في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدًا من أكثر ملفات المرحلة الانتقالية حساسية وتعقيدًا، فجّرت دعوة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لتقديم مقترحات بشأن تشكيل المجلس التشريعي (البرلمان) جدلًا واسعًا في المشهد السياسي السوداني، وانقسامًا حادًا في المواقف والرؤى.
فبينما رأت قوى سياسية في هذه الدعوة محاولة متأخرة لكنها ضرورية لاستدراك ما تبقى من مسار التحول الديمقراطي وسد الفراغ التشريعي والمؤسسي الذي تعانيه الدولة، اعتبرها آخرون مناورة سياسية لا تمس جوهر الأزمة، ولا تحمل في طياتها أي معالجة حقيقية لمعاناة السودان وشعبه في ظل انسداد الأفق السياسي وتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية.
وكان البرهان قد أعاد فتح ملف المجلس التشريعي خلال اجتماع عقده في مدينة بورتسودان مع عدد من الكتل والقوى السياسية، من بينها الكتلة الديمقراطية، وتحالف الحراك الوطني، إلى جانب تنسيقية القوى الوطنية، فيما شدد في الوقت ذاته على عدم وجود أي نية أو ترتيبات لحل مجلس السيادة الانتقالي في المرحلة الراهنة، بما يعكس نية واضحة بشأن تمسك المؤسسة الحاكمة بالتركيبة الحالية للسلطة.
وتنص الوثيقة الدستورية التي أُقرت لإدارة البلاد في 2019 بعد الثورة التي أطاحت بنظام عمر البشير، على إنشاء مجلس تشريعي انتقالي يستمر حتى إجراء الانتخابات، غير أن هذا الاستحقاق ظل معلقًا ولم يرَ النور، في ظل تعثر مسار الانتقال السياسي الذي تعمق أكثر مع الانقلاب العسكري الذي نفذه البرهان، بمشاركة ميليشيا الدعم السريع، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، والذي أفضى إلى حل مجلسي السيادة والوزراء، وفرض حالة الطوارئ، ووضع حد عملي لمسار المرحلة الانتقالية كما نصت عليها الوثيقة الدستورية.
دلالة التوقيت.. ما الذي تغير؟
مرّ ملف تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي بمحطات متعرجة عكست بوضوح اختلالات الشراكة المدنية-العسكرية وتعقيدات المرحلة الانتقالية، إلى أن عاد اليوم إلى الواجهة عبر دعوة البرهان، لإعادة فتحه بعد سنوات طويلة من الإهمال والتجميد المتعمد.
البداية تعود إلى الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس/آب 2019 بين قوى الحرية والتغيير والمكوّن العسكري، والتي نصّت صراحة على تشكيل مجلس تشريعي انتقالي تُمنح فيه القوى المدنية نسبة 67% من المقاعد، وفق التوازنات السياسية التي أفرزتها الثورة في ذلك الوقت، غير أن هذا الاستحقاق سرعان ما تعثر، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين بشأن آليات التشكيل ومعايير اختيار الأعضاء، في مؤشر مبكر على هشاشة الشراكة وعدم الثقة المتبادلة.
وفي مطلع عام 2021، صعّد رئيس الوزراء آنذاك، عبد الله حمدوك، من لهجته تجاه مجلس السيادة، الذي كانت تهيمن عليه القيادات العسكرية، محمّلًا إياه مسؤولية التأخير في إنشاء البرلمان الانتقالي، مؤكدًا حينها أن الحكومة التنفيذية باتت “أحوج ما تكون” إلى مؤسسة تشريعية ورقابية فاعلة، باعتبارها ركيزة أساسية لتحقيق أهداف الفترة الانتقالية وضمان توازن السلطة.
غير أن مسار الانتقال السياسي دخل منعطفًا حادًا في أكتوبر/تشرين الأول 2021، حين نفذ البرهان، بدعم من قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”، انقلابًا عسكريًا أطاح بحكومة حمدوك، وأجهض عمليًا كل الجهود الرامية إلى استكمال هياكل الدولة الانتقالية، وفي مقدمتها المجلس التشريعي.
ومنذ ذلك التاريخ وحتى عام 2025، ظل ملف البرلمان خارج دائرة الاهتمام السياسي، في ظل التصعيد العسكري والمواجهات الميدانية بين الجيش وقوات الدعم السريع، وهي المواجهات التي أطاحت بمعظم مرتكزات الوثيقة الدستورية وجمّدت مساراتها، وأعادت الدولة إلى مربع الصراع المفتوح.
ومع استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة الخرطوم أواخر العام الماضي واسترجاع جزء معتبر من بنية الدولة المركزية، عاد ملف المجلس التشريعي ليطرح مجددًا على طاولة النقاش، في سياق محاولات إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة إطار سياسي أكثر تماسكًا، بما يقطع الطريق أمام النزعات الانقسامية لقائد الدعم السريع، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة الموحدة ومؤسساتها الدستورية.
ضرورة ملحة وخطوة لسد الفراغ
لقيت دعوة البرهان، صدىً إيجابيًا لدى بعض القوى والشخصيات السياسية والقانونية، التي رأت في تشكيل مجلس تشريعي — بصرف النظر عن صورته وتركيبته — خطوة لا غنى عنها في ظل حالة الفوضى والفراغ الدستوري التي تهيمن على المشهد السوداني.
وفي هذا الإطار، اعتبر وزير العدل السابق والخبير في القانون الدستوري محمد أحمد سالم أن إنشاء البرلمان بات ضرورة ملحّة لسد هذا الفراغ، مشددًا على أهمية حسن اختيار قيادته وأعضائه، وتوافر إرادة سياسية جادة لتأسيس جسم رقابي فاعل ومؤثر، لا أن يتحول إلى كيان شكلي أو “ديكور للترضيات” يثقل كاهل الدولة دون جدوى سياسية أو دستورية.
وأوضح سالم، في حديثه لـ”الجزيرة”، أن غياب المجلس التشريعي أفضى إلى وضع وصفه بـ”المعيب”، تمثّل في تركيز السلطات والقرارات المصيرية في أيدي دائرة محدودة داخل مجلسي السيادة والوزراء، دون مشاركة واسعة أو تفويض شعبي مقنن، خاصة في ملفات الحرب والسلام ومستقبل البلاد، لافتًا إلى أن وجود برلمان انتقالي من شأنه أن يوفر قاعدة شعبية مساندة، ويمنح السياسات والقرارات المتخذة وزنًا وشرعية سياسية ودستورية، فضلًا عن كونه أداة لتوسيع دائرة المشاركة وتحقيق قدر من التوازن داخل بنية السلطة.
وفي المقابل، نبّه وزير العدل السابق إلى ثغرات بنيوية في الوثيقة الدستورية، أبرزها غياب نصوص واضحة تحدد الجهة المخولة بتشكيل المجلس التشريعي، وآليات الترشيح، وشروط العضوية، داعيًا إلى فتح باب التشاور الواسع مع مختلف القوى السياسية والمدنية، وضمان تمثيل شامل يعكس التنوع المجتمعي والجغرافي والعمري في البلاد.
وفي السياق ذاته، يرى أنصار هذا التوجه أن استمرار غياب البرلمان منذ عام 2019 ترك الدولة مكشوفة أمام الانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، معتبرين أن مبادرة البرهان بطلب تصورات القوى السياسية تمثل خطوة مطلوبة لإعادة إنتاج الشرعية وحماية القرار الوطني، مع التأكيد على أن بناء الدولة لا يكتمل بالبرلمان وحده، بل يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، ويحوّل المؤسسات إلى أدوات فاعلة لحماية الحقوق الوطنية وترسيخ الاستقرار.
معيب دستوريًا ويعمق الانقسام
في المقابل، برز تيار سياسي وقانوني حذّر من المضي في تشكيل المجلس التشريعي بالصيغة التي لوّح بها رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ولا سيما ما ارتبط بدعوة قوى سياسية بعينها للمشاركة في المشاورات دون غيرها، وقد أثار هذا النهج حفيظة قوى أخرى رأت فيه مسارًا إقصائيًا من شأنه تعميق الانقسام السياسي بدلًا من ترميم النسيج الوطني، محذّرة من أن الإقدام على خطوة كهذه، في ظل واقع هش ومشحون، قد يحوّل البرلمان المرتقب إلى بؤرة توتر قابلة للانفجار في أي لحظة.
وفي هذا السياق، حذّر القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي، خالد الفحل، من أن اقتصار لقاءات البرهان ومشاوراته على مجموعات سياسية محددة يهدد وحدة الصف الوطني في مواجهة التحديات الراهنة، مؤكدًا أن الشمولية تمثل شرطًا أساسيًا لأي عملية سياسية جادة.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أن ربط تدشين البرلمان بالمجلس السيادي والقيادات العسكرية الحاكمة يعكس غياب رؤية سياسية متكاملة، مشيرين إلى أن بعض الأحزاب اختزلت معركتها في السعي للمشاركة في هياكل السلطة، دون العودة إلى قواعدها الشعبية أو الاحتكام إلى الرأي العام، ويؤكد هؤلاء أن القوات المسلحة، بحكم موقعها الدستوري ووظيفتها الوطنية، يفترض أن تكون ضامنة لمسار الانتقال السياسي وحارسة له، لا طرفًا فاعلًا أو شريكًا مباشرًا في تفاصيله.
من جانبها، اعتبرت أستاذة القانون الدستوري زحل الأمين أن دعوة البرهان لتشكيل المجلس التشريعي تعاني من عيوب دستورية جوهرية، موضحة أن الوثيقة الدستورية لعام 2019، بما في ذلك تعديل 2025، تستند في شرعية تشكيل المجلس إلى توافق بين القوى المدنية والمكوّن العسكري.
غير أن حالة الفراغ المؤسسي وغياب قوى مدنية موحدة تجعل من الصعب، في تقديرها، تأسيس مجلس تشريعي يتمتع بشرعية دستورية حقيقية، مضيفة أن الوثيقة الدستورية منحت سلطة التشريع لمجلسي السيادة والوزراء مجتمعين، ولم تفوض رئيس مجلس السيادة صلاحية تعيين مجلس تشريعي كامل بصورة منفردة، مشيرة إلى أن الصلاحيات الواسعة التي منحها تعديل 2025 للبرهان لا تشمل تشكيل البرلمان، ما يجعل أي تعيين يتم بهذه الكيفية مفتقرًا للأساس الدستوري والشرعية القانونية.
لن يؤثر في إنهاء المعاناة
في المقابل، عبّرت قوى سياسية أخرى عن رفضها القاطع لتشكيل المجلس التشريعي في التوقيت الراهن، معتبرة أن الإقدام على هذه الخطوة لا يستجيب لأولويات الواقع الميداني، ولن يُحدث فارقًا ملموسًا في مسار الحرب أو يخفف من معاناة السودانيين.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم التحالف الثوري للقوى الديمقراطية المدنية “صمود”، بكري الجاك، إن طرح ملف البرلمان في هذه المرحلة يفتقر إلى الضرورة السياسية والعملية، واصفًا هذه المساعي بأنها محاولة واهنة لإيهام الداخل والخارج بوجود مؤسسات انتقالية وإجراءات سياسية، بهدف البحث عن شرعية شكلية تُستخدم لاستعادة عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي وتكريس سلطة عبد الفتاح البرهان بوصفه حاكمًا فعليًا للبلاد.
وأضاف الجاك أن هذه الخطوة، في جوهرها، “لا تقدم ولا تؤخر”، ولا تسهم في وقف الحرب أو تخفيف معاناة المواطنين، محذرًا من أن المجلس المزمع تشكيله قد يتحول إلى أداة جديدة لإهدار المال العام وفتح مسارات إضافية للفساد، بدلًا من أن يكون رافعة للإصلاح أو الاستقرار.
ويتقاطع مع هذا الطرح قطاع واسع من المراقبين والفاعلين السياسيين الذين يشككون في جدوى إنشاء برلمان انتقالي في ظل هذه المرحلة الحرجة، مؤكدين أن الأولوية القصوى ينبغي أن تنصرف إلى حسم الحرب وإنهاء المواجهات الدامية، قبل الانتقال إلى استكمال بناء مؤسسات الدولة.
ويرى هؤلاء أن القفز إلى ترتيبات مؤسسية في غياب بيئة سياسية وأمنية مهيأة يشبه وضع العربة أمام الحصان، ولن يفضي إلى أي تقدم حقيقي ما لم تُمهّد الطريق أولًا بوقف النزاع ومعالجة جذوره، وإنهاء معاناة الشعب المُشرد بين الداخل والخارج.
شكل البرلمان القادم.. مسألة لم تُحسم بعد
في ظل حالة الاستقطاب الحاد بين المؤيدين والمعارضين لدعوة البرهان، لتشكيل مجلس تشريعي، ومع غياب نصوص واضحة في الوثيقة الدستورية تحدد آليات الاختيار والتعيين، باتت المسألة أقرب إلى اجتهادات سياسية مفتوحة منها إلى تنفيذ مسار دستوري محدد المعالم، هذا الفراغ الإجرائي فتح المجال أمام طروحات متباينة وتقديرات متعددة بشأن شكل البرلمان المرتقب ووظيفته وحدود شرعيته، في وقت يفتقر فيه المشهد إلى توافق سياسي جامع.
في هذا السياق، قدّم الباحث السياسي ورئيس تحرير صحيفة “التيار” السودانية، عثمان ميرغني، رؤية مختلفة لتشكيل المجلس التشريعي المؤقت، تقوم على التشاركية وعدم الإقصاء، معتبرًا إياه – أي البرلمان- نقطة الانطلاق الحقيقية لبناء دولة حديثة تتجاوز اختلالات الحاضر وإرث الماضي.
ويرى ميرغني أن مسألة “تعيين” البرلمان لا تنتقص من أهليته لقيادة مرحلة جديدة، مؤكدًا أن معيار الشرعية لا يرتبط حصريًا بالانتخاب، وإنما بقدرة المجلس على أداء أدواره التمثيلية والتشريعية والرقابية بكفاءة واستقلالية، وبامتلاك أعضائه الخبرات النوعية والإرادة السياسية التي تحول دون ارتهانهم للسلطة التنفيذية أو للقوى الحزبية الضيقة، ذاهبًا إلى أن البرلمان، بوصفه منشئ السلطات، لا يمكن الطعن في صلاحياته أو الادعاء بانتقاص تفويضه.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، اقترح ميرغني تشكيل برلمان “نوعي” لا “كمي”، على مرحلتين زمنيتين، تبدأ الأولى بتعيين 150 عضوًا فورًا لدورة برلمانية مدتها عام واحد دون عطلات، على أن يُحتسب النصاب من هذا العدد، تعقبها مرحلة ثانية يُستكمل فيها تعيين 150 عضوًا إضافيًا ليصل العدد إلى 300 نائب لمدة عام آخر.
ويقوم الاختيار على أساس قطاعي يضمن تمثيل الأحزاب السياسية، وأطراف اتفاق جوبا، والقوات النظامية، والقطاعات القانونية والدبلوماسية والمهنية، والمعلمين وأعضاء هيئات التدريس، والزراعة، والأعمال، والمغتربين، بنسب محددة من إجمالي المقاعد.
كما اقترح إنشاء آلية مستقلة للاختيار تمر بثلاث مراحل: فرز مبدئي، ثم ترشيح، فمراجعة وتزكية نهائية، على أن تُنجز مهامها خلال شهر واحد. وتنتهي ولاية البرلمان، وفق هذا التصور، بعد عامين، على أن تُختتم أعماله بتشكيل مفوضية الانتخابات والاستعداد للاستحقاقات البرلمانية والرئاسية المقبلة.
في المحصلة، يبدو أن السودان يقف على أعتاب جولة جديدة من الصراع، لكنها هذه المرة تدور داخل معسكر الدولة الرسمية وأطر السلطة الشرعية ذاتها، فعودة ملف المجلس التشريعي إلى صدارة المشهد السياسي لا تعكس فقط محاولة لإحياء استحقاق مؤجل، بل تكشف عمق التناقضات التي تحكم المرحلة الراهنة وأسئلتها المفتوحة.
وبين من يرى في تشكيل البرلمان مدخلًا لإعادة إنتاج الشرعية وترميم مؤسسات الدولة، ومن يعتبره إجراءً شكليًا في مواجهة أزمة بنيوية ممتدة، يظل مستقبل هذه الخطوة مرهونًا بقدرتها على معالجة جذور الأزمة السياسية، لا الاكتفاء بإعادة تدويرها في صور جديدة.
