اتفاقية اليونسكو لعام 1972، التي تحرم على سلطات الاحتلال المس بالتراث أو الثقافة في الأراضي المحتلة.
وينص القانون الدولي بوضوح على إدانات أي اعتداء على المواقع الأثرية أو إجراء أعمال تهدف إلى الاستيلاء على القطع الأثرية أو تزويرها. وتعد هذه الأفعال مخالفة للقانون الدولي، وتشكل جريمة تُحاسب عليها المؤسسات الدولية.
وقد شهد التراث الفلسطيني جهودًا دولية لحمايته، من بينها قبول فلسطين كعضو كامل في منظمة اليونسكو عام 2011 بعد أن كانت عضو مراقب، ما جعلها تتمتع بصوت فاعل يمكنها من نقل الانتهاكات التي تحدث على الأرض، وممارسة الضغط على سلطات الاحتلال لوقف الاعتداءات على المواقع الأثرية الفلسطينية.
ومن بين المواقع الفلسطينية المدرجة على لائحة التراث العالمي: كنيسة المهد وقرية بيتير في بيت لحم، إضافة إلى الخليل والقدس، التي كانت مدرجة ضمن هذه اللائحة منذ عام 1982.
ما دور اتفاقيات لاهاي وجنيف في حماية التراث في الأراضي المحتلة؟
تحظر هذه الاتفاقيات الاعتداءات على الممتلكات الثقافية أثناء الحرب أو الاحتلال. وتشير اتفاقية لاهاي لعام 1954 بشكل محدد إلى حماية الممتلكات الثقافية، و تلزم دولة الاحتلال بالامتناع عن المس بهذه الآثار أو تغيير طابعها، سواء كانت تحتل كامل الأرض أو جزءًا منها.
وتشكل الاتفاقيات الدولية حاليًا الوسيلة الأساسية للفلسطينيين للاحتجاج والضغط على سلطات الاحتلال، للحد من ممارسات المصادرة أو الضم أو حتى التدمير. فقد تم تدمير عدد من المواقع بالكامل نتيجة النشاطات الاستيطانية أو العسكرية في الضفة الغربية.
ويتمثل جزء من الحماية الدولية أيضًا في البروتوكول الثاني لعام 1999، الذي يكمل اتفاقية لاهاي 1954، ويؤكد على حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة. وكل القرارات الدولية بهذا الشأن تمنع سلطات الاحتلال من المس أو التدمير أو التزوير أو تحريف الرواية التاريخية المرتبطة بالممتلكات الثقافية، وتوفر للفلسطينيين إطارًا لتوثيق الانتهاكات وتقديمها إلى الجهات الدولية المختصة.
ما المطلوب فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا لوقف نهب هذه الآثار؟
يفترض أن تتخذ مجموعة من الخطوات الضرورية للحفاظ على التراث الثقافي الفلسطيني، لا سيما من قبل الجهات المختصة مثل وزارة السياحة والآثار، في ظل السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى التوسع الاستيطاني والسيطرة على المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية. إن حماية التراث الثقافي الفلسطيني هي واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الفلسطينيين، للحفاظ على إرثهم الحضاري المهدد بالتهويد أو التدمير أو التزوير.
ويجب أن يكون التراث الثقافي الفلسطيني ضمن أولويات الحكومة الفلسطينية، تمامًا كما تُصنَّف الصحة والتعليم والزراعة والصناعة ضمن أولويات أي دولة، إذ يمثل هذا التراث جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية والثقافية.
المطلوب فلسطينيًا:
- الحفاظ على التراث الثقافي الموجود تحت السيطرة الفلسطينية باستخدام كافة الإمكانات المتاحة.
- توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والسياسات المتبعة تجاه التراث الثقافي بشكل يومي أو شبه يومي، مستفيدين من الثورة الرقمية والتقنيات الحديثة.
- إقامة مهرجانات ومعارض ومؤتمرات دورية لتوعية المجتمع بأهمية التراث الثقافي وسبل الحفاظ عليه.
- زيادة النشاط الأثري الفلسطيني بشكل ملموس، فبينما يعمل الإسرائيليون في مئات المواقع، يجب أن نضاعف جهودنا لتغطية مزيد من المواقع، مع تطويرها علميًا، وإعادة كتابة الرواية التاريخية بشكل موثق بالأدلة المادية.
- نشر الوعي الثقافي في المجتمع الفلسطيني عبر إعلانات وندوات في المدارس والجامعات والمؤسسات المختلفة.
- نشر الرواية الفلسطينية حول التراث باللغات الأجنبية لتصل إلى العالم، وكشف الممارسات الإسرائيلية على الأرض.
المطلوب عربيًا ودوليًا:
- صياغة قانون نموذجي موحد بين الدول العربية لحماية الممتلكات الثقافية، يضمن وجود أحكام قضائية تجرم الاعتداء على التراث.
- تعزيز العلاقات مع المؤسسات الدولية وعلى رأسها اليونسكو والأمم المتحدة، لضمان اطلاعها المستمر على الانتهاكات الإسرائيلية للتراث الفلسطيني، وإشراك الفلسطينيين في المحافل الدولية لكشف هذه الممارسات.
ما رسالتكم للمجتمع الدولي الذي يلزم الصمت؟ وكيف يمكن حماية ما تبقى من المواقع الأثرية في ظل الواقع الحالي؟
في ظل الأوضاع الراهنة، التي يشهد فيها العالم توترات وحروبًا عديدة، رسالتنا إلى المجتمع الدولي واضحة: للشعب الفلسطيني، مثل باقي شعوب العالم، تراث وتاريخ يمتد عبر مئات آلاف السنين، منذ العصور الحجرية قبل أكثر من مليون سنة وحتى العصر الحديث، وهذا التراث يمثل إرثًا إنسانيًا يجب المحافظة عليه ليستمتع به العالم بشكل مصان ومحمي.
ولذلك، نحن نطالب بدعم وتحالف دولي لمواجهة السياسات الإسرائيلية والصهيونية تجاه التراث الثقافي الفلسطيني، كما يجب على الفلسطينيين تطوير هذا الملف في كافة الجوانب الأكاديمية والبحثية والعلمية، والعمل على التعاون مع الجهات الدولية لنقل الجهود الفلسطينية في حماية التراث، بالرغم من الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، فالجهود الفلسطينية مستمرة للحفاظ على التراث الثقافي وصونه، وتقديمه للعالم كجزء من الإرث الإنساني المشترك
