في منشور لها على فيسبوك في 28 يناير 2026، تُناشد المواطنة السودانية نانسي عامر ملاح حكومة بلادها بالتدخل لوضع حد لما يتعرض له اللاجئين السودانيين في مصر، حيث تزعم أنها شاهدت بأم عيّنها عددًا من السودانيين يُساق كالأغنام، مُكلبشين، تميهدًا لترحيلهم، في مشهد لا يفرق بين طفل أو أنثى، ولا حتى عجوز.
يُعد ذلك المنشور نادرًا، حيث يكاد اللاجئ السوداني في مصر أن يكون معدوم حق الكلام، وإذا تكلم، فلا بد له من أن يتكلم بمشاعر الامتنان والعرفان بالجميل أو ستنطلق عليه ألسنة لجان اليمين القومية في مصر، وحملات كراهية لا أول لها ولا آخر، ربما تتهمه بالكذب والتزوير والإفتراء، وتطالب بترحيله، وبإمكان ذاك المنشور للسيدة نانسي عامر الذي لا يحوي أي صورًا أو فيديوهات للإثبات أن يكون تلفيقًا أو تزويرًا لواقع غير حقيقي هو أيضًا.
لكن الناظر الموضوعي في وضع اللجوء الهش في مصر، سيجد أن هناك حقائق على الأرض تدعمه فعلًا، بممارسات تقوم بها الحكومة المصرية في حق اللاجئين عمومًا، والسودانيين خصوصًا، منذ عام 2023، وتزداد سنة بعد أخرى، بدءًا من عام 2024 وقانون اللجوء الجديد الذي سبق وأن عرضت نون بوست تقريرًا شارحًا لمخاطره والجدل الذي أثير حوله، ورغم ما نُشر رسميًا حول القانون من أنه لحماية اللاجئ في مصر، إلا أن التحذيرات التشاؤمية منه أثبتت بمرور عام 2025، أن شيئًا بخصوص وضع اللجوء في مصر، لم يزداد إلا سوءًا وترديًّا.
مجتمع اللجوء السوداني.. متهمون اعتياديون
كانت الحياة في مصر أكثر رحمة ورأفًة بالسودانيين من الدول الأخرى، خاصًة أنه لطالما كان هناك علاقة تجمع البلديّن والشعبيّن تاريخيًّا، وبدت الوجهة المصرية تعد بحياة أفضل من مجتمعات اللجوء الأخرى، تمثلت في شوارع مثل مجلس الأمة في السيدة زينب، وفيصل في الجيزة، ومناطق المعادي وحدائق القبة، التي احتوت على عدد كبير من السودانيين ومجتمعاتهم ومشاريعهم الاقتصادية.
لكن تلك الحياة التي لا تخلو من مرارة رغم أنها أفضل ما يمكن الحصول عليه، لم يحظ بها آخرون الذين كانت حياتهم أشبه بخروج من السجن إلى الغاب، حيث استحالت حيوات آلاف من اللاجئين مؤخرًا في مصر إلى جحيمًا شيّدته الإجراءات البيروقراطيّة المُعقدة، وتعديل قوانين اللجوء، وتعطيل قوانين أخرى، وتغيير ما يتعلق بأمور الصحة والتعليم، وانتهاءًا إلى الترحيل غير القانوني والسجن والاعتقال، والعيش يوميًّا تحت رعب الحملات الأمنية التي تقتحم مجتمعات السودانيين في محافظات مصر الكبرى.

نلاحظ من خطاب وجهته منظمة العفو الدولية إلى الحكومة المصرية في عام 2024، أن عدد السودانيين الذين اعتقلوا ورحُلوا منذ بداية النزاع في السودان غير معروف بشكل دقيق، ولكن المفوضية السامية سجلت أكثر من 5000 حالة بين أبريل وسبتمبر 2023، بسبب إما انتهاء صلاحية الوثائق القانونية التي يحملها اللاجئون أو عدم حصولهم على وضع إقامة، وفي نوفمبر من عام 2023 وردت تقارير حول ترحيل نحو 1600 سوداني من مصر، بما فيهم لاجئين مُسجلين.
وثقت منظمة العفو الدولية، على نحو مُفصل المآسي التي تعرض لها 27 لاجئًا سودانيًا اعتقلوا إلى جانب 260 آخرين بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، وانتهى المطاف بـ 26 منهم بالطرد الجماعي إلى جانب لاجئين آخرين يُقدر عددهم بـ 800 شخص بين يناير ومارس 2024. وإلى جانب تلك الأرقام، يحمل الخطاب صورًا من المآسي المختلفة التي يتعرض لها اللاجئين المُحتجزين في معسكرات الاحتجاز المؤقتة الخاصة بقوات حرس الحدود المصرية. تلك المآسي، يُمكن الإطلاع عليها في تقرير عنوانه “كبلونا وكأننا مجرمون خطرون” من 36 صفحة، كانت قد أعدته ونشرته منظمة العفو الدولية رديفًا لخطابها الموجه للحكومة المصرية.
تستغل الحكومة المصرية من أجل ترحيل السودانيين من أرضها، هشاشة وضعية اللجوء، فبنهاية عام 2024، كان قد رُحل من مصر ما يقرب عشرون ألف سودانيًّا بشكل قسري، ولكن الانتهاكات لم تتوقف، بل توسعت الأساليب والاستراتيجيات المتبعة لترحيلهم من مصر.
كما قلنا، لم يقف الأمر عند حدود سنة 2024، إذ بات شارع فيصل الذي يُعد ملاذًا للسودانيين مصدرًا للرعب أيضًا، ففي الفترة من يناير إلى مارس 2025، ألقي القبض على أكثر من 50 شخصًا في الوقت نفسه، وفي واقعة واحدة في يناير 2025، قبضت السلطات على نحو 100 شخص في شوارع فيصل، الذي تستهدفه الشرطة بشكل متكرر في حملات التفتيش والتوقيف، في حين أن 21 طفلًا ألقيّ القبض عليهم في نفس السياق في تلك الفترة، وكان 42% من الموقوفين في تلك الحملات يحملون وثيقة سارية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، و12% منهم يحمل دليلًا على موعد قادم للتسجيل لدى المفوضية، ولكن ذلك لم يكن كافيًا لحمايتهم من امتهان كرامتهم واعتقالهم، وترحيل بعضًا منهم.
في تقرير لمنصة اللاجئين في مصر، نجد أن أسباب الترحيل لكثير من الذين احتجزوا ورحلوا كانت لعدم حصولهم على تصريح إقامة ساري المفعول، وهو شرط قانوني ينطبق على جميع الرعايا الأجانب بالطبع، ولكن لأسباب عدة، يصعب على اللاجئين استيفاؤه، لأن الحكومة المصرية تبحث في الكثير من الطلبات المتراكمة حتى أن بعض المواعيد أُجلت إلى عام 2029، في الوقت الذي أغلق فيه مركزيّن للتسجيل بسبب نقص التمويل، مما يُصعب عملية طلب التسجيل أصلًا.
ولكن الحكومة لا تُطارد فقط مفتقدي الشرعية القانونية للجوء، فهؤلاء الذين يحملون بطاقة اللجوء تجردهم السلطات من بطاقاتهم وتُرحلهم، كما حدث مع أحد الطلاب السودانيين البالغ من العمر 17 عامًا، في طريق عودته من المدرسة في أحد الأيام تم إيقافه في أحد أكمنة الشرطة وتجريده من بطاقته، ليجد نفسه في وضع إقامة غير شرعيّة، سيتبعها بعد أيام ترحيله من البلاد وفصله عن والديّه. وتتكرر حالة فصل الأطفال عن ذويهم تلك في حملات الإبعاد القسرية، فقد وثقت المبادرة المصرية للحقوق مع منصة اللاجئين في مصر، حالة 54 طفلًا رُحلوا قسريًا كان بينهم 25 فصُلوا عن ذويهم بين يناير ومارس 2025.
ينضاف إلى ذلك استراتيجية أخرى في الإبعاد والترحيل وثقتها منصة اللاجئين، ففي حالة 4 من السودانيين، تم ترحيلهم بعد سحب بطاقة اللجوء وإجبارهم على التوقيع على وثيقة مغادرة طوعية للبلاد.
غير ذلك، يواجه المُحتجزون في معسكرات الاعتقال أو الاحتجاز ظروفًا غير آدمية، ففي تقرير منظمة العفو الدوليّة، ينقل لنا المُرحلون صورة عما مروا به في معسكرات الاحتجاز التي كانت مأوىً للجرذان أكثر منها للآدميين، والتي تخلو من البطاطين في صقيع البرد، والتي يُجبر فيها السودانيين على النوم أرضًا حيث لا وجود لعنابر أو أسرة. أما رداءة الطعام مع شُحه، ورص البشر كأسماك السردين في علبة، وعدم وجود مرافق صحية، فهو أمر سيكون من البديهي وجوده إن كانت تلك الحال.
آخرون من المغضوب عليهم
إن كانت البيروقراطية العميّاء تلك تطيح بالعدد الأكبر من السودانيين بسبب عددهم الكبير في مصر، فهي أيضًا تستهدف آخرون، والمفارقة في كونهم من المسجلين لدى مفوضية اللاجئين في مصر رسميًّا، عن طريق نفس الآليات من التجريد من بطاقة اللجوء، ثم الإجبار على التوقيع على وثيقة المغادرة الطوعية.
وهو ما عرضه أيضًا تقرير منصة اللاجئين في مصر في حالات مثل، فتاة من إريتريّا تبلغ من العمر 16 عامًا، اُعتقلت خمسة أشهر وحُرمت من الحصول على رعاية طبيّة رغم مرضها المعوي، إلى انتهى بها الأمر مُجبرة على التوقيع للمغادرة طوعيًّا. وفي حالتيّن من جنوب السودان، رُحلت الطالبة ذات الـ 19 عامًا لعدم امتلاكها وثيقة إقامة، رغم تسجيلها في مفوضية اللاجئين، ورغم حالتها كمُعيلة لابنة تبلغ من العمر عامًا ونصف وأخ أصغر يبلغ ثلاثة سنوات.
من ناحية أخرى، وبالتوازي مع حملة الكراهية الإلكترونية الموجهة ضد السوريين في مصر، خاصًة بعد سقوط نظام الأسد وصعود الحكومة الجديدة إلى السلطة، يواجه السورييون، خاصًة اللاجئين المقدر عددهم بما يزيد عن مائة ألف، احتمالات الترحيل القسري من البلاد لأي سبب من الأسباب، وفقًا لقرار اُتخذ بعد سقوط نظام الأسد يقضي بترحيل أي سوري يتم توقيفه بغض النظر عن قانونية وضعيته سواء مقيمًا أو لاجئًا، وبناءً عليه تم ترحيل ثلاثة سوريين فورًا لاحتفالهم بسقوط نظام الأسد.
ومن الأساس، كان قد تغيّر وضع دخول السوريين إلى مصر، الذي مر بعدة مراحل من بعد الثورة عام 2011، ففي مرحلته الأولى إلى عام 2013، سمحت مصر للسوريين بالدخول دون تأشيرة، وفي أعقاب سقوط نظام مرسي شددت البلاد إجراءات الدخول على السوريين ومنعت دخولهم دونما تأشيرة، فلجأ السوريين إلى التأشيرات السياحيّة، وفي ذلك الوقت كانت الدولة المصرية قد استثنت السوريين من حملة الإقامات في دول الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا ومنطقة شنغن.
وهو الذي عادت مصر في أعقاب سقوط الأسد لتلغي استثنائيّته، لتجعل من دخول أي سوري إلى مصر يشترط الحصول على تصريح أمني مسبق، وهو الأمر الذي كان له الكثير من التبعات على السوريين، ظهرت مثلًا في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي جاء في أعقاب سقوط الأسد بشهر، كانت الأجنحة السوريّة فيه هشيمًا تذروه الرياح.

يعيش السوريون في مصر الآن في حالة من التهديد بسبب عراقيل إجراءات تجديد الإقامات السياحيّة التي بدأت فيها مصر منذ نهايات عام 2024، حيث ربطت الحكومة المصرية إقامات السوريين بمسارات محددة مثل التسجيل لدى مفوضية اللاجئين أو الدراسة أو الاستثمار، ما أدى إلى خلق حالة من “عدم الانتظام القانوني المفروضة قسرًا” على حد وصف منصة اللاجئين في مصر، والتي سهلت الوقيعة بالعديد من السوريين تُرجمت في شكل حملات تفتيش ميدانيّة وكمائن أمنيّة موسعة في أحياء تجمعات السوريين في محافظات مصر الكبرى.
ففي بداية الأسبوع الثاني من يناير 2026، رصدت حالات توقيف في الغردقة بدعوى عدم حمل إقامة سارية أو لمجرد الاشتباه بما في ذلك أشخاص مسجلون لدى مفوضية اللاجئين أو يحملون مستندات مواعيد تجديد تصاريح الإقامة، ورغم أن العديد من الحالات قد أخلت النيابة سبيلها لغياب الجرم، إلا أن الإفراج لا يُنفذ ويتم احتجازهم على ذمة الأمن الوطني، ويُطلب من بعض العائلات حجز تذاكر سفر تمهيدًا لابعاد ذويها من البلاد.
لن يتغير الوضع للأفضل..
هناك سمات رئيسيّة تُسيطر على عملية ترحيل اللاجئين في مصر، وهي أنها تحدث ببطء ولكن بثبات واستمرار، ولا تحظى بالكثير من التغطية خصوصًا في الإعلام المصري الرسمي وغير الرسمي، ولا من حكومات الدول المُرحل مواطنوها، ولا يمكن أن تُعتبر قضية رأي عام بأي شكل من الأشكال، فبينما يُعاني المصريّين تحت ضغوط الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، لم تعد قضية إنسانية كتلك همًا رئيسيًّا أو حتى هامشيًّا، بل في بعض الأحيان تُغري الظنون البعض من العامة أن مجيء اللاجئين إلى مصر هو سبب الأزمة الإقتصادية، وإن كان ذلك التفسير لا يلقى الكثير من الرواج خارج دوائر اللجان الإلكترونية اليمينيّة.
ذلك إذن الإطار الذي تتحرك فيه قضايا اللاجئون في مصر، ولا تجد لها ملاذًا في النهاية سوى في أوساط الدوائر الحقوقيّة الممثلة في منظمة العفو الدولية ومنصة اللاجئين في مصر، وهو ما يُصعب من مهام عمل تلك الجهات حيث تجد نفسها في مواجهة عزلاء من أي دعم شعبي، وينتهي بها الأمر في أن تكون قضية محصورة في دوائر نخبوية، ومخاطبات وتوصيّات تقدمها تلك الجهات إلى الحكومة المصريّة.
في الحالة المصريّة أيضًا نواجه سمة تتعلق بغياب الديمقراطيّة في الأنظمة السلطويّة، حيث تُعيق عمل المنظمات المنوطة بقضايا اللاجئين وحقوقهم، من خلال مقدسات ومحرمات تتعلق دائمًا بثلاثة مسائل هي الأرشيف والإحصاء والوثائق.
تؤخر الأنظمة السلطوية أي عمل إحصائي، ولا تفعله في بعض الأحيان، كما أنها تُعيق الوصول إلى الأرشيف والوثائق بل وتمنعه في بعض الأحيان، لذلك لا يُمكن للحديث في قضية اللاجئين في مصر، سواء العدد الذي تستضيفه مصر، وهو الرقم الذي تعرضه الحكومة بشكل مطاطي كما شاءت، وكيفما واتتها الظروف لابتزاز أوروبا، فالحكومة المصرية تتحدث عن 9 ملايين لاجئ، بينما تسجل مفوضية اللاجئين ما يقارب مليونًا، وفي المقابل، العدد الذي تقوم الحكومة بترحيله لا يُمكن رصده بدقة أبدًا، إلا من خلال عمليات إحصائية تقريبيّة تقوم بها مفوضيّات حقوق اللاجئين، وهو ما يجعلنا أن نفترض أن كثير من المظالم قد ضاعت ولم تجد لها ذكرًا سواء في وثائق الحكومة الرسمية أو وثائق منظمات المجتمع المدني.
View this post on Instagram
إلى كل ما خلا، يُضاف عامل آخر، تحدث عنه الباحثان نيف غوردون ونيكولا بيروجيني في عملهما الهام “عن حق الإنسان في الهيّمنة” يتمثل في معضلة كون الدولة في العمل الحقوقي هي الخصم والحكم، ففي غياب هيئة دولية قادرة على فرض الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، يظل محامو القضايا العادلة والناشطون عالقين في متناقضة حقوق الإنسان، حيث يضطر الضحية إلى اللجوء إلى محكمة الضاري لطلب الحماية.
ووجد هؤلاء الممارسون أنفسهم يطالبون الدولة المهيمنة بضمان حقوق الإنسان للضحايا، ومن خلال التفاعل اليومي الذي يباشر ممارسو حقوق الإنسان مع هذه المحاكم وغيرها من المكاتب العسكرية وغيرها من المكاتب الحكومية والمؤسسات الأخرى المختلفة، يساعد هؤلاء الممارسون في شرعنة الإطار المؤسسي للدولة المُشتكى إليها منها، وإذا كانت الدولة التي ترعى الانتهاكات خارج نطاق القضاء والقانون مُطالبة بأن تحمي المتضررين من وقوع تلك الانتهاكات، فكيف يكون ذلك؟ لذلك، لا يكون ولا يتحقق.
فإن كانت تلك هي الحال، مع غياب الجهات المنوطة التي لا تفرض أي ضغوط لتفعيل اتفاقيات اللجوء، حيث تخضع للإبتزاز من الحكومة المصرية بالحديث عن الهجرة غير الشرعية التي تقف مصر مانعًا في وجهها، وتستدر أموالًا من الاتحاد الأوروبي ومؤسسات أخرى بناءً على ذلك، فلا يمكن للاجئين أن يحلموا بغدٍ سعيد.