فجّرت الدفعة الجديدة من الوثائق السرّية المرتبطة بملف جيفري إبستين، التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية يوم الجمعة 30 يناير/كانون الثاني 2025، موجة واسعة من الجدل في الشارع الأمريكي والدولي معًا، بعدما كشفت عن مفاجآت صادمة تتعلق بأسماء وازنة يُشتبه في تورطها في واحدة من أخطر شبكات الاستغلال الجنسي في التاريخ الحديث.
الوثائق، التي تجاوز عددها ثلاثة ملايين مستند، إلى جانب نحو ألفي مقطع فيديو و180 ألف صورة، أعادت تسليط الضوء على شبكة معقّدة من العلاقات التي ربطت إبستين بشخصيات نافذة في دوائر السياسة والمال، كاشفةً عن تفاصيل تُحرج مراكز القوة وتضع علامات استفهام كبرى حول حدود المحاسبة في النظام الدولي.
إعادة فتح ملف إبستين — المدان بإدارة شبكة واسعة من الاغتصاب والاستغلال الجنسي، والذي عُثر عليه ميتًا في زنزانته عام 2019 في ظروف لا تزال مثار جدل — لا تبدو معزولة عن سياقها الزمني، فالتسريبات تأتي في لحظة سيولة سياسية استثنائية يشهدها النظام الدولي، ولا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتصاعد التوترات المرتبطة بالحرب على إيران، وتتسارع تطورات المشهد في غزة.
هنا يبرز سؤال جوهري يطل برأسه باحثًا عن إجابة: هل نحن أمام كشفٍ قانونيٍّ بحت، يمثل امتدادًا لما حدث سابقًا، أم أن توقيت نشر هذه الوثائق يحمل رسائل سياسية واضحة، أو يُستخدم كأداة لإعادة ترتيب الأولويات وصرف الأنظار في لحظة إقليمية بالغة الحساسية؟
ترامب وميلانيا ونصيب الأسد
برز اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل لافت ضمن الوثائق المفرج عنها، حيث تضمّن الملف إفادات لضحايا زعمن تعرّضهن لاعتداءات جنسية ارتبطت باسمه قبل عقود، إحدى هذه الإفادات تعود لفتاة قالت إن عمرها كان بين 13 و14 عامًا عندما أُجبرت — وفق روايتها — على ممارسة أفعال جنسية مع ترامب قبل نحو 25 إلى 35 عامًا، مؤكدة أن الواقعة جاءت في سياق اعتداءات أوسع شارك فيها جيفري إبستين نفسه داخل إحدى غرف الفنادق.
وفي شهادة أخرى واردة في الملف، أفادت فتاة ثانية بأنها أُجبرت على ممارسة الجنس مع ترامب في ولاية نيوجيرسي، مشيرة إلى أنه اعتدى عليها جسديًا عقب ذلك، قبل أن تتعرّض لاحقًا لاعتداء منفصل من إبستين.
كما كشفت الوثائق عن استضافة ترامب حفلات في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، عُرفت باسم Calendar Girls، حيث تشير الإفادات إلى أن إبستين كان يجلب فتيات قاصرات إلى تلك الفعاليات، ليتم “التنافس عليهن” جنسيًا بين الضيوف في صورة أقرب إلى المزادات.
– كشف تقرير صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي ومرفوع السرية، ضمن ملايين الملفات القضائية المرتبطة بقضية إبستين، عن مزاعم تفيد بتعرّض الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للاختراق من جهات أجنبية، وذلك استنادًا إلى مصدر بشري سري.
– أشار التقرير إلى تصنيف جيفري إبستين كأصل استخباراتي… pic.twitter.com/Bv69F26Y3W
— نون بوست (@NoonPost) January 31, 2026
كما لم يغب اسم ميلانيا ترامب، زوجة الرئيس الأمريكي، عن الوثائق المفرج عنها، إذ كشفت عن مراسلات إلكترونية تعود إلى عام 2002 بينها وبين غيسلين ماكسويل، الشريكة المقربة لإبستين والمتهمة بلعب دور محوري ( قوادة) في إدارة شبكة استقطاب الفتيات.
وأظهرت تلك المراسلات قدرًا واضحًا من الود المتبادل، تضمن إشادة ميلانيا بمقال نشرته مجلة “نيويورك ماغازين” عن إبستين، إلى جانب طلبها من ماكسويل التواصل معها عند عودتها إلى نيويورك، كما أشارت الوثائق إلى ظهور ميلانيا في ثلاث صور تجمعها بغيسلين ماكسويل، وفي صورة واحدة على الأقل مع إبستين نفسه إلى جوار ترامب، وهو ما اعتبرته الوثائق دلالة على أن علاقة إبستين بعائلة ترامب لم تكن عابرة، بل تعود إلى فترة زمنية سابقة وتتميز بقرب واضح.
تورط النخبة
جاءت الوثائق لتكشف عن تورط عدد من الأسماء المصنّفة ضمن النخبة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، بعضهم من الدوائر القريبة من ترامب، في مقدمتهم وزير التجارة الأمريكي، هوارد لوتنيك، الذي تُظهر الوثائق قبوله دعوة من إبستين لزيارة جزيرته في ديسمبر/كانون الأول 2012، إلى جانب زوجته التي أبدت حماسة واضحة للزيارة، مشيرة إلى وصولهما برفقة أطفالهما على متن يخت.
كما توضح السجلات أن لوتنيك وزوجته التقيا إبستين في مناسبة سابقة عام 2011، واستمرت المراسلات بينهم لاحقًا، بما في ذلك تبادل رسائل إلكترونية بعد ست سنوات تتعلق بمشروع بناء مقابل منزليهما.
ولم يغب اسم إيلون ماسك، مؤسس شركة تسلا، عن تلك الوثائق، إذ كشفت عن مراسلات جرت بينه وبين إبستين خلال الفترة من 2012 إلى 2013، تناولت إمكانية زيارة مجمّعه الشهير في الجزيرة، التي كانت مسرحًا لعدد كبير من ادعاءات الاعتداء الجنسي.
وتشير إحدى الرسائل إلى استفسار إبستين عن عدد الأشخاص الذين يرغب ماسك في نقلهم عبر طائرة مروحية، ليرد الأخير بأنه سيكون على الأرجح برفقة شريكته آنذاك فقط، متسائلًا: «أي يوم أو ليلة ستكون أكبر حفلة على جزيرتنا؟»، وفق ما ورد في سجلات وزارة العدل الأمريكية.
كما ورد اسم بيل غيتس، مؤسس مايكروسوفت، في ملاحظات كتبها إبستين لنفسه، تضمنت ادعاءات حساسة تزعم إصابة غيتس بأمراض منقولة جنسيًا عقب علاقات مع “فتيات روسيات”، وطلبه من إبستين توفير مضادات حيوية لتسليمها لزوجته سرًا.
أما على الصعيد الدولي، فقد أعادت الوثائق إلى الواجهة اسم الأمير آندرو، أحد أفراد العائلة المالكة البريطانية، حيث تضمنت مواد وصورًا وُصفت بغير اللائقة، وأعادت إحياء الاتهامات التي سبق أن وجهتها له الضحية فيرجينيا جوفري، والتي أكدت أن إبستين أجبرها على ممارسة الجنس مع الأمير عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها، ورغم نفي الأمير المتكرر لهذه الاتهامات، إلا أنها كانت سببًا مباشرًا في تجريده لاحقًا من مناصبه وألقابه الملكية.
وفي تطور لافت، كشفت الوثائق أيضًا عن اسم كيفن وارش، الذي رشحه ترامب قبل ساعات لمنصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في ظل تصاعد الخلاف بين ترامب والرئيس الحالي للبنك جيروم باول، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول تداخل ملفات النفوذ السياسي والاقتصادي مع واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث.
ارتباط بالموساد
كشفت الوثائق، في عدد من أوراقها، عن علاقة وُصفت بالوثيقة بين جيفري إبستين وجهاز الموساد الإسرائيلي، مشيرةً إلى أنه لعب دورًا وظيفيًا ضمن شبكات نفوذ تخدم أجندات سياسية واستخباراتية ذات طابع صهيوني، واستندت هذه الخلاصات إلى وثيقتين محوريتين، سلّطتا الضوء على طبيعة تلك العلاقة من خلال مراسلات مباشرة وسياقات جيوسياسية أوسع.
الوثيقة الأولى تناولت مراسلات بين إبستين ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، حيث ورد ذكر “الموساد” صراحة في مناسبتين، ووفقًا للوثائق، بعث إبستين رسالة إلكترونية إلى باراك بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2018، طلب فيها منه أن يوضح بشكل صريح أنه لا يعمل لصالح الموساد.
وفي رسالة أخرى تعود إلى 9 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تساءل إبستين عمّا إذا كان باراك قد طُلب منه المساعدة في العثور على عناصر سابقة في الموساد لتنفيذ ما وصفه بـ“تحقيقات قذرة”، مشيرًا إلى أن هذا الموضوع يتردد بكثرة في التغطيات الصحفية.
– كشفت وثائق نشرتها وزارة العدل الأمريكية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك وزوجته أقاما مرارًا في شقة بنيويورك تعود ملكيتها للممول المدان بجرائم الاتجار الجنسي جيفري إبستين.
– أظهرت المراسلات أن الإقامة تمت بعد سنوات من إدانة إبستين رسميًا في قضية اعتداءات جنسية على… pic.twitter.com/6J69Z8OCyk
— نون بوست (@NoonPost) January 31, 2026
أما الوثيقة الثانية، فارتبطت بملف أرض الصومال (صوماليلاند)، حيث أظهرت رسائل البريد الإلكتروني أن إبستين وشبكته ناقشوا هذا الإقليم مرارًا بين عامي 2012 و2018، باعتباره فرصة استراتيجية وتجارية واعدة. وتضمنت المراسلات حديثًا عن استخراج المياه، وامتيازات التنقيب عن النفط، والتأثير الإعلامي، وإمكانيات الوصول إلى الخليج.
وفي عام 2012، طرح إبستين فكرة إنشاء شركة مياه مستندًا إلى ما وصفه بـ“احتياطيات هائلة من المياه النظيفة غير المستغلة” قرب مدينة بربرة الساحلية، بينما أشار في 2013 إلى امتيازات نفطية طالب لتمويلها بنحو 50 مليون دولار، وفي 2018، لعب دور الوسيط بين مطور عقاري مقيم في دبي يعمل على مشاريع جزر اصطناعية كبرى ونشاطات تجارية في أرض الصومال.
وتُظهر هذه الوثائق مجتمعة أن الإقليم كان محل اهتمام داخل دوائر النخب بوصفه أصلًا استراتيجيًا للموارد والخدمات اللوجستية والنفوذ الإقليمي، بما يتقاطع بوضوح مع التحولات الجارية اليوم في منطقة القرن الأفريقي بما يخدم على الأجندة الإسرائيلية والصهيونية هناك>
دلالة التوقيت.. محاولة لفهم السياق
جاء الإفراج عن هذه الوثائق في توقيت بالغ الحساسية، متزامنًا مع تحولات لافتة في المشهد الدولي، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الأمريكية مع الأجندة الصهيونية على نحو وثيق، ومن ثمّ، يصعب قراءة توقيت الكشف عن هذه المواد بمعزل عن تلك التطورات الإقليمية المتسارعة، أو اعتباره مجرد إجراء قانوني منفصل عن السياق السياسي الأوسع.
فبعد ساعات قليلة من نشر الدفعة الجديدة من الوثائق، صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية في قطاع غزة، في تصعيد أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى، وذلك في توقيت كان يُفترض أن يشهد تهيئة الأجواء للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق السلام الذي تم برعاية ومباركة دونالد ترامب.
ارتقى 30 شهيدًا حسب إحصائيات طبية في قطاع غزة بينهم نساء وأطفال في غارات مكثفة شنها الاحتلال استهدفت مناطق متفرقة في القطاع منذ ساعات الفجر الأولى ضمن خروقات الاحتلال اليومي لاتفاق وقف إطلاق النار،
بعد أن استهدف مخيمًا ومركزًا للشرطة إضافة لمنازل وأحياء سكنية.. الصور من الدمار… pic.twitter.com/1SpxwF8CY9
— نون بوست (@NoonPost) January 31, 2026
ورغم أن هذا التصعيد شكّل خرقًا واضحًا لروح الاتفاق ووضع ترامب في موقف سياسي دولي حرج، فإن الأخير التزم الصمت ولم يصدر عنه أي تعليق إزاء التحركات الإسرائيلية.
وفي السياق ذاته، يتزامن الكشف عن الوثائق مع تطورات متسارعة في الملف الإيراني، حيث تشير تقديرات إلى أن ترامب بدأ يميل نسبيًا إلى التراجع عن خيار المواجهة العسكرية المباشرة، مفضّلًا منح طهران فرصة للمسار الدبلوماسي شريطة الالتزام بالشروط التي وضعها، و في المقابل، تمارس تل أبيب ضغوطًا مكثفة لدفع واشنطن نحو تنفيذ ضربة عسكرية ضد إيران، بغضّ النظر عن الكلفة أو التداعيات الأمنية والسياسية اللاحقة.
ورقة ضغط وابتزاز
بات من الواضح أن تردّد ترامب في توجيه ضربة عسكرية لإيران، بصرف النظر عن مقارباته وحساباته الخاصة، إلى جانب سعيه للانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غزة دون الاستجابة الكاملة للشروط والمطالب الإسرائيلية، قد أثار امتعاضًا متزايدًا في تل أبيب.
وفي هذا السياق، تبرز فرضية مفادها أن إسرائيل ربما فعّلت أدواتها داخل اللوبي الصهيوني في الداخل الأمريكي، للضغط على وزارة العدل من أجل الإفراج عن دفعة جديدة من وثائق إبستين، وهي الدفعة التي يتصدر فيها اسم ترامب المشهد بشكل لافت.
ومن ثمّ، يصعب النظر إلى ما يجري باعتباره محض مصادفة أو تزامنًا عابرًا، فالمؤشرات توحي بأن الأحداث تسير وفق سيناريو مرسوم، تؤدي فيه الوثائق دورها الوظيفي كأداة ضغط وابتزاز سياسي، تُستخدم لتوجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى أطراف بعينها، بهدف انتزاع تنازلات أو فرض مسارات محددة، وفي اللحظة الراهنة، يبدو أن ترامب بات في قلب هذا الاستهداف.
وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يكشف عن محاولات إسرائيلية لإقناع واشنطن بشن هجوم عسكري على إيران. pic.twitter.com/A0utk7cly5
— نون بوست (@NoonPost) January 30, 2026
قد يذهب البعض إلى القول إن الوثائق لم تقتصر على اسم ترامب وحده، إذ تضمّنت طيفًا واسعًا من الشخصيات المتنوعة، الأمريكية والأوروبية وربما العربية أيضًا، وهو ما يمنح عملية الكشف عنها غطاءً يوحي بالتوازن والعمومية.
غير أن هذا التنويع في الأسماء يمكن قراءته بوصفه ضرورة سياسية، هدفها تجنّب إظهار ترامب باعتباره المستهدف الوحيد، وإضفاء قدر من “الحياد الظاهري” على عملية الإفراج عن الوثائق.
في المحصلة، يجد ترامب نفسه اليوم عالقًا بين مطرقة الملف الإيراني وبقية مراحل اتفاق غزة من جهة، وسندان وثائق إبستين وما قد يتبعها من ملفات ضغط لم تُكشف بعد من جهة أخرى، هامش المناورة أمامه يتقلّص بسرعة، والخيارات المتاحة تزداد كلفة وتعقيدًا، فيما لا يترك له الواقع السياسي سوى مسار واحد هو الرضوخ لإملاءات اللوبي الصهيوني، وإلا فإنه سيبقى عرضة لاحتمالات الملاحقة القضائية وحملات التشويه المنهجي.
وفي هذا السياق، يبرز دور اللوبي الذي مهّد طريق ترامب إلى السلطة، والذي يدرك جيدًا متى وكيف يُفعَّل الضغط، وبأي أدوات تُدار عملية الإخضاع حين تنحرف الحسابات عن المسار المرسوم سلفًا.
وبناءً عليه، يبدو أن ترامب، وأمام الضغوط المكثفة التي يواجهها، لا يملك سوى محاولة القفز فوق هذه الفضائح وأوراق الابتزاز المتراكمة، عبر توجيه الأنظار، وإعادة ضبط بوصلة الصراع نحو طهران أو إلى ساحة توتر أخرى، في مسعى لكسب الوقت وتخفيف وطأة الاستهداف المتصاعد.
