ترجمة وتحرير: نون بوست
كشف موقع “دروب سايت” هذا الأسبوع عن مسودة قرار من “مجلس السلام” الذي أنشأه ترامب يحدد في جوهره المرحلة الثانية من خطة ترامب غير الواقعية للسلام، التي أدخلت مرحلة جديدة من الرعب في غزة تحت ستار وقف إطلاق النار.
وتتجاهل الإجراءات الواردة في القرار الحقائق على الأرض وترسم صورة قاتمة للغاية لما تخططه الولايات المتحدة في غزة. وبغض النظر عن الصور السخيفة والمسيئة التي شاركها ترامب في ذلك الفيديو المصنوع بالذكاء الاصطناعي العام الماضي، فإن القرار يُعد بمثابة خطة معركة لتحويل غزة إلى ملعب للأثرياء، كما عرضها جاريد كوشنر في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع الماضي؛ وهي خطة يكون فيها من يبقى من الفلسطينيين الباقون هم أولئك الذين تم اختيارهم ليكونوا خدمًا في النظام الجديد؛ إنها خطة لغزة تحت الاحتلال الأمريكي الدائم.
“المجلس التنفيذي” الذي سيسيطر على غزة
وحظي مجلس السلام بقدر كبير جدًا من الاهتمام، لكنه ليس محوريًا بالنسبة لغزة؛ حيث أنشئ المجلس كقوة دولية لمواجهة الأمم المتحدة، ويضم حاليًا شخصيات يمينية متطرفة واستبدادية، ومن المرجح أن يبقى كذلك.
سيرأس المجلس دونالد ترامب، ودوره كرئيس للمجلس هو دور شخصي، منفصل عن منصبه كرئيس للولايات المتحدة. ويتمتع بسلطة كاملة على تشكيل المجلس وحق النقض الكامل على جميع أعماله، وسيظل ترامب مسيطرًا على المجلس حتى يقرر المغادرة أو يموت، وهو صاحب السلطة الوحيدة لتسمية خليفته، في نظام استبدادي واضح.
ويمكن لمجلس السلام أن يفوض سلطته كما يشاء، وهذا ما فعله بتفويض “المجلس التنفيذي”، وهي الهيئة التي ستدير غزة. وسيكون للمجلس التنفيذي نفسه صلاحيات أخرى ضمن اختصاصاته، لذا فقد فوض سلطته إلى مجموعة أخرى، أطلق عليها اسم المجلس التنفيذي لغزة، هناك تداخل كبير بين أعضاء المجلس التنفيذي لغزة والمجلس التنفيذي.
ويضم أعضاء المجلس التنفيذي لغزة بعض الأسماء المألوفة جداً مثل ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي ترامب؛ وسوزان وايلز، رئيسة موظفيه؛ وجاريد كوشنر، صهره؛ وتوني بلير، رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق ومجرم الحرب في غزو العراق عام 2003.
قد تكون الأسماء الأخرى أقل شهرة، لكنها بنفس القدر من الأهمية وتشكل صورة مقلقة للغاية حول كيفية عمل هذا المجلس.
الوزير علي الذوادي، وزير الشؤون الإستراتيجية في قطر، وقد كان شخصية رئيسية في المفاوضات بين الولايات المتحدة وحماس خلال العام الماضي، وقد أبدت إسرائيل بعض الاعتراض على ضمه، لكنه يتمتع بعلاقة قوية مع ترامب.
اللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات المصرية.
مارك روان، وهو ملياردير أمريكي ومانح رئيسي لحملة ترامب الرئاسية، وهو رئيس اتحاد نداء اليهود الموحد في نيويورك، وشخصية بارزة في المجتمع اليهودي الأمريكي المؤيد لإسرائيل، وكان أحد أبرز الداعمين لجهود إسكات النقد الأكاديمي والطلابي لإبادة إسرائيل، وقاد حملة إقالة رئيسة جامعة بنسلفانيا ليز ماجيل في عام 2024.
الوزيرة ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي في الإمارات، وكانت متحدثة بارزة مؤيدة لاتفاقيات أبراهام.
نيكولاي ملادينوف، دبلوماسي بلغاري مخضرم، وعمل عضوًا في البرلمان الأوروبي ومسؤولًا رفيعًا في الأمم المتحدة. كما عمل عن قرب مع توني بلير في “اللجنة الرباعية”، الهيئة الدولية المكلفة نظريًا بالمضي قدمًا في حل الدولتين، لكنها فشلت تمامًا. ودعم اتفاقيات أبراهام عند توقيعها، وقد كان ملادينوف دبلوماسيًا بارعًا لدرجة أنه تمكن من كسب ثناء إسرائيل والولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية وقادة حماس، وقد عيّنه ترامب “الممثل الأعلى لغزة”، ما يمنحه دورًا مركزيًا يتجاوز مجرد عضوية المجلس التنفيذي لغزة. وأعرب ملادينوف عن شكوكه بشأن “صفقة القرن” في ولاية ترامب الأولى، لذا سيكون من المهم النظر في كيفية تمكنه من كسب تأييد ترامب لاحقًا.
ياكير غاباي، وهو إسرائيلي يحمل الجنسية القبرصية، وهو ملياردير في مجال العقارات، أثار الجدل بدوره في الضغط على عمدة نيويورك إريك آدامز لنشر الشرطة لقمع احتجاجات مناهضة الإبادة في جامعة كولومبيا.
سيغريد كاغ، وهي دبلوماسية أممية مخضرمة ووزيرة خارجية سابقة لهولندا. وشغلت مؤخرًا منصب المنسقة الخاصة للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، لكنها استقالت من هذا المنصب في يونيو/ حزيران الماضي. ولم تعلق على تعيينها المفترض في المجلس التنفيذي لغزة، ومن غير المؤكد ما إذا كانت قد قبلت هذا المنصب أو ستقبله بالفعل.
ولا يضم المجلس التنفيذي لغزة أي فلسطينيين، ولا أي شخص له تاريخ في الدفاع عن القضايا والمصالح الفلسطينية. ويضم المجلس التنفيذي الكثير من أعضاء المجلس التنفيذي لغزة: مثل يتكوف، ووايلز، وكوشنر، وبلير، وروان، إضافة إلى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونائب مستشار الأمن القومي روبرت غابرييل.
وقد عيّن ترامب في المجلس التنفيذي أيضًا رئيس البنك الدولي أجاي بانغا، والمحامي مارتن إيدلمان، الذي تربطه علاقات وثيقة بترامب والإمارات. كما عُيّن آرييه لايتستون، المستشار السابق لسفير ترامب في إسرائيل خلال ولايته الأولى؛ وجوش غرونباوم، وهو بيروقراطي عمل مع ويتكوف وكوشنر، مستشارين للمجلس التنفيذي.
الفلسطينيون مستبعدون من مستقبل غزة
وعلى الرغم من عدم وجود إسرائيليين في المجلس التنفيذي، إلا أنه يضم أنصارًا متطرفين لليمين الإسرائيلي ونتنياهو، وهذا يجعل الولاية الغامضة للمشروع برمته أكثر إثارة للقلق.
وينص الاقتراح الذي نشره موقع “دروب سايت” على أن “أنشطة إعادة الإعمار وإعادة التأهيل التي يقوم بها المجلس ستكون مخصصة حصريًا لأولئك الذين يعتبرون غزة وطنهم ومكان إقامتهم”.
غير أن المقترح لا يمنح سكان غزة أي فرصة للتعبير عن وضعهم الحالي، ناهيك عن مستقبلهم؛ حيث يتحكم المجلس التنفيذي في وضع جميع القوانين، وتسيطر قوة الاستقرار الدولية بقيادة أمريكية على جميع الشؤون الأمنية.
وستكون قوة الاستقرار الدولية تحت قيادة اللواء الأمريكي جاسبر جيفرز، ويتمتع ترامب وحده بسلطة عزل قائد قوة الاستقرار الدولية، ويجب أن يوافق شخصيًا على أي مرشح يحل محله.
وتنص الخطة أيضًا على أن “الأشخاص الذين يدعمون [خطة ترامب الشاملة لغزة] ويتصرفون بما يتوافق معها هم وحدهم المؤهلون للمشاركة في أنشطة الحكم وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية أو أنشطة المساعدة الإنسانية في غزة”.
بعبارة أخرى، يجب على الفلسطينيين الراغبين في أن يكون لهم أي دور في غزة أن يجتازوا اختبار الولاء للسيطرة الأمريكية الخارجية على القطاع، وينطبق الأمر نفسه على أي شركة أو منظمة غير حكومية أو حتى فرد يريد المشاركة في إعادة بناء غزة بأي شكل.
وستتحول غزة بالنسبة لترامب وجاريد كوشنر إلى “مدينة شركات” ضخمة؛ حيث سيُخصص معظم الساحل للسياحة، وسيُخصص الجزء الأكبر من الحدود الشرقية مع إسرائيل للمناطق الصناعية ومراكز بيانات ضخمة، مما يعكس بلا شك الاستثمارات الهائلة التي يقوم بها ترامب وأصدقاؤه الإماراتيون في مجال الذكاء الاصطناعي.
في الوسط بين هاتين المنطقتين ستكون هناك مناطق سكنية مفصولة بحدائق ومواقع زراعية ورياضية، التي غالبًا ما تُعلن مثيلاتها في الضفة الغربية باعتبارها “مناطق عسكرية مغلقة” وتُستخدم لأغراض أخرى من قبل قوة الاحتلال.
لقد كان واضحًا منذ البداية أن الدور الوحيد المتصور للفلسطينيين هو تنفيذ قرارات المجلس التنفيذي، أي أن التكنوقراط والعمال والموظفين الفلسطينيين سيكونون “مسموحًا لهم” بتنفيذ القرارات التي تُتخذ نيابة عنهم من قبل الآخرين.
الاحتلال الأمريكي لغزة
لا يقدم هذا القرار سوى بعض التفاصيل الإضافية للأفكار غير المكتملة التي يطرحها ترامب منذ أكتوبر/ تشرين الأول، ويستمر في طرح تصور لمستقبل قريب تكون فيه حماس منزوعة السلاح طوعا وتنسحب إسرائيل فيه من غزة، وتتولى قوة الاستقرار الدولية السيطرة الأمنية.
لكن هذا كله يبقى في عالم الخيال؛ فقد أوضحت حماس مرارًا أنها مستعدة لمناقشة تفكيك أسلحتها، لكنها لن تنزعه بالكامل. لأن نزعه سيكون انتحارًا لكثير من أعضاء حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى في ظل العصابات الفلسطينية الخارجة عن القانون التي تمولها إسرائيل في غزة.
وتناقش الولايات المتحدة أيضًا تقديم عفو وحتى برنامج شراء للأسلحة، لكن هذه العروض تظل عديمة الجدوى إذا كانت حياة أعضاء حماس معرضة لخطر جسيم بسبب نزع السلاح، حتى لو افترضنا أن الولايات المتحدة تفي بوعودها وأن إسرائيل لن تلاحق هؤلاء المقاتلين بنفسها.
وترفض إسرائيل أيضًا هذه الخطة برمتها، مفضلة ضرب غزة مرة أخرى، خاصة بعد أن انتهاء ملف الرهائن وعدم وجود ورقة ضغط تقلق بشأنها؛ فقد صرح نتنياهو علنًا أن إسرائيل لن تسمح بإعادة إعمار غزة؛ في ظل استمرار آلة الحرب الإسرائيلية في قتل الناس، بمن فيهم الرضع، ليس فقط بأسلحتها ولكن أيضاً بحرمان الفلسطينيين من المواد اللازمة لحمايتهم من عوامل الشتاء حتى يتم “نزع سلاح” حماس.
وأعلن نتنياهو أيضًا أن إسرائيل ستُبقي على “السيطرة الأمنية” على غزة إلى الأبد، وقد أبلغت إسرائيل الولايات المتحدة بأنها تريد توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية في غزة – والذي يشمل بالفعل أكثر من نصف القطاع – بدلًا من تقليصه، كما تنص خطة ترامب.
وأشار الكاتب إلى أن بعض التقارير تؤكد أيضًا أن إسرائيل قد وضعت بالفعل خطة لعملية عسكرية كبرى، تواصل بها الإبادة الجماعية الكاملة التي شهدها العام الماضي، وتخطط لإطلاقها في مارس/ أذار المقبل ما لم ترفض الولايات المتحدة السماح لها بذلك.
وأخيرًا، يبقى هناك قدر كبير من الغموض يكتنف التشكيل المحتمل لقوة الاستقرار الدولية؛ فبينما تعهدت دول عديدة بدعم نزع سلاح غزة، أعربت دول أخرى عن ترددها في الانضمام إلى هذه القوة إذا كان ذلك يعني مواجهة جماعات المقاومة الفلسطينية المسلحة.
وهناك سبب وجيه لهذا التردد، فما يتشكل في غزة هو نوع جديد من الاحتلال الأجنبي، لكن الولايات المتحدة ستكون هذه المرة هي القوة الرئيسية على الأرض ما لم تسمح لإسرائيل بتجديد عدوانها، وهو أمر لا يريده ترامب. وسيُعد ذلك أكبر فشل في سلسلة إخفاقاته الطويلة، ويقوض ادعاءه بأنه “أنهى الحروب في جميع أنحاء العالم.”
غير أن القوات الأجنبية تبقى قوات أجنبية؛ فربما تصدق تكون إدارة ترامب قد انخدعت تمامًا بأفكارها وأفكار إسرائيل السخيفة بأنه طالما أن القوة التي تقمع الفلسطينيين ليست يهودية، فإن الفلسطينيين يمكن السيطرة عليهم ولن يقاتلوا من أجل حريتهم لأن النضال الفلسطيني في نظرهم يدور فقط حول محاربة “اليهود”، لكن الاحتلال الأمريكي سيواجه نفس المقاومة التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي، حتى لو تم نزع سلاح حماس.
إن الاحتلال الأمريكي لغزة نيابة عن إسرائيل سيكون مرفوضًا من قبل الفلسطينيين بنفس قدر رفضهم الاحتلال الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة. وقد يستغرق الأمر بعض الوقت حتى يستعيد سكان غزة توازنهم بعد عامين ونصف من المقاومة الفعّالة، لكن ذلك سيحدث لا محالة، كما كان الحال دائمًا.
والحل بسيط: منح الفلسطينيين حريتهم وحقوقهم، لكن يبدو أن هذا الحل يتجاوز خيال واشنطن وتل أبيب. لذا، ها هو الاحتلال الجديد، لن يكون أفضل حالًا من الاحتلال القديم.
المصدر: موندويس
