يشهد الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ أواخر يناير/كانون الثاني 2026 ضد تفشي جرائم القتل المنظمة بحق الفلسطينيين.
فقد خرج عشرات الآلاف ونفذوا إضرابات في مدن مثل سخنين والمثلث والجليل وحتى “تل أبيب”، يرفعون الأعلام السوداء ويهتفون بالعربية: “يا (إيتمار) بن غفير يا مسكين، دم العرب مش رخيص”، في إشارة إلى تورط وزير ما يسمى الأمن القومي اليميني المتطرف بتفشي الجريمة.
جاء هذا الحراك بعد ارتفاع قياسي في جرائم القتل داخل المجتمع الفلسطيني في أراضي 1948، الواقع “قانونيا” تحت حكم الاحتلال، إذ قُتل نحو 25 فلسطينيًا خلال الشهر الأول من عام 2026.
المحتجون اتهموا الاحتلال الإسرائيلي بالتواطؤ والإهمال، ورفعوا لافتات كتب عليها “الحكومة والشرطة شريكة في الجريمة”، مطالبين بوقف حمام الدم الذي يحصد أرواح أبنائهم يوميًا.
أرقام قياسية للجريمة
عام 2025 كان الأكثر دموية على الإطلاق في الداخل المحتل، حيث لقي 252 فلسطينيا مصرعهم في 218 حادثة قتل وعنف، متجاوزًا حصيلة عام 2024 التي بلغت 230 ضحية.
وأصبحت مشاهد إطلاق النار والاقتتال شبه يومية، ما أفقد الناس أبسط مقومات الأمان وجعلهم يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم في ظل تعمّد سلطات الاحتلال ترك الجريمة تتفشى.
وتشير المعطيات إلى أن الغالبية الساحقة من الضحايا قتلوا بالرصاص، مما يعكس الانتشار الواسع للأسلحة النارية في المجتمع الفلسطيني بالداخل المحتل.
ونتيجة لهذا التصاعد غير المسبوق، باتت معدلات جرائم القتل في المجتمع الفلسطيني تفوق نظيرتها لدى اليهود بفارق شاسع. ففي 2024 بلغت نسبة قتلى الجريمة الفلسطينيين إلى اليهود حوالي 14:1.
إذ سُجلت 220 جريمة قتل بين الفلسطينيين مقابل 58 بين اليهود، في واقع صادم يضع المجتمع الفلسطيني بالداخل بين الأكثر تعرضًا لمخاطر الجريمة عالميًا، وسط شعور عام بالخوف وانعدام الثقة بقدرة السلطات على حمايتهم.
وتبلغ نسبة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948 (يحملون هويّات إسرائيلية) نحو 21 بالمئة من تعداد السكان البالغ أكثر من 10 ملايين نسمة، ويقولون إن الحكومة تمارس ضدهم كل أنواع التمييز والتهميش.
لماذا تصاعدت حوادث القتل؟
يعزو كثيرون انفجار موجة الجريمة إلى تراكم عقود من التهميش والإهمال المتعمد بحق البلدات الفلسطينية في الداخل المحتل. فهذه المدن تعاني من معدلات فقر مرتفعة وبُنى تحتية وخدمات متدهورة، خلقت أرضًا خصبة لانتشار عصابات الإجرام.
في المقابل، أبقت شرطة الاحتلال عصابات الجريمة تتحرك بأريحية وتحت مظلة الإفلات من العقاب في الأحياء الفلسطينية، مما شجّعها على التمادي وهيمنت على المشهد بلا رادع.
وبحسب مبادرات إبراهيم – وهي منظمة تتابع الجريمة بالمجتمع الفلسطيني في الداخل – فإن الجرائم استشرت مع شعور المجرمين بغياب الردع وانعدام المحاسبة.
يضاف إلى ذلك الانتشار السهل للأسلحة؛ إذ تفيد شهادات موثقة أن معظم الأسلحة غير المرخصة مصدرها معسكرات جيش وشرطة الاحتلال، حيث أن 90% منها سُربت من مخازن الجيش نفسه.
وشكّل هذا الخليط من الفقر والتسلح وتعطيل إنفاذ القانون عمدا وصفة كارثية أغرقت المجتمع في دوامة عنف دموية. ولطالما اشتكى الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة من تخاذل شرطة الاحتلال في حمايتهم، بل وتورطها بتغطية الجريمة.
الأرقام الرسمية تدين شرطة الاحتلال وأجهزته الأمنية؛ فمعظم جرائم القتل تبقى بلا كشف أو عقاب. عام 2023 مثلًا، أدت نحو 8 % فقط من قضايا قتل الفلسطينيين إلى لوائح اتهام، ما يعني أن أكثر من 90% من الجناة أفلتوا من العقاب، وذلك مقابل 55 ٪ بالوسط اليهودي.

وقد أدى هذا الإهمال إلى تحوّل البلدات الفلسطينية إلى مرتع للجريمة المنظمة دون خوف من الملاحقة. ويؤكد قادة المجتمع الفلسطيني أن شرطة الاحتلال تغض الطرف عمدًا عن عصابات الإجرام.
يقول جمال زحالقة رئيس لجنة المتابعة العليا: “عندما تسمح الشرطة للمجرمين بأن يعيثوا فسادًا دون رادع، ستكون هناك جريمة وستقوم منظمات إجرامية. هذا هو جذور المشكلة”.
ومنذ أن تولى بن غفير مسؤولية الشرطة عام 2023، تضاعفت معدلات الجرائم القاتلة في المجتمع الفلسطيني، ما أثار اتهامات بأن سياسات حكومته المتطرفة غير معنية بكبح سفك دماء الفلسطينيين.
في المقابل، تتعامل شرطة الاحتلال مع المجتمع الفلسطينيين بالداخل كـ”جسم معادٍ” وليس كمواطنين لهم الحق في الحصول على الأمان. فكان تدخلها الأمني يركز على قمعهم سياسيًا بدلًا من وقف الجريمة التي تنهشهم.
أبرز العصابات الإجرامية
في ظل هذا الفراغ الأمني، برزت عائلات إجرامية منظمة سيطرت على المشهد وبثّت الرعب في البلدات الفلسطينية بالداخل.
تنتشر هذه العصابات في الشمال والمثلث ومدن الساحل، وتعمل بأسلوب مافيوي يشمل الاتجار بالسلاح والمخدرات والقروض الربوية وفرض الإتاوات على أصحاب الأعمال. هذه أبرز العصابات وفق صحيفة يديعوت أحرونوت:
1- عائلة أبو لطيف في منطقة الجليل: يقودها أربعة أشقاء وتحوز ترسانة بشرية تقدر بحوالي 200 مسلّح يستخدمون في تنفيذ عمليات إطلاق النار والابتزاز.
تغلغلت في قرى مثل الرامة حتى أن جهاز أمن الاحتلال الداخلي “الشاباك” أوصى سابقًا بإلغاء الانتخابات المحلية هناك بذريعة “عجز الدولة عن منافسة نفوذ العائلة”.
2- عائلة الجاروشي التي تهيمن في الرملة واللد، حيث حوّلت حي الجواريش إلى “عاصمة للجريمة” تعج بحوادث إطلاق النار والتفجيرات، وسط حرب دموية مع عائلة مصراتي أسفرت عن عشرات القتلى بمن فيهم نساء وأطفال.
3- عائلة حَريري بقيادة ناصر حريري (رغم كونه خلف القضبان حاليًا)، وهي شبكة تمتد أذرعها في منطقة وادي عارة ويقدّر عدد أفرادها المسلحين بنحو 300 عنصر تنشط في الابتزاز و”الخاوة”.
تخوض هذه العصابة صراعًا مريرًا على النفوذ مع عائلة بَكري الناشطة في الناصرة، ما أدى إلى موجة انتقام متبادلة حصدت أرواح أكثر من 36 شخصًا على مدار سنوات.
4- عصابة كرجة في مدينة حريش، التي تضم عشرات المسلحين وتنخرط في القروض والابتزاز.
5- عصابة أبو مُطْ في باقة الغربية التي شهدت تصفية قادتها الواحد تلو الآخر ضمن حرب نفوذ عشائرية دامية.
6- عصابة صهيب الأسمر التي تضم حوالي 120 عنصرًا مسلحًا يعيثون فسادًا في مدينة أم الفحم، رغم سجن زعيمهم حاليًا على ذمة قضايا ابتزاز.
جميع هذه العصابات تستغل غياب الردع لتبني إمبراطوريات إجرامية تكدس من خلالها المليارات بالترهيب والعنف، محولة أحياء كاملة إلى ساحات حرب.
فرض الإتاوات وابتزاز الأرزاق
من أخطر تطورات العام الأخير كان انتقال عصابات الداخل إلى فرض إتاوات علنية على أصحاب المصالح الفلسطينيين تحت تهديد السلاح.
تحولت حماية المحال التجارية إلى تجارة سوداء؛ إما أن تدفع مبلغًا شهريًا لعصابة محلية لقاء “الحماية”، أو تجد محلك مهددًا بالرصاص والقنابل.
في الناصرة مثلًا، يروي صاحب متجر كيف بدأ يحقق ربحًا شهريًا جيدًا (حوالي 30 ألف شيكل – 9700 دولار)، حتى تلقى اتصالات من مجهولين تطالبه بـ10 آلاف شيكل شهريًا (نحو 2700 دولار) كإتاوة.
وعندما رفض الانصياع، أمطرت العصابة متجره بالرصاص وهددته بالقتل، فلم يجد بدًا من الدفع مرارًا حتى قرر في النهاية إغلاق متجره حفاظًا على حياته وعائلته.
آخرون في الناصرة ومدن الشمال عاشوا الكابوس ذاته؛ كثيرون رضخوا ودفعوا مضطرين، ومن لم يستطع فرّ وأقفل رزقه.
المشهد نفسه تكرر في مدينة سخنين بالجليل، حيث تعرّض مخبز النور لسلسلة اعتداءات مسلحة وسرقات خلال فترة وجيزة، شملت إطلاق نار واقتحام أدى إلى إصابة العاملين وروّع الزبائن.
أمام هذا الخطر المحدق، أعلن صاحب المخبز إغلاقه نهائيًا قائلاً بحسرة: “لا شيء على وجه الأرض يساوي قطرة دم واحدة”.
وأكد أن الاعتداء الأخير لم يكن حادثًا معزولًا بل جزء من سلسلة متواصلة استهدفت محله ومحال مجاورة في الشارع ذاته، ناشرةً الذعر وفاقدةً الناس الشعور بالأمان.
هكذا انتشرت ظاهرة “الخاوة” من جديد؛ عصابات تجوب ليلًا لتطلق النار على واجهات المحلات أو تحرق المركبات المركونة لإجبار أصحابها على الدفع.
وتشير تقارير محلية إلى أن البلدات الفلسطينية تشهد تصاعدًا غير مسبوق في جرائم السلاح والابتزاز، حيث تحول العنف إلى حرب على الأرزاق تدفع بالكفاءات وأصحاب الأعمال للتفكير بالهجرة هربًا من هذا الجحيم.
تواطؤ إسرائيلي رسمي
أمام هذا الواقع المرعب، يتبادر سؤال ملحّ: كيف تستفحل الجريمة لهذه الدرجة في منظومة أمنية تُظهر فاعليتها حين تلاحق الفلسطينيين، وتتغاضى حين يُستهدفون بالجريمة؟
الإجابة التي يطرحها كثير من الفلسطينيين بالداخل هي تواطؤ متعمد من سلطات الاحتلال مع عصابات الإجرام. فتاريخيًا، سادت قناعة بأن “إسرائيل تغذي العنف الداخلي كسياسة استعمارية رخيصة للتحكم بالفلسطينيين”.
ونقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن مسؤولين إسرائيليين سابقين اعترافهم بأن عصابات الإجرام تعجّ بمخبري الشاباك، الذين يُمنحون حصانة غير معلنة تمكنهم من ارتكاب الجرائم دون خوف من الشرطة.
ففي عام 2021، كشفت القناة الـ 13 الإسرائيلية أن ضابطًا رفيعًا بالشرطة صرّح في اجتماع مغلق بأن “معظم زعماء الإجرام في المجتمع الفلسطيني هم عملاء للشاباك”، وأن الشرطة “مكبّلة الأيدي” لأن هؤلاء المخبرين فوق القانون.
ورغم نفي جهاز الشاباك تلك الاتهامات ووصفها بأنها “لا أساس لها”، فإن الوقائع على الأرض تعزز شكوك الناس.
إذ يؤكد ناشطون من أم الفحم مثل محمد طاهر جبارين أن الشرطة نفسها متورطة: عناصر فيها تلقوا رشاوى من عصابات مقابل السكوت، ومعظم الأسلحة التي تغزو شوارعنا خرجت من مستودعات جيش وشرطة الاحتلال.
ويتساءل جبارين: “كيف يدّعون أنهم أقوى أجهزة أمنية ولا يعرفون من أين تأتي الأسلحة؟ وهم يعلمون أنها من مخازنهم تُباع في مجتمعنا”.
ويرى كثيرون أن سلطات الاحتلال تتعمد غض الطرف لتترك الفلسطينيين يقتلون بعضهم بعضًا، بينما تتذرع لاحقًا بهذه الفوضى لتمرير قوانين قمعية بحجة “مكافحة الجريمة”.
ففي أكتوبر/تشرين الأول 2021 مثلًا، طرحت حكومة الاحتلال مشروع قانون يمنح الشرطة صلاحيات تفتيش ومداهمة غير مسبوقة بذريعة وقف الجريمة، ما اعتبرته منظمات حقوقية فلسطينية شرعنة لتحويل البلدات الفلسطينية إلى ساحة حرب مفتوحة وانتهاك لخصوصية الأهالي.
ويختصر أحد الناشطين المشهد بالقول: “هم يزرعون الجريمة في مدننا ويعترفون ضمنيًا بتعاون المجرمين مع مخابراتهم، ثم يستغلون الوضع لفرض المزيد من السيطرة علينا… إنها الكولونيالية في أبشع صورها”.
ولذلك، لا يحمّل الحراك المتصاعد الأخير عصابات القتل وحدها المسؤولية، بل أيضًا منظومة الاحتلال التي يؤكد أنها صنعت البيئة المناسبة لتكاثرها.