مع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الأسابيع الأخيرة، عاد مضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام بوصفه أحد أخطر نقاط الاختناق العالمية.
فهذا الممر المائي الضيق بين إيران وسلطنة عمان يُعدّ شريانًا حيويًا للطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب فيه قد يتسبب في هزات عنيفة لأسواق النفط والغاز ويشعل مواجهة عسكرية واسعة.
ومع تهديدات متبادلة ووجود عسكري كثيف في المنطقة، بات السؤال المطروح: ماذا لو أغلقت إيران مضيق هرمز؟. التقرير التالي يتناول أهمية المضيق وما يمر عبره، ومن يسيطر عليه، والقدرات العسكرية المرتبطة به، وسيناريوهات الإغلاق في ضوء التصعيد الحالي.
أهمية إستراتيجية واقتصادية بالغة
تنتج دول الخليج مجتمعةً نحو ثُلث إنتاج النفط العالمي، وتُعد خمس دول منها من بين كبار أعضاء منظمة أوبك. الجزء الأعظم من هذا النفط يتم تصديره بحرًا عبر مضيق هرمز، خاصة من السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران.
وبالأرقام، يتدفق عبر المضيق أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميًا في المتوسط – ما يعادل حوالي 20٪ من الاستهلاك النفطي العالمي – وهذا بدوره يمثل قرابة ثلث تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
هذا الحجم الهائل يجعل من أي تهديد للمضيق عاملًا مفصليًا يؤثر فورًا على الأسعار والإمدادات العالمية.
وبالفعل، ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 7 ٪ خلال يوم واحد في يونيو/حزيران 2025 (أثناء مواجهة الـ 12 يوما بين تل أبيب وطهران) لمجرد مخاوف من اندلاع مواجهة قرب هرمز، مما يؤكد حساسية الأسواق لأي اضطراب محتمل في هذا الممر.

ولا يقتصر الأمر على النفط. فالمضيق ممر رئيسي أيضًا لموارد الطاقة الأخرى ومواد خام صناعية. على سبيل المثال، يُنقل عبره حوالي 20 ٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية (معظمها من قطر).
كذلك يعتمد نحو 26 ٪ من صادرات المكثفات الغازية عالميًا على هذا الطريق، إضافةً إلى أكثر من 15٪ من تجارة المنتجات والمواد الكيميائية في العالم التي تمر من الخليج إلى الأسواق الدولية.
ولا يغيب القطاع الزراعي عن المشهد، إذ تمر عبر هرمز نسبة كبيرة من الإمدادات الغذائية والأسمدة: ما يقارب 16.5 ٪ من صادرات الأسمدة الكيميائية في العالم وحوالي 14.5 ٪ من الواردات الغذائية البحرية لمنطقة الخليج تُشحن عبر هذا الممر.
هذه الأرقام مجتمعةً ترسم صورة واضحة لحجم الاعتماد العالمي والإقليمي على المضيق، وكيف يمكن لأي اضطراب فيه أن يشلّ سلاسل إمداد حيوية تمتد من أسواق الطاقة إلى الغذاء.
جغرافيا المضيق والسيطرة عليه
يقع مضيق هرمز عند بوابة الخليج العربي، رابطًا بين مياه الخليج من الشمال وبحر عمان والمحيط الهندي إلى الجنوب.
يبلغ عرض المضيق نحو 33 كيلومترًا فقط عند أضيَق نقطة، وتتكدس حركة السفن عبره في ممرَّين بحريَّين بعرض 3 كيلومترات فقط لكل اتجاه.
هذه الممرات الملاحية الضيقة تمر داخل المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عمان، لكن القانون الدولي (اتفاقية البحار) يكفل حق العبور البحري فيها باعتبارها مضيقًا دوليًا يستخدم للملاحة العالمية.
ورغم أن السيادة القانونية موزعة بين طهران ومسقط، فإن حرية الملاحة في هرمز يُفترض أنها مضمونة لجميع الدول بموجب الأعراف الدولية.

مع ذلك، الموقع الجغرافي يمنح إيران أفضلية من ناحية القدرة على مراقبة الحركة والسيطرة النارية المحتملة.
فالساحل الإيراني الشمالي للمضيق مليء بالخلجان والجُزُر الصغيرة التي يمكن استغلالها عسكريًا، وتقع موانئ إيرانية وقواعد للحرس الثوري على مقربة مباشرة من خطوط عبور الناقلات.
في المقابل، تتمتع سلطنة عمان بعلاقات ودية مع كافة الأطراف وتحرص على بقاء المضيق مفتوحًا. كما تنتشر في مياه الخليج وبحر عمان قوات بحرية دولية بقيادة الولايات المتحدة مكلفة بحماية حركة السفن، وعلى رأسها الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في البحرين.
هذا الوجود يشكل عامل ردع لأي محاولة للاستيلاء أحاديًا على المضيق. وفي أوقات التوتر، لوحظت تعليمات للسفن الدولية بملازمة الجانب العماني قدر الإمكان أثناء عبور هرمز لتجنب الاحتكاك بالقوات الإيرانية، كما حدث إبّان التصعيد الإقليمي منتصف 2025.
بعبارة أخرى، المضيق يقع جغرافيًا تحت عين إيران، لكنه ممر دولي محروس عالميًا لضمان استمرار حركة التجارة.
أوراق قوة إيران العسكرية في المضيق
على مدى العقود الماضية، استثمرت إيران بشكل كبير في تطوير قدراتها العسكرية لفرض تهديد فعلي على مضيق هرمز إذا دعت الحاجة.
السلاح الأخطر والأبسط الذي تمتلكه طهران هو الألغام البحرية: قدّرت وكالة الاستخبارات الدفاعية الأمريكية أن إيران تملك أكثر من 5,000 لغم بحري من أنواع مختلفة.
وتستطيع طهران نشر هذه الألغام سريعًا عبر زوارق سريعة صغيرة تعج بها أساطيل الحرس الثوري، ما يتيح إغلاق الممر الملاحي في ساعات معدودة في حال بدء زرعها بشكل كثيف.
إلى جانب الألغام، نشر الحرس الثوري بطاريات صواريخ ساحلية مضادة للسفن (مثل صواريخ كروز نور المطوّرة محليًا) تغطي مساحة واسعة من الخليج، فضلاً عن امتلاك إيران صواريخ باليستية مضادة للسفن أكثر تطورًا يمكن أن تهدد القطع البحرية الكبيرة.

كما تمتلك إيران أسطولًا من الزوارق الهجومية السريعة المزوّدة بالصواريخ والطوربيدات، وغواصات صغيرة قادرة على زرع ألغام أو مهاجمة السفن. هذه الترسانة مصممة خصيصًا لحرب غير متناظرة تباغت القطع البحرية الضخمة في المساحات الضيقة.
ضمن تكتيكات إيران المعروفة إجراء مناورات دورية في هرمز للتدرب على إغلاقه، إذ تجري طهران تدريبات بحرية بالذخيرة الحية في المنطقة بشكل متكرر، كان آخرها إعلانها عن مناورة كبرى في المضيق أوائل فبراير/شباط 2026 وسط أجواء التوتر.
وأوعزت الإخطارات الملاحية أن التمرين سيتضمن “إطلاق نار” في نطاقات تمتد إلى داخل ممر الملاحة الدولي شمالي المضيق.
وسبق للحرس الثوري أن اختبر تكتيكات الإغلاق عبر محاكاة استهداف ناقلات نفط كبيرة ونشر مجسمات لحاملات طائرات كأهداف تدريبية.
كذلك شهدت السنوات الأخيرة حوادث احتجاز واحتكاك عديدة: فقد اعترضت إيران واحتجزت عدة ناقلات نفط أجنبية قرب هرمز في 2019 و2023 و2024، كرد فعل على مصادرات أو عقوبات غربية.
هذه الحوادث – رغم محدوديتها – أظهرت قدرة طهران على تعطيل الملاحة مؤقتًا وإرباك حركة السفن لأسباب سياسية أو أمنية. وعلى الرغم من أن المضيق نفسه لم يُغلق تمامًا في أي وقت مضى، فإن إيران برهنت عمليًا أن لديها أدوات كافية لتهديد سلامة المرور فيه عند اللزوم.
تاريخ من التهديدات والصدامات
لوّحت إيران مرارًا باستخدام ورقة مضيق هرمز في لعبة التوترات الدولية. فعند تصاعد الضغوط الغربية عليها في مناسبات مختلفة، كان المسؤولون الإيرانيون يذكّرون بأن هذا الشريان بيدهم.
- في يناير 2012 – خلال ذروة أزمة البرنامج النووي والعقوبات – هددت إيران صراحةً بأنها ستغلق المضيق إذا مُنعت من تصدير نفطها.
- حينها أجرت القوات الإيرانية مناورات بحرية استعراضية وشددت لهجتها بأن أي حظر لصادراتها سيقابله منع لصادرات الآخرين عبر الخليج.
- في يوليو/تموز 2018، كرر الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني نفس المعنى بشكل ضمني، مشيرًا أن منع إيران من النفط يعني أن “لا أحد سيتمكن من تصدير النفط من المنطقة”.
- تبعه قائد الحرس الثوري وقتها محمد علي جعفري بتصريح حازم: “إما أن يتمكن الجميع من استخدام مضيق هرمز أو لا أحد”. هذه الرسالة التهديدية قوبلت فورًا بتحذير أمريكي على لسان القيادة المركزية بأنها لن تسمح بذلك وستؤمّن حرية الملاحة بالقوة.
ورغم كثرة التهديدات اللفظية، لم تُقدم إيران حتى الآن على تنفيذ وعيدها بإغلاق المضيق فعليًا، حتى خلال أحلك الفترات مثل حرب الخليج الأولى (1980-1988) عندما سعى الطرفان الإيراني والعراقي لضرب ناقلات النفط في ما عُرف بـ“حرب الناقلات”.
آنذاك تدخلت الولايات المتحدة وقوى بحرية دولية لمرافقة الناقلات وحماية السفن، واصطدمت مباشرةً مع إيران في حادثة “فرس النبي” 1988 بعد تعرض فرقاطة أمريكية لألغام إيرانية، لكن بقي المضيق نفسه مفتوحًا.
وهذا يؤكد حقيقة مهمة: إغلاق هرمز تصرّف أشبه بخط أحمر لما قد يجرّه من مواجهة كبرى، لذا تجنّبت إيران تنفيذه تاريخيًا واستخدمت التهديد به كورقة ردع سياسية أكثر منها خطوة عملية.
تداعيات إغلاق المضيق: صدمة عالمية
إذا حدث السيناريو الأسوأ وجرى إغلاق مضيق هرمز سواء جزئيًا أو كليًا، فإن النتائج الاقتصادية والسياسية ستكون كارثية على المستوى العالمي.
- وقف مرور أكثر من 20 مليون برميل يوميًا من النفط سيعني فجوة ضخمة في الإمدادات، مما سيدفع أسعار النفط لارتفاع جنوني ويرفع تكاليف الشحن.
- توقف شحنات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال (خُمس المعروض العالمي) سيخفض هذه الإمدادات بحوالي 20% في الأسواق الدولية دفعة واحدة، ما سيقود إلى قفزة في الأسعار العالمية وإرباك شديد للدول المستوردة، خاصة في آسيا.
- تعطل صادرات البتروكيماويات الخليجية (أكثر من 15% من تجارتها العالمية تمر عبر المضيق)، وتضرر واردات السلع إلى دول الخليج (بما فيها المواد الغذائية الأساسية التي تأتي بحرًا)، سيخلق اضطرابًا اقتصاديًا في تلك الدول أيضًا.
باختصار، إغلاق هرمز سيكون صدمةً غير مسبوقة للاقتصاد العالمي المعولم، ولن تقتصر تداعياته على منتجي النفط والغاز بل ستنتشر كالنار في الهشيم إلى قطاعات وصناعات حول العالم.
سياسيًا وعسكريًا، فإن محاولة إيران إغلاق المضيق تعني مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى وخاصة واشنطن التي أعلنت مرارًا وبوضوح أنها لن تسمح بإيقاف حركة الملاحة في الخليج، ونشرت لهذه الغاية قطعًا بحرية متخصصة كسفن كاسحات الألغام في قواعد قريبة.
إذ أن أي خطوة إيرانية من قبيل زرع ألغام أو استهداف ناقلات ستُعتبر خطًا أحمر يستدعي ردًا من البحرية الأمريكية وحلفائها لحماية حرية الشحن. وهذا السيناريو ينذر بسرعة بانفجار مواجهة عسكرية شاملة في الخليج قد لا تبقى محدودة.
فوجود قوات أمريكية ضخمة – بما فيها حاملات طائرات ومدمرات – في المنطقة يعني أن أي اشتباك قد يتصاعد إلى ضربات متبادلة للأهداف العسكرية وربما البنية التحتية النفطية في دول الخليج وإيران معًا.
ولعل أخطر ما في هذا السيناريو أن حربًا في هرمز قد تتوسع إلى حرب إقليمية أوسع نطاقًا، نظرًا لتشابك التحالفات والمصالح في الشرق الأوسط.
من هنا تدرك جميع الأطراف أن اللعب بورقة هرمز أشبه باللعب بالنار، ما يجعله الخيار العسكري الأخير لدى إيران وليس الأول، بحيث لا يُطرح إلا كردّ انتقامي في حال تعرضها لهجوم وجودي.