أجرت الإدارة السورية الجديدة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، سلسلة تعيينات في المناصب الحكومية بعضها تربطها دوائر قرابة ومصاهرة وعلاقات اجتماعية متداخلة، وتكررت عبر مستويات مختلفة من الإدارة، بدءًا من أعلى هرم السلطة ممثلًا بالرئيس أحمد الشرع، وصولًا إلى هياكل ومؤسسات متعددة.
جاءت هذه التعيينات في سياق سياسي وإداري جديد تشكّل عقب إنهاء 53 عامًا من حكم عائلة الأسد، بعد معركة “ردع العدوان” التي قادتها فصائل عسكرية كان في مقدمتها “هيئة تحرير الشام”، لتدخل البلاد مرحلة انتقالية بإدارة سياسية مختلفة تشكّلت نواتها من كوادر كانت تدير الحكم في إدلب ضمن حكومة “الإنقاذ” و”هيئة تحرير الشام”.
تولى الرئيس أحمد الشرع إدارة هذه المرحلة، حيث جرى تشكيل حكومة تصريف أعمال لمدة ثلاثة أشهر، قبل الإعلان عن حكومة مؤلفة من 23 وزيرًا، في مرحلة توصف بحساسيتها العالية نظرًا للإرث الإداري والاقتصادي المتراكم، وواقع المؤسسات التي عملت لعقود في بيئة اتسمت بهشاشة الحوكمة وتفشي الفساد.
ويستمر هذا النمط من التعيينات في مواقع حكومية مختلفة، من دون الإعلان عن آليات واضحة أو معايير محددة تحكمها، وجرى الكشف عن بعضها من خلال صور نُشرت لشخصيات خلال زيارات رسمية، أو عبر تدوينات مباركة وتهنئة نشرها أفراد على وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما تسرَّب عبر الإعلام غير الرسمي.
يسلّط هذا التقرير الضوء على عدد من حالات تعيين الأقرباء في المناصب الحكومية، دون اعتبار أن صلة القرابة دليل فساد، ويستعرض الأسباب وتأثير هذه التعيينات على احتمالية تفشي المحسوبية، وقانونيتها، والمخاطر المحتملة في حال تفضيل القرابة على الكفاءة.
من الرئاسة إلى مجلس المدينة
بعد أن شغل منصب القائم بأعمال وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، تولى ماهر الشرع (53 عامًا)، شقيق الرئيس، منصب الأمانة العامة للرئاسة في أبريل/نيسان 2025، من دون إعلان رسمي. وكان ماهر الشرع قد شغل سابقًا منصب مستشار وزير الصحة في حكومة “الإنقاذ” بإدلب، التي وصل إليها عام 2022، وأثار وجوده حينها جدلًا على اعتبار أنه يخالف قرارات “الإنقاذ”، إذ كان يعمل في مناطق سيطرة النظام السوري المخلوع حتى عام 2020.
ويعد ماهر الشرع طبيبًا متخصصًا في الجراحة النسائية وعلاج العقم والإخصاب وجراحة الأورام، وحاصل على الدكتوراه في العلوم الطبية، ودبلوم في إدارة النظم الصحية.
أما الشقيق الآخر للرئيس، حازم الشرع (51 عامًا)، فكان حاضرًا خلال أول زيارات أحمد الشرع الرسمية الخارجية إلى السعودية وتركيا في فبراير/شباط 2025، من دون أي إعلان عن منصب حكومي، وتتابع الكشف لاحقًا عن حضوره ومنصبه على النحو التالي:
- في 24 يوليو/تموز 2025، كشف تحقيق لوكالة “رويترز” أن حازم الشرع هو الشخص الذي يشرف سرًا على إعادة هيكلة الاقتصاد في سوريا، إذ يشرف على صفقات تهدف إلى السيطرة على شركات كبرى، وفك رموز الإرث الاقتصادي من حقبة الأسد، والاستحواذ على حصص في شركات، ومصادرة أموال نقدية تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار أميركي من رجال أعمال وشركات تابعة لتكتل كان يسيطر عليه سابقًا مقربون من نظام الأسد.
- في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025، ظهر حازم الشرع في صورة إلى جانب المدير العام لصندوق التنمية السوري صفوت رسلان، والمدير العام لهيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، داخل طائرة خلال رحلة إلى السعودية.
- في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، عرّفت “رابطة رجال الأعمال القطريين” حازم الشرع بأنه نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية في سوريا، في أول تحديد علني لمنصبه يصدر عن جهة غير سورية.
وكان المجلس قد أُحدث بموجب المرسوم رقم “115” لعام 2025، ويرأسه الرئيس أحمد الشرع، ويضم في عضويته 16 عضوًا، من بينهم ثمانية وزراء، ويهدف، وفق نص المرسوم، إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتنشيطه وتطويره، وإنشاء خارطة اقتصادية، وإقرار الاستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار.
ويحمل حازم الشرع شهادة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية والقانونية من “الجامعة المصرية الأميركية الدولية”، إلى جانب درجة الماجستير في القانون من الجامعة نفسها، وبكالوريوس في الحقوق من جامعة “دمشق”.
وبعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، جرى تعيين ماهر محمد مروان إدلبي محافظًا للعاصمة دمشق، وهو من أبناء المدينة، وزوج شقيقة زوجة الرئيس أحمد الشرع (وفق العرف السوري يُسمى “عديله“)، وشغل مناصب في حكومة “الإنقاذ” بإدلب، منها عضو في مجلس القضاء الأعلى، ونائب وزير الأوقاف، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للزكاة.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، جرى تعيين أيمن أبو قصرة، شقيق وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، مديرًا لمعبر “جرابلس” الحدودي مع تركيا من جهة ريف حلب الشمالي الشرقي، من دون صدور أي إعلان رسمي عن القرار من إدارة المعبر أو الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، ولا تقديم سيرة ذاتية تعريفية به، فيما أشار إعلاميون وناشطون إلى أن خلفيته المهنية السابقة في مختبر للتحليلات الطبية بأحد مستشفيات ريف حلب الغربي تختلف عن طبيعة مهام المنصب الحالي.
وإلى جانب عمله مستشارًا لوزير الاتصالات وتقانة المعلومات لشؤون الروبوتيك والأنظمة الذكية في سوريا، تم تعيين المهندس عبد الله العلبي رئيسًا لمجلس إدارة المصرف الصناعي السوري، في يناير/كانون الثاني 2026، وهو شقيق مندوب سوريا في الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي.
عبد الله العلبي حاصل على ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال من “الجامعة الأميركية في الشارقة”، إلى جانب شهادة في هندسة البرمجيات من الجامعة نفسها، وقد أسس عددًا من الشركات، من بينها شركة “توليب” في الرياض.
أما منصب مدير المؤسسة العربية للإعلان، فيشغله رأفت حسن ويُعرَف في المعاملات الرسمية باسمه من دون استخدام كنية الشيباني، وهو شقيق وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، وفق ما أوردته منصة “شارع”، في ظل محدودية المعلومات المتاحة عنه، إذ يقتصر ظهوره العلني على صورة واحدة تعود إلى 7 يوليو/تموز 2025، نشرتها المؤسسة القطرية للإعلام خلال زيارته لها في الدوحة.
ولم يتمكن “نون بوست” من التحقق من مصادر أخرى بشأن صلة القرابة، مع اقتصار حضور رأفت حسن على اسمه الوارد في تعميمات وقرارات المؤسسة، في حين أشارت جمعية حماية الآثار السورية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى مشاركة رأفت الشيباني، بوصفه شقيق وزير الخارجية، ضمن وفد رسمي للمديرية العامة للآثار والمتاحف إلى مؤتمرين في لوزان ونابولي، رغم عدم كونه من ملاك المديرية أو من المختصين في شؤون الآثار، وذلك في سياق حديث الجمعية عن محسوبيات وسوء إدارة في هذا الملف.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، تنقّل محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، بين عدة مناصب في وزارة الخارجية، بدأت بتعيينه مديرًا للإدارة القنصلية والمغتربين في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أن يُعلن في 28 مايو/أيار 2025 تعيينه مديرًا لإدارة الشؤون الأوروبية ضمن لائحة تعيينات رسمية، ثم تعيينه في 28 يناير/كانون الثاني 2026، قائمًا بأعمال السفارة السورية في برلين.
تكليفات الإدارات والمكاتب في وزارة الخارجية والمغتربين pic.twitter.com/0GTjw4tjH5
— وزارة الخارجية والمغتربين السورية (@syrianmofaex) May 28, 2025
وحصل محمد براء شكري على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة “صباح الدين زعيم” في تركيا عام 2019، ثم نال درجة الماجستير في التخصص نفسه من الجامعة ذاتها عام 2022.
وبموجب المرسوم رقم “20” لعام 2025، القاضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، عُيّن عبد الباسط عبد اللطيف رئيسًا لها، في 17 مايو/أيار 2025، وهو ابن عم وزير العدل السوري مظهر الويس، ويَرِد اسمه في التعريفات والمصادر المتاحة من دون اقترانه بكنية الويس، وقد شغل سابقًا عدة مناصب، من بينها منصب الأمين العام السابق للائتلاف الوطني السوري المعارض، وهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1986.
ويقول صحفي من دير الزور لـ”نون بوست” إن هناك عدة مناصب حكومية تشغلها شخصيات من دير الزور تربطها صلة قرابة، إلا أن هذا الأمر “لا يثير غضبًا أو حساسية كبيرة”، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار خبرة الشخص أو تاريخه الثوري وكفاءته. وفي الوقت نفسه، توجد انتقادات متباينة بين من يطالب بعدم وجود صلات قرابة خشية انتشار “الواسطة والمحسوبية”، وبين من يثق بأبناء المدينة وقدرتهم على العمل، خاصة بعد تجربتهم في ظروف قاسية خلال السنوات الماضية.
ومن الأمثلة، يشير الصحفي إلى أن خليل عبد المنعم الأيوب يشغل منصب مدير منطقة الميادين، ويحمل شهادة إدارية في التطوير المهني من جامعة “إدلب”، فيما يشغل ابن عمه يعقوب الأحمد الأيوب منصب رئيس مجلس المدينة، كما أن رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة هو ابن خالة مدير الشؤون الخارجية في وزارة الخارجية، يوسف الهجر. ولم يتمكن “نون بوست” من التحقق من هذه المعلومة عبر مصدر آخر.
وفي محافظة درعا، يحضر جعفر وصهيب، نجلا المحافظ أنور الزعبي، إلى جانب والدهما في عدد من الاجتماعات واللقاءات الرسمية، بما في ذلك جلسات تُعقد داخل مبنى المحافظة، ولا يشغل أيٌّ منهما منصبًا رسميًا أو صفة معلنة ضمن مديرية الإعلام أو مجلس المحافظة، إلا أن وجودهما يتكرر في معظم نشاطات المحافظ ذات الطابع الرسمي، وفق ما أكده صحفي من مدينة درعا لـ”نون بوست”.
وفي أبريل/نيسان 2025، تداول ناشطون وصفحات تواصل محلية تسجيلًا مصوّرًا يُظهر جعفر الزعبي وهو يمنع أحد المواطنين من تصوير لقاء جمع المحافظ بعدد من الأهالي، رغم وجود أشخاص آخرين كانوا يصوّرون في الموقع نفسه. ويُظهر التسجيل قيام جعفر بحجب الكاميرا بيده، وقوله إن التصوير ممنوع، وتقديم نفسه على أنه “إعلامي المحافظة”، ما خلق حالة من الغضب والاستنكار.
وفي سياق متصل، شغل المحامي عبد المنعم فالح الخليل منصب الشؤون الصحفية والإعلامية في مديرية الإعلام بمحافظة درعا، فيما عمل ابنه ضمن أحد مكاتب المديرية نفسها. ولاحقًا، جرى تعيين عبد المنعم رئيسًا لمديرية الشّؤون القانونية في مجلس المحافظة، بينما واصل ابنه عمله في مديرية الإعلام، دون وجود آلية واضحة للتعيينات أو المعايير المعتمدة للفصل بين القرابة والموقع الوظيفي داخل المؤسستين.
ضعف حوكمة واعتبارات المرحلة الانتقالية
اتخذت الإدارة السورية الجديدة عدة إجراءات مبكرة لمحاولة مكافحة الفساد، بدأتها حين أعلن وزير المالية خلال فترة حكومة تصريف الأعمال أن 900 ألف موظف فقط من أصل مليون و300 ألف موظف حكومي يعملون بشكل فعلي، بينما يوجد 400 ألف موظف يُصنفون على أنهم “موظفون أشباح”، وأبعدت عشرات الآلاف عن وظائفهم لحين دراسة وضعهم.
وفي فبراير/شباط 2025، قال الرئيس أحمد الشرع إنه يحاول تجنيب سوريا حالة المحاصصة في المناصب، وإن الكفاءة ستكون المعيار في التعيينات، قبل أن يصدر في مايو/أيار المرسوم رقم “45“، الذي ينظم آلية شغل الوظائف القيادية ضمن مستوى الإدارة التنفيذية، محددًا معايير الترشيح وآليات تقييم الأداء، بما يهدف إلى ترسيخ مبدأ الجدارة والكفاءة ورفع مستوى الأداء المؤسسي وضمان الاستقرار الوظيفي في الجهات العامة.
كما دعا الرئيس المسؤولين إلى الكشف عن استثماراتهم ومنعهم من الانخراط في مشاريع خاصة أو علاقات تجارية مع رجال الأعمال، مؤكدًا عدم الرغبة في تكرار الممارسات السابقة في عهد الأسد.
وتعلن مؤسسات مثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووزارات الإعلام والخارجية عن شواغر وظيفية عبر روابط تتضمن المسمى الوظيفي والشروط المطلوبة، مع تعبئة المتقدم معلوماته الشخصية وخبراته ومؤهلاته، كما تنشر وزارة التنمية الإدارية بشكل دوري فرص العمل في الجهات العامة، متضمنة شروط التقديم ومعايير المفاضلة بين المتقدمين.
ورصد “نون بوست” حالة مختلفة في معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا من جهة إدلب، إذ اضطر مخلّص جمركي إلى الاختيار بين الاستمرار في عمله أو بقاء ابنه في المعبر، لكونهما يعملان في الموقع نفسه، فاختار الأب الاستمرار، بينما ترك الابن العمل، وفق قواعد الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية التي تمنع وجود شخصين تجمعهما قرابة عائلية في الموقع ذاته.
وتواصل “نون بوست” مع مدير العلاقات في هيئة المنافذ، مازن علوش، للاستفسار عن أبرز المعايير المعتمدة لتعيين الموظفين، وعددهم يتجاوز عشرة آلاف موظف، ومدى اعتماد الهيئة معايير متعلقة بوجود صلة قرابة بين الموظفين، إلا أن الرد لم يصل حتى لحظة نشر التقرير.
كما حاول “نون بوست” الحصول على توضيحات من المكتب الإعلامي لوزارة التنمية الإدارية حول آليات التعيين وأبرز المعايير المعتمدة لملء شواغر الوظائف، ووجود أي ضوابط تتعلق بالقرابة بين الموظفين في نفس المؤسسة أو المديرية، دون أن يصل أي رد رسمي.
ورغم الإجراءات المعلنة لتعزيز الشفافية والكفاءة، لا تزال بعض التعيينات في المناصب الحكومية محط انتقاد، سواء لأسباب تتعلق بالكفاءة أو لتلك التي أثارت جدلًا أكبر بسبب ارتباطها بصلة القرابة، كما أبرزت أحدث التسريبات غير الرسمية للقائمين بالأعمال في السفارات السورية، شملت محمد براء شكري في ألمانيا، ومحمد قناطري في الولايات المتحدة، ومحسن مهباش في السعودية، ومحمد الأحمد في مصر، وإياد هزاع في لبنان، وزكريا لبابيدي في الصين، وأشهد صليبي مديرًا لإدارة “أفرو-آسيا”.
ويعزو الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي والإدارة المحلية، أيمن الدسوقي، اللجوء إلى نمط التعيينات القائمة على دوائر القرابة والروابط الاجتماعية إلى ضعف الحوكمة والإطار القانوني الناظم للتعيينات في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، في ظل غياب تقاليد مؤسساتية راسخة، وعدم وجود إطار قانوني نافذ يعالج هذه الظاهرة.
ويقول الدسوقي، في حديثه لـ”نون بوست”، إن طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها وضروراتها تُعد سببًا آخر لذلك، لا سيما من حيث السعي إلى الحفاظ على أمن واستقرار السلطة وفق قاعدتي الانسجام والولاء، فضلًا عن الإرث السائد في الثقافة السورية في التعامل مع الشأن العام وفق منطق العلاقات الشخصية والروابط الاجتماعية.
ويعتقد الباحث أن العديد من الشخصيات التي أُنيط بها مناصب في المؤسسات العامة تمتلك الكفاءات اللازمة لشغل هذه المناصب، إلا أن نقص الشفافية في عملية التعيينات، سواء من حيث الإجراءات الواجب اتباعها أو المعايير المطلوبة أو الإطار الزمني، يجعل هذه الأخبار مثار نقاش وتساؤل لدى السوريين.
ويشير إلى أن تلافي هذه المشكلة يستلزم ضبط عملية التعيين ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح، مع إقرار إجراءات معلنة وإتاحة حق التظلم عند وجود مخالفات، مضيفًا أن لدى السوريين ذاكرة سلبية تجاه منطق القرابة والمحسوبيات على حساب الكفاءات، أدت إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، باعتبارها انعكاسًا لمصالح شخصية أكثر من كونها خدمة للمصلحة العامة، معتبرًا أنها نقطة في غاية الأهمية ولها أثر سلبي على الاستقرار وعلى إعادة الإعمار.
“لا مخالفة قانونية”.. بانتظار “البرلمان” لمساءلة فعّالة
ذكرت أكثر من ثمانية مصادر صحفية وإدارية حكومية متقاطعة لـ”نون بوست” حصول عملية “تزكية” للحصول على بعض المناصب أو ملء الشاغر الوظيفي، بالاستناد إلى معرفة سابقة بطبيعة مهارات الشخص والقدرة على الإنجاز وخبرته المكتسبة خلال سنوات الثورة.
ويطرح اللجوء إلى “التزكية” أو تعيين الأقارب، خاصة عند الكشف عن الأمر عبر تسريبات غير رسمية، تساؤلات حول الوضع القانوني لهذه التعيينات، لا سيما في مرحلة انتقالية تهدف إلى تأسيس دولة قانون ومؤسسات، مع تأكيدات رسمية متكررة على ضرورة الانتقال من العمل الثوري إلى بناء الدولة وإرساء أسس الحوكمة والعدالة لضمان مستقبل سوريا.
ويقول الباحث والدكتور في القانون العام أحمد قربي إن آليات التعيين في المرحلة الانتقالية تتجاوز الأطر القانونية السابقة، نظرًا لوجود مبدأ استمرارية مؤسسات الدولة بعد إسقاط نظام بشار الأسد، قائلًا إن بعض القوانين أصبحت “ساقطة وملغاة ضمنيًا” وفق الاجتهاد القانوني.
ويشير قربي في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن التعيينات الأخيرة في وزارة الخارجية لا تتوافق مع الأطر القانونية السابقة (في عهد الأسد)، إذ لا يمكن القبول بالأطر نفسها، لكنه يوضح أن التعيينات لا تشكل أي مخالفة قانونية في السياق الحالي، إذ تُعتبر القوانين التي تتناقض مع أهداف الثورة ملغاة ضمنًا، مضيفًا أن الرأي القانوني يرى أن الثورات تسقط النصوص الدستورية، بينما تبقى التشريعات سارية ما لم تتناقض مع الهدف الأساسي للثورة.
ويرى قربي أن “الثقة” تمثل معيارًا أساسيًا في التعيينات خلال المرحلة الحالية، وهو أمر متوقع عند وصول أي شخص إلى الحكم، حيث من الطبيعي أن يجلب الكادر الذي يثق به، لكن بعد مرور سنة على سقوط نظام الأسد يجب أن يقترن معيار الثقة بالكفاءة، وهو أمرٌ يُترك لتقدير الحكومة.
ويضيف أن من حق السوريين نقد التعيينات الأخيرة ومساءلة الحكومة عنها في الفضاء العام، وهو حق كفله “الإعلان الدستوري”، كما من حق السلطة أن تختار من تراه مناسبًا، بما يوازن بين حقوق الرأي العام وحق الحكومة في التعيين.
ويؤكد قربي أن تسريب التعيينات عبر الإعلام ليس بالمسألة الجوهرية طالما أن الشخص مستوفٍ للشروط ويملك الحد الأدنى من الكفاءة، مشيرًا إلى أن مساءلة الحكومة تصبح أكثر فاعلية بعد تشكيل مجلس الشعب، وما يفرزه من إجراءات مساءلة وعقد جلسات استماع وربما تشكيل لجان تحقيق فيما يتعلق ببعض القرارات ومنها التعيينات.