“لا يوجد خط نهاية.. إذا ما استخدم أحدهم كلمة صهيوني كأنها شتيمة، سيُصنف ذلك باعتباره جريمة، وستتُخذ إجراءات بحقه”، هذا ما قاله آدم بريسر قائد عمليات تيك توك الجديد، مدشنًا عصرًا جديدًا في التجريم الإسرائيلي عنوانه “معاداة الصهيونية” كفعلٍ لا أخلاقي، يستحق المحاسبة والعقاب.
أما ما لم يقله، فهو أن سياسة تيك توك الجديدة، إنما هي ترجمة لمسعى صهيوني قديم، قاده ديفيد بن غوريون مهاجمًا قرار هيئة قضائيةٍ بريطانية، على خلفية ملاحقتها لقيادات صهيونية إثر تهريبهم للسلاح إلى داخل فلسطين، في وقتٍ كانت فيه “إسرائيل” ما تزال فكرة في عقل الصهيونية.
يوثق المؤرخ البريطاني كريستوفر سايكس لهذا الهجوم، باعتباره اللحظة الانتقالية الأولى، التي رُبطت فيها معاداة السامية بمعاداة الصهيونية، ووُظفتا لتحويل النقد السياسي والقانوني إلى اتهامٍ أخلاقي بكراهية دينية لليهود، وهو ما تطور لاحقًا، إلى الأشكال التي نعرفها اليوم من معاداة السامية.
تحتشد هذه الأشكال معًا، مشكلة طوقًا حصينًا يُجرم من خلاله أي فعلٍ أو إشارة لانتقاد “إسرائيل” أو سياساتها أو منظماتها، فهناك كراهية اليهود لديانتهم، وكراهتهم كعرقٍ أو إثنية، وكراهتهم كقوة مالية خفية ومتحكمة، واتهامهم بالولاء المزدوج أو تقويض الدول من الداخل، والسخرية منهم في الأدب والإعلام، وهي أشكال تاريخية من معاداة السامية.
أما الأشكال الحديثة منها؛ فإنكار محرقتهم أو التشكيك فيها، أو انتقاد دولتهم والتحريض عليها، وكلاهما الأكثر إلحاحًا بالنسبة للمفكرين الصهاينة، خاصة في ظل تراجع الأشكال الأولى، وتطور مفهومٍ إسرائيلي جديد يُهدد المعايير التقليدية لمعاداة السامية، هو “اليهودي الكاره لذاته”.
بيضة القبان هُنا، هو “اليهودي الكاره لذاته”، الفاعل الأساسي في تعطيل معاداة السامية، وإخراج “معاداة الصهيونية” إلى المشهد من جديد، يتكرس ذلك في ظل سعي إسرائيلي لاستثمار منصات التواصل الاجتماعي لتبييض عامين من الإبادة، وإنتاجٍ معيارٍ أخلاقي جديد، يتجاوز عثرات اللاسامية، ويضمن استمرار الملاحقة والمحاسبة، لأعداء الفكر الصهيوني، بينما تعلو الصهيونية بمشروعها وسياساتها وقادتها عن أي خطاب أو فعل، شعبي أو رسمي أو حقوقي، يمكنه المسّ بها.
في مادتنا اليوم نستعرض العلاقة الخفية بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، ولادة كلٍ منهما كمفهوم وتحولاتهما كأداة، ومراوحتهما بين الاستثناء الأخلاقي والتجريم الدولي في ظل تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية وفجاجتها، ما دفع “إسرائيل” إلى البحث عن أدوات أخلاقية وقانونية بديلة خارج الأمم المتحدة والمنظومة الدولية، تُجرم النقد ولا تُجرم الكراهية، وتُؤسس لمعيار أخلاقي بمقاساتها، يجعل أي نقد مكلفًا، ومشبوهًا، وقابلًا للعقاب.
من المفهوم إلى الأداة
تعود “كراهية اليهود” إلى عقودٍ سحيقة في التاريخ الأوروبي، الديني والعلماني منه، بعض الأسباب تتعلق بارتباطهم في العقيدة المسيحية الكاثوليكية بالغدر بالمسيح وصلبه، بعضها خاصة بعباداتهم وطقوسهم وما يثار حولها من غموض، من قبيل قتلهم الأطفال لاستخدام دمائهم في عجن خبز العيد، بعض آخر نتيجة لممارساتهم الاقتصادية التي تركزت دومًا على المتاجرة بالمعادن الثمينة أو الإقراض الربوي، وما بين القصص والروايات تظهر أسبابٌ أخرى عمقت كراهية اليهود وجعلتهم مرتبطين بالأمراض واللعنات والفقر.
فمند روما القديمة، حتى العصور الوسطى، مرورًا بعصور التنوير، ظلت كراهية اليهود حاضرة بقوة في أوروبا، على العكس من المشرق العربي، حين كان لهم حضورهم الخاص في الطبابة والصيدلة والفكر والترجمة والصيرفة والخزف والفنون وغيرها من المجالات، كما أفسحت لهم قصور الأمراء والحكام مساحات المشورة والاحترام.
وحتى حينها، لم تكن كراهية اليهود قد تحولت لمفهوم، حتى نهاية القرن التاسع عشر، حين بدأت أوروبا تُعيد هيكلة سلطاتها، وتخرج من عباءة الإمبراطوريات والكنائس إلى عباءة القومية والدولة والعرق، ما جعل اليهود كجماعة عرقية دينية مختلفة لغويًا وثقافيًا عن المجموع، محط اهتمامٍ سلبي نتج عنه رغبة أوروبية عارمة بالتخلص منهم، للحفاظ على نقاء الكيانات المؤسسة حديثًا، مع ما كان يُشاع حينها من الولاء المزدوج لليهود، ودورهم في زعزعة الأمن والاستقرار.

تعاظم ذلك ليظهر مصطلح “السامية” على يد Wilhelm Marr عام 1879، إثر تأسيسه رابطة معاداة السامية، كما استغلها عمدة فينا بمهارة كوسيلة لتوجيه السخط الشعبي لصالحه السياسي، لتتبناه النازية، خلال موجة تطهيرها للعرق الآري من أية شوائب عرقية أخرى، فتعرض الساميون ومن ضمنهم اليهود والعرب والآراميون والأحباش لحملات ملاحقة وترويع، شمل ذلك الجميع، لكن غلبة العرق اليهودي على غيره من الضحايا جعل العنف يبدو استثناءً بحق اليهود دونًا عن غيرهم.
وهكذا تعمق مصطلح “اللاسامية” أو الـ antisemitismus خاصًا باليهود، وبديلًا لمصطلح كراهيتهم Judenhass، واستُخدم في أطر إيجابية، تجعل من اللاسامية تمظهرًا من مظاهر الانتماء القومي على حساب رفض الأقلية اليهودية، تصاعد ذلك حتى عام 1938، حين أعلن وزير الدعاية الألماني جوزيف جوبلز أن “الشعب الألماني معادٍ للسامية، لا يرغب في أن تُقيّد حقوقه أو أن يستفزه مستقبلاً طفيليات العرق اليهودي”.
الإحالات الكثيرة لمصطلح اللاسامية وحصره بالحدود الألمانية، لا تعني أن بقية أوروبا كانت بمنأى عن الممارسة نفسها، بل حتى في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والمجر وبولندا وروسيا وغيرها حضرت أفعال اللاسامية بقوة، مسهمة في تحفيز هجرة اليهود إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي لم تلبث أن أصدرت قرارًا بتقييد هجرة جنسيات معينة، مثل البولنديين، ما عزز اتجاه الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
بانتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا النازية عام 1945، وظهور حجم الإبادة الجماعية النازية ضد اليهود، تحول المصطلح لدلالة سلبية، ارتبط ذلك بمصطلحات أخرى تحولت دلالاتها مثل اليهودي الكوزموبولتي (المندمج في مجتمعه)، والديسابورا (الشتات) والمسألة اليهودية وغيرها، جاء ذلك بعدما اكتمل مشروع الصهيونية السياسية والفعلية على أرض فلسطين، وأحيط بدعم غربي وأممي كامل بصدور قرار التقسيم 1947، الذي أسس لحرب “الاستقلال” 1948، واحتلال معظم أراضي فلسطين.
أما على المستوى المشرقي، فقد اندمج مصطلح اللاسامية مع فعلٍ استعماري غربي متصاعد في المنطقة العربية، تزامن مع هجرة يهودية متزايدة، وسلسلة مشاريع تهويد بدأت تخرج إلى الضوء بداية القرن العشرين، مستهدفة بلاد الشام ومتخذة من الإسكندرية محطةً تسلل لها، ما استنفر أصحاب البلاد الذين وجدوا أنفسهم مضطربين في موقفهم بين اليهود كأهل ذمة ومجموعة عرقية عاشت ضمن المجتمعات العربية تاريخيًا، وبينهم كمهاجرين غربيين أطلقوا نزاعًا اجتماعيًا ودينيًا مع السكان المحليين.
لذا جاء وعد بلفور عام 1917 بوصفه تحولًا في التعامل المحلي العربي، حشد العرب ضد المهاجرين اليهود، وضد الصهيونية، التي قدمت نفسها غربيًا كحركة تحرر وتقرير مصير، بينما انطلقت مخططاتها على الأرض من تطهير وتهجير ممنهج، حينها وُسم العرب بوصفهم “متخلفين، مناهضين للحريات، ومعاديين للسامية”.
تُعرّف هذه النقلة المعرفية لمفهوم معاداة السامية، ما قبل وعد بلفور وما بعده، بوصفها تهيئة لغوية للمفهوم مرورًا نحو تحوله خطابًا مكتملًا، ورغم أن كُلًا من المستويات الفكرية والثقافية والسياسية الفلسطينية حرصت على التأكيد مرارًا على أنها ضد الصهيونية ومشروعها، إلا أن الخطاب اليهودي حينها تركز في محور معاداة السامية تحديدًا.
ليتصاعد هذا الاتهام خلال أحداث النبي موسى في مدينة يافا 1920-1921، حين استعارت الصحافة اليهودية والبريطانية مصطلحات “التعصب الديني، الكراهية العمياء” لوصف ردود الفعل العربية، كان ذلك إيذانًا صحفيًا بأن العالم الغربي قد تحلل من أعباء معاداة السامية وألقاها في حضن الشرق.
ما تمظهر في الخطاب اليهودي الإعلامي بُعيد هبة البراق 1929، اللحظة الأكثر مفصلية في الصحافة اليهودية الدولية، بربطها بين الاضطهاد الأوروبي والاضطهاد الفلسطيني، وتركيزها على مفهوم “معاداة السامية” في خطاب قادة الصهاينة، ومنظري الهجرة اليهودية.
ما جرى بعدها لم يكن مهمًا كثيرًا، فمعاداة السامية غدت “كليشة” في الإعلام والسياسية اليهودية، وأداة اتهامٍ سياسي حاضرة، يتم تدويلها وتنظيمها وربطها بالأمن تحت مظلة الانتداب، والهجرة كحق تقرير لليهود، إثر كل هبة أو ثورة فلسطينية، ليُصور العرب كمعادين لليهود كعرقية وقومية ودين، لا كمعارضين لمشروع استيطاني، يسلب منهم أرضهم وأملاكهم.
وبينما كان الفلسطينيون مدركين للفرق بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، معتبرين أن الأولى تمسهم أيضًا، فهم عرقية سامية، بينما الثانية تختص بمنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية استعمارية، لا يُشترط أن ترتبط بدين، بقدر ما تتفق على هدفٍ استيطاني، يحمل تبريرات مختلفة، لكل قطبٍ من أقطابها.
مما سبق، يظهر كيف أن كثافة الاستخدام المبكر لمعاداة السامية كمفهوم، قبل تحقيق المشروع الصهيوني، قدمت تحصينًا أخلاقيًا لنتيجة المشروع وتطبيقه على الأرض قبل ولادته، وأصبغت على الصراع الإسرائيلي العربي صفة أخلاقية هوياتية بدلًا من حقيقته السياسية القانونية.
الجريمة والعقاب: التجريم والاستثناء
باندلاع حرب عام 1948 وجدت الدعاية الإسرائيلية لمعاداة السامية العربية موقعًا لها على الأذن الغربية، فالكيان الجديد استطاع الانتصار على خمس دول عربية، وبمشاركة جزئية من دول أخرى، كما حصل على مناطق أكبر من تلك التي قدمها له قرار الأمم المتحدة 181، عبر سلسلة تشكيلات عسكرية خاضت غمار الحروب.
هذه هي الدعاية، أما الحقيقة فهي أن التشكيلات العسكرية كانت جيشًا قيد الإعداد والتدريب منذ قرابة عقدٍ ونصف سابق للحرب، وأن أسلحته وخططه وتكتيكاته تفوق أي جيش آخر في المنطقة العربية حينها، لا سيما وأن قيادته موحدة على عكس الجيوش العربية، وأسلحته حديثة على عكس الأسلحة العربية الفاسدة، ويحظى بدعمٍ استعماري بريطاني فرنسي أمريكي.
لكن ذلك لم يمنع من اعتبار ما انتهت له الحرب، تنفيذًا لحق تقرير المصير لليهود، وإنهاءً لعقودٍ من الديسابورا، وتأسيسًا لكيانٍ لا يتعرض فيه اليهود لأي شكلٍ من أشكال معاداة السامية، وبالتالي نجاحًا للحركة الصهيونية وقادتها، في تقديم الكيان كاستثناء أخلاقي عالمي، يقدمه العالم بعد المحرقة انطلاقًا من شعوره بالذنب، ورغبة في الحصانة الأخلاقية.
وهو ما عنى نزع الشرعية عن أي جهد تحرري فلسطيني أو عربي، ووضعه في خانة الاعتداء، ما تجلى بشكلٍ واضح خلال حرب 1956 حين سارعت الدول الغربية لإسناد “إسرائيل” في حربها على الدول العربية، وتحديدًا مصر، دفاعًا عن مشروع سياسي استيطاني ساهم الجميع في تبييضه.
لم يكن جهدهم تجاه #فلسطين و إيمانهم بقضيتها عادياً، فقد بذلوا جهداً كبيراً لتقديم شروح عن جذور الحركة الصهيونيـ،ية ودورها في تأسيس “إسرائيل” كما حاربهم الاحتلال وأتباعه ملياً.. تعرف على مجموعة من الشخصيات اليهودية التي حاربت الصـ،ـهيونية. pic.twitter.com/D9lAd0xUeZ
— نون بوست (@NoonPost) August 13, 2024
هالة الحصانة الأخلاقية التي أحاطت تأسيس الكيان، وحافظت على وجوده لعقدين، لم تلبث أن واجهت أولى معضلاتها، وهي انكشاف الطموح الصهيوني نحو حدود أكبر بكثير مما منحه له المجتمع الدولي عام 1947، أو سوغته مبررات الدفاع عن النفس عام 1948، وذلك باحتلال أراض من مصر والأردن ولبنان وسوريا خلال حرب الـ1967، ما جعل سياساته التي يتم الدفاع عنها، أقل قابلية للدفاع.
ونتيجة ظهور بوادر لرفض غربي للسياسات الإسرائيلية، ودعوات دولية لإنهاء احتلالها للمناطق العربية، وعدم قدرة هذه الدعوات عن التعبير عن نفسها دون وصفها بمعاداة السامية، أُعيدت معاداة الصهيونية إلى الصورة، لتستنفر منظمات الصهيونية ومنها رابطة مكافحة التشهير، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية إيباك، لتعريف معاداة الصهيونية بأنها معاداة سامية جديدة.
الفكرة الجديدة وجدت صداها سياسيًا وإعلاميًا، وأصبحت نشيدًا وطنيًا على ألسنة المدافعين عن “إسرائيل”، حيث كتب وزير الخارجية الإسرائيلي أبا ايبان: “من أهم مهام أي حوار مع العالم غير اليهودي إثبات أن التمييز بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية ليس تمييزًا على الإطلاق”.
بينما صدرت كتيبات ومنشورات عديدة لنشر وتعزيز العلاقة بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، والحفاظ على “إسرائيل” كيانًا فوق النقد والمحاسبة، حتى 1975، حين أصدرت الأمم المتحدة قرار 3379 الذي اعتمد في 10 نوفمبر 1975 بموافقة 72 دولة مقابل 35 أخرى، مؤكدًا أن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ومطالبًا جميع دول العالم بمقاومة الأيدولوجية الصهيونية التي تشكل خطرًا على الأمن والسلم العالميين.
يُعتبر اليوم هذا القرار -رغم إلغائه لاحقًا-، اللحظة التي كُسرت بها القداسة السياسية والأخلاقية ل”إسرائيل” بانتقالها من مربع الضحية إلى مربع المحتل، ما اضطرها لشيطنة الأمم المتحدة، وتحويل القرار إلى دليل لاسامية عالمي، والتحول نحو فصل نفسها عن الصهيونية وتقديمها كمرحلة انتهت مهمتها، ثم التركيز في خطابها وأهدافها على المستويات السياسية في الدول الغربية، حفاظًا على استمرار الدعم لمشروعها، عبر تقديمه كنقطة اتفاق مشتركة.
ماكرون يتهم نتنياهو بإهانة فرنسا ويطالبه بوقف الحرب والاستيطان، في حين اتهم نتنياهو فرنسا بتأجيج معاداة السامية بسبب اعترافها بدولة فلسطين. pic.twitter.com/anGhc2ikfn
— نون بوست (@NoonPost) August 27, 2025
ورغم المد والجزر، بين الحروب والحملات العسكرية الإسرائيلية على الدول العربية، وسلسلة الاغتيالات التي نفذتها بحق قادة مقاومة ومفكرين فلسطينيين حول العالم، ظلت معاداة السامية حاضرة كردٍ على نقد سياساتها، فيما طُرحت على أسس “معاداة للصهيونية” ونقد للاحتلال وسياساته.
عام 1991، وفي مسعى أمريكي لجر “إسرائيل” إلى طاولة المفاوضات في مؤتمر مدريد للسلام، اشترطت الأخيرة إلغاء الأمم المتحدة لقرارها 3379، وهو ما جرى في السادس عشر من ديسمبر 1991، حين رفعت الولايات المتحدة مشروع القرار، واستطاعت إلغاءه بموافقة 111 دولة، ضمتها إلى جانب جميع دول أوروبا واليابان وكل دول الشمال والاتحاد السوفياتي ودول البلطيق الثلاث وروسيا البيضاء وأوكرانيا ويوغسلافيا.
رغم أن القرار نُبذ بسطرٍ واحد “تقرر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379″، إلا أنه لم يأت نتيجة تغير في السياسات الإسرائيلية أو تراجع عن احتلالها الأراضي الفلسطينية أو العربية، بل قُدم كتصحيح دولي لخطأ سابق، وانتصارٍ للخطاب “الإسرائيلي-الأمريكي”، وإخراجٍ للأمم المتحدة من النقاش القانوني والأخلاقي المتعلق بـ”إسرائيل”، بإنهاء إمكانية مساءلة الصهيونية دوليًا، ما استثمرته لاحقًا بأساليب مختلفة، منها إعادة ربط نفسها بالصهيونية، مشروعها الأول.
معاداة السامية بصيغتها الجديدة
منذ 1991 لم يعد ممكنًا اتهام الصهيونية دون تقديم اتهام أخلاقي مضاد أو محاسبة، كما أعادت الصهيونية تطوير آلياتها بما يحميها من إعادة المرور في الأنفاق الضيقة للتجريم الدولي عام 1975، وبدأت في إطلاق جهد أكاديمي وبحثي وسياسي ممنهج يستهدف التطبيع لمحاربة معاداة الصهيونية بمثل ما تُحارب معاداة السامية غربيًا وعالميًا.
بدأ ذلك منتصف التسعينيات، حين أطلقت منظمات يهودية رسمية في الغلب سلسلة أدوات ملاحقة قانونية وإعلامية لمواجهة الانتقاد السياسي للكيان، ومراوحة تصنيفه ما بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية، بحيث يُصار إلى الربط بين المفهومين في المسائلة والمحاسبة وتذويب أحدهما في الآخر.
عام 2002، أطلقت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) ورابطة مكافحة التشهير (ADL) جهدًا مؤسساتيًا، للتعامل مع معاداة الصهيونية لا باعتبارها حماية للدولة من الانتقاد، بل بهدف تطوير معيار أخلاقي جديد يتجاوز الاعتماد التقليدية على تهمة معاداة السامية، وبما يؤسس لضمان استمرار تجريم النقد ومعاقبة خصوم المشروع الصهيوني على المدى البعيد.
جاء ذلك إثر دراسة شاملة، اعتبرت أن “الخطاب المعادي للسامية قد يتستر تحت معاداة الصهيونية”، حيث أشارت إلى أنه لا يكتفي بتشويه صورة اليهود والصهيونية ووصفهما بأنهما خبيثان وأنهما جزء من هجوم غربي على الحضارة العربية الإسلامية، بل إنه يصف “إسرائيل” بأنها نازية وعنصرية وإجرامية في سياساتها.
الدراسة تغاضت عن الوجود التاريخي لمعاداة السامية الأوروبية، من خلال خلق رابط وصفته بـ “التقارب بين معاداة الصهيونية الإسلامية العربية ومعاداة السامية الأوروبية الكلاسيكية في ثلاثينيات القرن العشرين، من خلال ما اعتبرته دلائل مثل صعود جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتحالف الفعلي بين النازية الألمانية والحاج أمين الحسيني، زعيم القومية العربية الفلسطينية.
يرد الباحث نورمان فينكلشتاين على هذه الدراسة بربطها بأزمات الفعل العسكري والسياسي الإسرائيلي قائلًا: “كلما واجهت إسرائيل كارثة علاقات عامة كالانتفاضة أو ضغوطًا دولية لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تُدبّر المنظمات اليهودية الأمريكية هذه الضجة المسماة “معاداة السامية الجديدة”.
الصحفية تمار ميسيلز وجدت جانبًا من الصواب في رؤية فينكلشتاين لمعاداة السامية الجديدة، التي ضمت تحت عباءتها معاداة الصهيونية، فقد رأت أن: “بعض العداء الشديد للصهيونية مشوب بمعاداة السامية القديمة، وأن كون المرء معادياً للسامية لا يمنعه بالضرورة من توجيه انتقادات عقلانية لإسرائيل والولايات المتحدة”.
عام 2015 وإثر تصاعد موجة العداء للسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أصبح الربط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية في الخطاب العدائي الإسرائيلي أكثر قوة، خاصة بعد عمليات الاستيلاء على المنازل في القدس الشرقية، والعملية العسكرية على قطاع غزة، وتسارع الاستيطان في الضفة.
فأطلق الباحث روب كان، ورقته “تداخل الحمقى: الخط الفاصل بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية في أعقاب احتجاجات غزة عام 2014″، محاولًا فيها وضع معايير للفرق بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية.
وفقًا لبحثه، فإن القول أن معاداة الصهيونية هي معاداة للسامية إنما هي كذبة تستهدف لتقويض التضامن مع فلسطين، لكنه في الوقت نفسه لم يُنكر وجود نوع من العداء للسامية في حركة التضامن مع فلسطين، أو في موجات معاداة السامية التي اجتاحت أوروبا حتى عام 2008 إبان الأزمة الاقتصادية، نتيجة للربط التاريخي بين اليهود والتحكم بالاقتصاد العالمي.
يقول الباحث كان، أن عواملًا ثلاث تُحدد معاداة الصهيونية من معاداة السامية، أولها؛ الموقع، فالهجوم على كنيس هو معاداة للسامية أما الهجوم على سفارة إسرائيلية فهو معاداة للعنصرية، ثانيها هو الهدف، فمقاطعة المنتجات الإسرائيلية ليست بالضرورة معاداة للسامية بينما مقاطعة منتجات الكوشير هي كذلك، وثالثهما؛ النمط الكلاسيكي للخطاب، فالحديث عن مؤامرة صهيونية عالمية أو جشع صهيوني هو معاداة للصهيونية، لكن الحديث عن الضحايا والضم والاستيطان والاحتلال غير الشرعي ليس كذلك.
منوهًا إلا أن معاداة السامية كثيرًا ما تمس حتى المسلمين في أوروبا، نتيجة اشتراكهم مع الديانة اليهودية في مجموعة من الطقوس، مثل ختان الذكور، والذبح الحلال، وغيرها، وأن الدفاع عن تهم معاداة الصهيونية في رداء معاداة السامية يكمن في التركيز على الصهيونية كمشروع استعماري وممارسة سياسية بحق السكان الأصليين.
الباحث أيضًا، فند خطابات دولية أممية معاداة السامية متجذرة مؤسساتيًا في الدول العربية في العصر الحديث، وهو ما صرح به روبرت بيرنستين مؤسس منظمة هيومن رايتس ووتش، وعززه الصحفي في مجلة نيوزويك، جوزيف جوفه بقوله: انتقاد سياسات “إسرائيل” أصبح جزءًا من الحياة اليومية في العالم العربي بقدر ما هو الحجاب أو النرجيلة، ورغم أن هذا النوع المظلم من المعتقدات لم يعد مقبولًا في المجتمعات الغربية المتحضرة، فإن الكراهية تجاه اليهود لا تزال متجذرة ثقافيًا في العالم العربي”.
“دماء أطفال #غزة ستطاردك إلى الأبد”.. هتافات غاضبة في مكتبة نيويورك خلال توقيع شومر لكتابه “معاداة السامية في أمريكا”، طغى فيها صوت المتضامنين على فعاليته. pic.twitter.com/IrMvFKEfKj
— نون بوست (@NoonPost) May 30, 2025
في السنوات الأخيرة، وإبان الإبادة، تباينت هذه الفروق إثر وضوح مجموعة “اليهود المتضامنين مع فلسطين”، وجدت المنظمات العاملة في مكافحة التشهير وملاحقة معادة السامية، نفسها في مأزق انتقادها من قبل اليهود أنفسهم، المشتركين مع مشروعهم في العرق والدين والتاريخ، ليتم استدعاء الوسم القديم لـوزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان لهم، بأنهم “اليهود الكارهين لأنفسهم”.
هذا الوصف الذي استهدف اليهود المناهضين للصهيونية، أو اليساريين منهم، والداعمين للحقوق الفلسطينية، هدف للتشكيك الأخلاقي والنفسي بهم، بدءًا بإقصائهم من داخل المجتمع اليهودي، ونقل الصراع من حلبة السياسة إلى الحالة النفسية، بتحويلهم من معارضين لمشروع استعماري، لمرضى نفسيين يكرهون أنفسهم، ما ينزع عنهم القدرة على الرد ويجعلهم ما بين الهوية اليهودية الصحيحة التي تمثلها الصهيونية، أو المرضى النفسيين.
رغم ذلك، أنتجت هذه الفئة تحديدًا شرخًا في مفهوم معاداة الصهيونية، لأنهم لم ينتقدوا اليهودية أو يخرجوا منها، بل انتقدوا السياسات الاستعمارية لـ “إسرائيل”، فتم مهاجمتهم نتيجة صعوبة وصفهم بأنهم “لا ساميون أو معادون للسامية” لأنهم ساميون بالدم والولادة، فتم ضربهم في ذهنيتهم لإسقاط أي خطاب نقدي داخلي يمس الصهيونية.
لم يمنع ذلك من قدرتهم على إعادة الشرعية لمعاداة الصهيونية في الفضاء الغربي العام، في الجامعات، والإعلام وحركات حقوق الإنسان، لأن الدعم للضحايا الفلسطينيين وقضيتهم لم يأت فقط من الفلسطينيين، أو من اليسار الغربي، بل من اليهود أنفسهم، ما أكد هشاشة السردية الإسرائيلية التي تعتمد على الحق التاريخي، حين أصبح خصمها فردًا من داخل الجماعة نفسها.
ينطبق ذلك على حركة “اليهود من أجل العدالة للفلسطينيين” و”إذا لم يكن الآن” و “ناطوري كارتا” وغيرها من الحركات التي نشطت في العالم الغربي بضراوة، ما اضطر المنظمات الصهيونية لتطوير خطاب أخلاقي جديد، يخرج من أطر السامية، إلى أطر الصهيونية، ويهاجم جميع المعارضين، ويجمع بين “الأخلاق” والأمن والضحية والذاكرة والقانون، لتجريم أي نقد للصهيونية والسياسات الإسرائيلية، حتى عندما لا تنجح تهمة “معاداة السامية” بشكلها التقليدية.
المستثمر شون ماغواير المعروف بدعمه للاحتلال يعترف بأن تهمة “معاداة السامية” لم تعد تحسم الجدل مع تزايد وعي الجيل الجديد ومقارنته بين الخطاب والوقائع. pic.twitter.com/HFL8COy00N
— نون بوست (@NoonPost) November 29, 2025
بكلماتٍ أخرى، تم إنتاج سردية أخلاقية جديدة، تضع معيارًا يضمن استمرار الملاحقة والمحاسبة القانونية، الأكاديمية، والإعلامية لأعداء الفكر الصهيوني، بما في ذلك من داخل المجتمع اليهودي نفسه، من خلال تأطير التاريخ كـ “دفاعٍ عن النفس” بدلًا من تأطيره كحقٍ في الوجود.
تصاعد ذلك منذ عام 2020، حين بدأت مداولات سياسية برلمانية في العالم الغربي، فرنسا والولايات المتحدة تحديدًا، تحاول تجريم معاداة الصهيونية كمعاداة السامية، واستغلال ذلك لشن هجوم عنيف على الحريات الديمقراطية الأساسية، التي قد تمس بالدولة نفسها، لكن من المهم ألا تمس بـ”إسرائيل”.
جاء ذلك فيما مررت حكومة الاحتلال الاسرائيلية مجموعة قوانين عنصرية، من بينها “الدولة القومية للشعب اليهودي” وضم أجزاء من الضفة الغربية، ليغدو ذلك انكسارًا لدعاية السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة عام 1975، إبان إقرار الصهيونية كعنصرية حين قال: “قال السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة حاييم هرتصوغ:”من الطبيعي أنه من الممكن للعربي أن يتقلد منصبًا عامًا في إسرائيل، ومن غير اللائق أن نعتقد أنه يمكن ليهودي أن يشغل أي منصب رسمي في بلد عربي، وفعلًا يعترف بذلك لهم. هل هذه عنصرية؟ لا، إنها ليست كذلك، إنها..صهيونية”.
وفقًا للمعيار الجديد، لمعاداة الصهيونية، الذي طرحه مجلس النواب الأمريكي في ديسمبر 2023 فإن معاداة الصهيونية شكل من أشكال معاداة السامية، وعليه فإن أي خطاب يتضمن تحريضّا أو كراهية للصهيونية في التعبير السياسي والأكاديمي، سيتم توجيه المؤسسات الفيدرالية لاحقًا لإصدار ما يناسبه من معايير.
وفي فرنسا، يمر حاليًا مشروع قرار يربط نقد إسرائيل أو رفض الاعتراف بها كدولة مع تعريف معاداة السامية، جاء ذلك بعد مشروع أولي، قُدم في نوفمبر 2024 للجمعية الوطنية الفرنسية، ثم أعيد طرحه في 21 يناير الحالي، يسعى لتعزيز مكافحة “الأشكال المتجددة من معاداة السامية”، بتوسيع التعريف القانوني لمعاداة السامية وربطه بنقد السياسات الإسرائيلية أو رفض الاعتراف بـ”إسرائيل”.
ورغم أن المشروع، الذي عمل اسم النائبة كارولين يادن، يدق ناقوس الخطر فيما يتعلق بالحريات والديمقراطية، إلا أنه ما زال مطروحًا للنقاش، ويجد آذانًا صاغية لدى عددٍ من المشرعين، من بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي كان سابقًا قد أعلن أن “معاداة الصهيونية هي إحدى أشكال معاداة السامية”.
أما مؤخرًا، فهناك الجهد الصهيوني على تيك توك، الذي يهدف لإغلاق حسابٍ مفتوحٍ منذ عامين مع منصة هتف المتضامنون مع فلسطين عبرها، “من النهر إلى البحر” ما اعتُبر دعوة لإفناء وإبادة كيانٍ قائم على الإبادة.
جاء ذلك، إثر تطوير أدوات بحثية لإنتاج أساليب إنكار الإبادة الجماعية في قطاع غزة، بدءًا بتحميل المقاومة الفلسطينية المسؤولية، مرورًا بتكرار تهم معاداة السامية، والتبرير بأن ما يجري حرب دفاعية، وضرورة أخلاقية، تحت شعارٍ صهيوني قديم يتكرر منذ 1948، عنوانه “لم يكن لدينا خيار، وإن لم تقتنع فأنت معادٍ للسامية كاره للصهيونية”.
نتيجة لذلك يمكن القول إن قياس موقع الخطاب من معاداة الصهيونية لا يتم من محتواه الجغرافي أو السياسي، بل بموقعه من شرعية الدولة، فبينما تمثل الرمزية الدينية والتوسعية للدولة شعار “من النيل إلى الفرات”، يُهدد خطاب “من النهر إلى البحر” الشكل الرسمي الحالي لها.
بالمحصلة، تتزايد معضلة السردية الصهيونية، ما بين نقدٍ خارجي ويهودي، وحاجة للخروج من مظلة اللاسامية إلى مظلة الصهيونية وحدها، وتطوير خطابٍ أخلاقي وسط فعلٍ لا أخلاقي، يُجرم ويعاقب خصوم المشروع الصهيوني، حتى بعد انكشاف الإبادة، وفشل أدوات التبرير التقليدية، وإعلان احتلال المناطق الفلسطينية فعلًا أمميًا دوليًا غير مشروع يجب التراجع عنه.
يستدعي ذلك إنتاج خطاب بأبعادٍ حديثة، وأدوات معقدة، ينفتح على الصهاينة من غير اليهود، وينبذ اليهود من غير الصهاينة، يتيح استمرار المشروع الاستعماري على الأراضي الفلسطينية، والهيمنة على الدول المحيطة بمبررات أخرى، لم تجد حتى الآن صياغة تمكنها من غسل عقول الشعوب والجماعات، لعقودٍ قادمةٍ أخرى.