ترجمة وتحرير: نون بوست
قبل أربعة أيام من تنصيب دونالد ترامب العام الماضي، وقّع مساعدون لأحد أفراد العائلة الحاكمة في أبوظبي سرًا اتفاقًا مع عائلة ترامب لشراء حصة تبلغ 49 بالمئة في مشروعهم الناشئ للعملات المشفّرة مقابل نصف مليار دولار، وذلك وفقًا لوثائق الشركة وأشخاص مطلعين على الأمر. وكان المشترون سيدفعون نصف المبلغ مقدمًا، وتحويل 187 مليون دولار إلى كيانات تابعة لعائلة ترامب.
ووقع الاتفاق مع شركة “وورلد ليبرتي فاينانشال”، الذي لم يُكشف عنه سابقًا، إريك ترامب، نجل الرئيس، كما أشارت الوثائق إلى أن ما لا يقل عن 31 مليون دولار كان من المقرر أن يتدفق إلى كيانات مرتبطة بعائلة ستيف ويتكوف، الشريك المؤسس للشركة، والذي كان قد عُيّن قبل أسابيع مبعوثًا أمريكيًا إلى الشرق الأوسط.
وقد دعم الاستثمار الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، أحد أفراد العائلة الحاكمة في أبوظبي، الذي يسعى منذ فترة للحصول على وصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي المحمية بشدة في الولايات المتحدة، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر. ويُشار إلى طحنون أحيانًا بلقب “الشيخ الجاسوس”، وهو شقيق رئيس الإمارات ومستشار الأمن الوطني للحكومة، فضلًا عن كونه رئيس أكبر صندوق ثروة في الدولة الغنية بالنفط. ويشرف طحنون على إمبراطورية تتجاوز قيمتها 1.3 تريليون دولار، ممولة من ثروته الشخصية وأموال الدولة، وتمتد من مزارع الأسماك إلى الذكاء الاصطناعي والمراقبة، ما يجعله أحد أقوى المستثمرين المنفردين في العالم.
وقد شكّل هذا الاتفاق سابقة في السياسة الأمريكية: مسؤول حكومي أجنبي يستحوذ على حصة كبيرة في شركة رئيس أمريكي قادم.
في عهد إدارة بايدن؛ واجهت جهود طحنون للحصول على أجهزة الذكاء الاصطناعي عراقيل كبيرة بسبب مخاوف من إمكانية تحويل هذه التكنولوجيا الحساسة إلى الصين. وكان مصدر القلق بشكل خاص إحدى شركات طحنون، وهي شركة الذكاء الاصطناعي جي 42، التي أثارت مخاوف لدى مسؤولي الاستخبارات والمشرّعين بسبب علاقاتها الوثيقة مع العملاق التكنولوجي الصيني هواوي وشركات صينية أخرى الخاضعة للعقوبات. وقد أعلنت الشركة أنها قطعت علاقاتها مع الصين في أواخر عام 2023، لكن المخاوف استمرت.
وأعاد انتخاب ترامب فتح الباب أمامه؛ ففي الأشهر التي تلت ذلك، التقى الشيخ طحنون عدة مرات بترامب وويتكوف ومسؤولين أمريكيين آخرين، بما في ذلك خلال زيارة إلى البيت الأبيض في مارس/ آذار، حيث أبلغ المسؤولين أنه يتطلع للعمل مع الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي وقضايا أخرى، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.
وبعد شهرين من اجتماع مارس/ آذار؛ التزمت الإدارة الأمريكية بمنح المملكة الخليجية الصغيرة حق الوصول إلى نحو 500 ألف من أحدث رقائق الذكاء الاصطناعي سنويًا، وهو عدد يكفي لبناء واحدة من أكبر مجموعات مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي في العالم. وقد نص الاتفاق الإطاري على تخصيص نحو خمس هذه الرقائق لشركة جي 42، بحسب ما ذكرته صحيفة وول ستريت جورنال سابقًا.
وقد اعتُبر الاتفاق على نطاق واسع بمثابة انتصار للعائلة الحاكمة في الإمارة، إذ تجاوز مخاوف الأمن القومي الأمريكي المستمرة، وسمح للبلاد بمنافسة أقوى الاقتصادات العالمية في طليعة تطورات الذكاء الاصطناعي. وقد أشاد مؤيدو الصفقة بها لفتحها الباب أمام تدفق الاستثمارات إلى الولايات المتحدة ولإسهامها في ترسيخ التكنولوجيا الأمريكية كمعيار عالمي.
لكن ما لم يكن معروفًا للعامة: أن مبعوثي طحنون كانوا قد وقّعوا في يناير/ كانون الثاني اتفاقًا لشراء 49 بالمئة من شركة وورلد ليبرتي.


من الدفعة الأولى البالغة 250 مليون دولار من الشركة المدعومة من طحنون والمسماة “أريام للاستثمار 1″، تم توجيه 187 مليون دولار إلى كيانات عائلة ترامب “دي تي ماركس دي إف آي” و “دي تي ماركس إس سي”، وفقًا للوثائق. وإلى جانب المبالغ المخصصة لكيانات عائلة ويتكوف، تم توجيه 31 مليون دولار إضافية إلى كيان مرتبط بالمؤسسين المشاركين زاك فولكمان وتشيس هيرو. ولم تتمكن صحيفة وول ستريت جورنال من تحديد كيفية توزيع النصف الثاني من استثمار “أريام”، الذي كان من المقرر دفعه بحلول 15 يوليو/ تموز 2025.
كان من شأن الاتفاق أن يجعل “أريام” أكبر مساهم في شركة “وورلد ليبرتي”، والمستثمر الوحيد المعروف خارج دائرة المؤسسين. وقد وضع الاتفاق اثنين من التنفيذيين في “أريام”، واللذين يشغلان أيضًا مناصب عليا في شركة طحنون “جي 42″، في مجلس إدارة “وورلد ليبرتي” المكوّن من خمسة أعضاء، والذي كان يضم حينها إريك ترامب وزاك ويتكوف، نجل ستيف ويتكوف، بحسب الوثائق.
وقد سعت شركة ترامب العقارية إلى إبرام صفقات مع شركات أجنبية منذ انتخابه، كما قبل الرئيس هدايا من حكومات أجنبية، بما في ذلك طائرة فاخرة بقيمة 400 مليون دولار من قطر. لكن صفقة “وورلد ليبرتي” تُعد الحالة الوحيدة المعروفة التي اشترى فيها مسؤول حكومي أجنبي حصة كبيرة في شركة تابعة لترامب بعد انتخابه.
وأظهرت إفصاحات على موقع “وورلد ليبرتي” أن حصة عائلة ترامب في الأسهم انخفضت إلى 38 بالمئة بعد أن كانت 75 بالمئة العام الماضي، ما يشير إلى أن طرفًا ما قد اشترى حصة، لكن الشركة لم تكشف عن هوية المشتري.
وقبل أسابيع من الإعلان عن صفقة الشرائح بين الولايات المتحدة والإمارات في مايو/ أيار، أعلن الرئيس التنفيذي لـ”وورلد ليبرتي” زاك ويتكوف أن شركة “إم جي إكس”، وهي شركة استثمارية يقودها طحنون، ستستخدم عملة “وورلد ليبرتي” المستقرة لإتمام استثمار بقيمة 2 مليار دولار في منصة تداول العملات المشفّرة “باينانس”. وكان التنفيذيون في “جي 42” الذين أضيفوا إلى مجلس إدارة “وورلد ليبرتي” أعضاء أيضًا في مجلس إدارة “إم جي إكس”، التي تُدار بالشراكة مع “جي 42”.
وقد أشاد زاك ويتكوف بصفقة العملة المستقرة الخاصة بشركة “إم جي إكس” باعتبارها تأييدًا لتقنية شركة “وورلد ليبرتي”، دون أن يكشف أن كلًا من “إم جي إكس” و”وورلد ليبرتي” كان يقودهما بعض الأشخاص أنفسهم.
وقال ديفيد واكسمان، المتحدث باسم “وورلد ليبرتي”، بشأن استثمار “أريام”: “أبرمنا الصفقة المعنية لأننا نؤمن بشدة أنها كانت الأفضل لشركتنا ونحن نواصل النمو. إن فكرة أن شركة أمريكية خاصة يجب أن تُعامل وفق معايير فريدة لا تُطبق على أي شركة مماثلة أخرى هي فكرة سخيفة وغير أمريكية.”
وأضاف أن الرئيس ترامب وستيف ويتكوف لم يكن لهما أي دور في الصفقة، ولم يشاركا في “وورلد ليبرتي” منذ توليهما المنصب، وأن ويتكوف لم يلعب مطلقًا أي دور تشغيلي في الشركة. وأوضح أن الصفقة لم تمنح أي طرف من الأطراف المشاركة أي نوع من الوصول إلى عملية صنع القرار الحكومي أو التأثير في السياسات. وقال: “نحن نعمل وفق القواعد والأنظمة نفسها التي تعمل بها أي شركة أخرى في مجالنا.”
وذكر شخص مطلع على استثمار طحنون أن الشيخ وفريقه راجعوا خطط “وورلد ليبرتي” على مدى “عدة أشهر” قبل أن يُكمل هو و”عدد من المستثمرين المشاركين” الاستثمار في الشركة، مشيرًا إلى أن الصفقة لم تتضمن أموالًا من شركة “جي 42″، وأضاف: “لم تتم مناقشة الاستثمار مع الرئيس ترامب في أي وقت خلال عملية التحقق أو بعدها”، وأكد أن طحنون يُعد “مستثمرًا بارزًا” في شركات العملات المشفّرة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي: “الرئيس ترامب لا يتصرف إلا بما يخدم المصلحة العامة للشعب الأمريكي”، موضحة أن أصوله موضوعة في صندوق استثماري يديره أبناؤه، مضيفة: “لا يوجد أي تضارب مصالح”. وأشارت إلى أن ويتكوف يعمل على “دعم أهداف الرئيس ترامب في تحقيق السلام حول العالم”.
وقال المستشار القانوني للبيت الأبيض ديفيد وارينغتون: “الرئيس ليست له أي علاقة بصفقات تجارية يمكن أن تمس مسؤولياته الدستورية”.
وأضاف أن ويتكوف يلتزم بجدية بقواعد أخلاقيات العمل الحكومي، قائلاً: “لم يشارك ولن يشارك في أي مسائل رسمية قد تؤثر على مصالحه المالية”، مشيرًا إلى أن ويتكوف قد “تخلّى عن حصته في شركة وورلد ليبرتي فاينانشال.”
وذكر شخص مقرّب من ويتكوف أن المبعوث لم يكن مشاركًا في مفاوضات الدولة بشأن شرائح الذكاء الاصطناعي المرتبطة بشركة “جي 42″، لكنه اطّلع على تفاصيل المناقشات.
وقال متحدث باسم منظمة ترامب إن الشركة “تأخذ التزاماتها الأخلاقية على محمل الجد، وتلتزم بشدة بمنع تضارب المصالح”، مؤكّدًا أنها تعمل وفق جميع القوانين المعمول بها.
“عائلتنا تحبك”

عندما فاز ترامب بإعادة انتخابه، كان الإماراتيون يأملون في شريك أكثر توافقًا في الولايات المتحدة.
بالنسبة للشيخ طحنون، الذي اختاره شقيقه لقيادة جهود البلاد لتصبح رائدة عالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، كان الحصول على رقائق أمريكية أولوية قصوى. ففي عهد إدارة بايدن، سمح المسؤولون الأمريكيون للبلاد بعدد محدود فقط من هذه الرقائق بسبب مخاوف من إمكانية وصولها إلى الصين. ورغم أن شركة “جي 42” أعلنت أنها قطعت علاقاتها مع الصين في أواخر عام 2023، فإن الإمارات – بما في ذلك شركات أخرى ضمن إمبراطورية طحنون – واصلت الحفاظ على روابط قوية مع بكين.
كان طحنون يسعى للحصول على موافقة لتأمين كمية ضخمة إضافية من الرقائق لبناء أحد أكبر مجموعات مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي في العالم، وهو مشروع يتطلب ما يعادل أكثر من سدين بحجم سد هوفر من الطاقة الكهربائية. وقد خطط طحنون ومساعدوه لإطلاق حملة ضغط شاملة لكسب تأييد الإدارة الأمريكية القادمة بقيادة ترامب.
وكان طحنون بالفعل على صلة بأعمال مع عائلة ترامب من خلال صهره جاريد كوشنر، الذي جمعت شركته الاستثمارية 1.5 مليار دولار في عام 2024 من شركة مدعومة من طحنون ومن قطر.
وبعد فترة وجيزة من انتخابه، عيّن ترامب صديقه القديم وشريك لعب الغولف ستيف ويتكوف مبعوثًا إلى الشرق الأوسط. وسرعان ما تحرك ويتكوف، وأبلغ مسؤولي إدارة بايدن أنه يخطط للتواصل مع معارفه في المنطقة. وكان من المقرر أن يسافر إلى الإمارات وقطر والسعودية وإسرائيل قبل حفل التنصيب.
وجمعت زيارة أُجريت في أوائل ديسمبر/ كانون الأول إلى الإمارات بين الدبلوماسية والعملات المشفّرة. فقد حضر ويتكوف، الذي كان قد ساعد في إطلاق مشروع “وورلد ليبرتي” في سبتمبر/ أيلول، مؤتمرًا للعملات الرقمية في أبوظبي، حيث تواجد في قاعة كبار الشخصيات واختلط بعمالقة صناعة الكريبتو وبإريك ترامب. وفي كلمة رئيسية، أعلن إريك ترامب مخاطبًا الحضور في الإمارات: “عائلتنا تحبكم”.
والتقى ويتكوف أيضًا بطحنون، بحسب ما أفادت صحيفة وول ستريت جورنال سابقًا، وذلك في إطار سلسلة من الاجتماعات في المنطقة لمناقشة وقف إطلاق النار في غزة وقضايا أخرى.
وبعد نحو أسبوع من رحلة ويتكوف، تم تسجيل كيانين، بفارق يومين، في كل من ولاية ديلاوير وأبوظبي، دون أي سجل عام يوضح ملكيتهما. وقد تشاركا الاسم نفسه: أريام للاستثمار 1.
وتُدار شركة “أريام” المسجلة في ديلاوير من قبل مسؤولين تنفيذيين في شركة طحنون “جي 42″، وفقًا لسجلات الشركات التي راجعتها الصحيفة. أما الكيان المسجل في أبوظبي فيتشارك عنوان مكتب في الإمارات مع عدة شركات أخرى ضمن الإمبراطورية التجارية الأوسع للشيخ.
وبعد بضعة أسابيع، في 16 يناير/ كانون الثاني 2025، وقّع ممثلو “آريام” صفقة بقيمة 500 مليون دولار مع ترامب وشركة ويتكوف و”ورلد ليبرتي”.
صفقة آريام

وفي وقت الاستثمار، لم تكن لدى شركة “وورلد ليبرتي” أي منتجات؛ فقد جمعت 82 مليون دولار من خلال بيع رمز رقمي يُسمى “دبليو إل إف آي”. ومع ذلك، فإن استثمار “أريام” لم يمنحها حقوق المبيعات المستقبلية لهذا الرمز، ما ترك الكيان المدعوم من طحنون خارج ما كان آنذاك المصدر الوحيد لإيرادات الشركة، وفقًا للوثائق.
وقد وقّع صفقة شراء حصة “وورلد ليبرتي” كل من مارتن إيدلمان، المستشار العام لشركة “جي 42” وأحد كبار مستشاري طحنون، وبنغ شياو، الرئيس التنفيذي لـ “جي 42”. كما شملت الصفقة شركة رويال غروب، وهي شركة الاستثمار الشخصية لطحنون، حيث يعمل إيدلمان مستشارًا.
وانضم إيدلمان وشياو إلى مجلس إدارة “وورلد ليبرتي”، رغم أن الشركة لم تُدرجهما ضمن فريقها على موقعها الإلكتروني. وكان من المقرر أن يلعب الاثنان دورًا رئيسيًا في جهود الضغط الإماراتية المتعلقة بالرقائق الإلكترونية لدى إدارة ترامب.
وانضم فياتش لاركِن، رئيس قسم العملات المشفّرة وتقنية البلوك تشين في “جي 42″، إلى “وورلد ليبرتي” في يناير/ كانون الثاني 2025 بصفته المستشار الإستراتيجي الرئيسي. ويقدّم لاركن المشورة لدائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، وهي وكالة حكومية، بحسب صفحته على “لينكد إن”.
وقد خضعت شركة “جي 42” لسنوات لتدقيق من مسؤولي إدارة بايدن وكذلك من مشرعين جمهوريين، الذين سعوا في عام 2024 إلى فتح تحقيقات بشأن خطر وصول الصين إلى التكنولوجيا الأمريكية الحساسة عبر الشركة.
أما شياو، المولود في الصين والذي درس في واشنطن، فقد حصل على الجنسية الأمريكية لكنه تخلى عنها لاحقًا لصالح الجنسية الإماراتية، وقد خضع شخصيًا للتدقيق خلال إدارة بايدن. ففي رسالة عام 2024 إلى وزارة التجارة الأمريكية، قال رئيس لجنة جمهورية إن وثائق أظهرت أن شياو يقف وراء “شبكة واسعة” من شركات مقرها الإمارات والصين تدعم “الاندماج العسكري والمدني الصيني وانتهاكات حقوق الإنسان.”

وقالت شركة “جي42” في بيان ذلك العام إنها تنفي المزاعم الواردة في الرسالة، وأكدت أن الشركة قد توقفت عن التعامل مع الشركات الصينية.
وإيدلمان هو محامٍ بارز في مجال العقارات بنيويورك، وقضى عقودًا في توطيد علاقاته في الإمارات، وهو مستشار للعائلة المالكة وعضو في مجالس إدارة العديد من شركات طحنون، بما في ذلك “جي42” و”إم جي إكس”، كما تربطه صداقة طويلة الأمد بويتكوف، الذي أشاد به علنًا بعد الانتخابات.
وكانت صفقة شراء الحصة مربحة للغاية لمؤسسي شركة “وورلد ليبرتي”؛ فقد حققت أرباحًا سريعة للكيانات المرتبطة بعائلة ترامب وويتكوف وفولكمان وهيرو، وفقًا لوثائق الشركة التي اطلعت عليها صحيفة “وول ستريت جورنال”. ووفقًا لإفصاحاته، كان ترامب يملك شخصيًا 70 بالمائة من كيان “دي تي ماركس دي إف آي” بينما كانت بقية أفراد العائلة يملكون 30 بالمائة حتى نهاية عام 2024؛ ولم يكشف عن تفاصيل ملكية “دي تي ماركس إس سي”.

ولطالما واجه ترامب انتقادات بسبب احتفاظه بالسيطرة على إمبراطوريته التجارية الخاصة أثناء توليه المنصب، وبسبب الأرباح الأجنبية التي تجنيها. ففي ولايته الأولى، رفع المشرعون الديمقراطيون دعوى قضائية ضد ترامب، متهمين إياه بانتهاك بند المكافآت في الدستور بتلقيه أرباحًا من حكومات أجنبية ترعى أعماله التجارية. ووصف ترامب ذلك بأنه “مطاردة ساحرات“، وقالت وزارة العدل إن نصيب ترامب من الأرباح لا يُعتبر مكافأة، ورفضت المحكمة العليا النظر في القضية.
في ولايته الثانية، قالت شركة ترامب العقارية “ترامب أورغنايزيشن” إنها لن تدخل في عقود جديدة مع الحكومات الأجنبية خلال فترة رئاسته، لكنها لم تمنع نفسها من السعي وراء صفقات جديدة مع شركات خاصة أجنبية، وهو ما اختلف عن الولاية الأولى. وقالت الشركة إنها ستتبرع لوزارة الخزانة الأمريكية بالأرباح التي تتلقاها من مسؤولين حكوميين أجانب يمكن للشركة التعرف عليهم في فنادقها وأعمالها الأخرى، أما “وورلد ليبرتي” فلم تقدم مثل هذه التعهدات.
وقال خبراء قانونيون إن الصفقة مع شركة “أريام” قد تنتهك بند المكافآت، وأشاروا إلى أن قرب موعد اتفاقية الرقائق الإلكترونية مع الدولة من موعد صفقة “وورلد ليبرتي” يمثل تضارب مصالح كبير.
وقالت كاثلين كلارك، أستاذة القانون والمحامية السابقة في الأخلاقيات في مدينة واشنطن العاصمة: إن الغرض من هذا البند هو منع أي مسؤول حكومي من أن يكون “في جيب حكومة أجنبية. ويبدو هذا بالتأكيد وكأنه انتهاك لبند المكافآت الأجنبية، والأهم من ذلك، يبدو وكأنه رشوة”.
وأضافت أن هذه الصفقة “يجب أن تكون بمثابة إنذار من الدرجة القصوى بشأن بيع الحكومة الفيدرالية”.
وقال تاي كوب، الذي كان محاميًا بارزًا في البيت الأبيض خلال إدارة ترامب الأولى، إن تضارب المصالح لدى ترامب طغى على تضارب المصالح لدى أسلافه إلى درجة أن “الأمر يشبه الشكوى من قوارب الكاياك بينما تحلق قاذفات “بي52” فوق رؤوسنا”،. وأضاف قائلًا: “نصيحتي كمحامي أخلاقيات كانت ستكون واضحة: لا تعقد صفقات تجارية مع عائلات قادة الدول الأجنبية؛ فهذا يلطخ سمعة السياسة الخارجية الأميركية”.
وقال مسؤول في البيت الأبيض إن أنشطة “وورلد ليبرتي” التجارية لا تشمل ترامب، وبالتالي فإن أي مزاعم تتعلق بالمكافآت “زائفة وغير ذات صلة”. وقال وارينغتون، مستشار البيت الأبيض، إن ترامب “يمارس واجباته الدستورية بطريقة أخلاقية سليمة”.
الضغط من أجل الرقائق الإلكترونية

وبعد الاستثمار في “وورلد ليبرتي”، تسارعت وتيرة جهود طحنون في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي.
واستضاف الشيخ كبار الرؤساء التنفيذيين في مجالي التكنولوجيا والتمويل في مجمعه الملكي بأبو ظبي، ونشر صورًا عن الاجتماعات – التي غالبًا ما كانت تُعقد على مجموعة من الأرائك البيضاء – على إنستغرام، وتعهد باستثمار مبالغ ضخمة في الولايات المتحدة، مؤكدًا أن الإمارات قد ربطت نفسها بالولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي أول يوم كامل لترامب في منصبه – بعد خمسة أيام من توقيع “أريام” صفقتها مع “وورلد ليبرتي” – أعلن الرئيس في البيت الأبيض عن خطة لمشروع مركز بيانات بقيمة 500 مليار دولار يركز على الذكاء الاصطناعي من قبل “أوبن إيه آي” و”سوفت بنك”، وكانت “إم جي إكس” التابعة لطحنون واحدة من اثنين من المستثمرين الإضافيين الذين تم الإعلان عنهم، لكن المشروع لم يبدأ بعد.
وفي الربيع، بدأ مسؤولو إدارة ترامب مناقشة ملامح صفقة رقائق مع الإمارات، وبينما لم يُبدِ بعض المسؤولين قلقًا كبيرًا بشأن مخاطر ذلك على الأمن القومي، شارك آخرون مخاوف الإدارة السابقة من أن ينتهي المطاف بتلك التكنولوجيا في الصين، وناقشوا فرض قيود على من يمكنه التحكم في الرقائق بموجب مثل هذه الصفقة، وفقًا لأشخاص مطلعين على المحادثات. وكان أحد الحلول التي ناقشها المسؤولون كان استبعاد شركات إماراتية مثل “جي42” من أي وصول مباشر، وإلزامهم بأن تكون التكنولوجيا بحوزة شركائهم الأميركيين مثل “مايكروسوفت” أو “أوبن إيه آي”.
وفي مارس/ أذار، قاد طحنون وفدًا إلى واشنطن؛ حيث خطط، بالإضافة إلى صفقة الرقائق، للضغط نحو تسريع مراجعات الحكومة لاستثمارات الإمارات في الشركات الأميركية، من بين أمور أخرى. والتقى بترامب في المكتب البيضاوي وتعهد بأن تستثمر الإمارات 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة خلال عقد، وهو تعهد أثار حماسة الرئيس، وفقًا لأحد المطلعين على المحادثات، رغم أن مسؤولي الإدارة واجهوا صعوبة في معرفة تفاصيل ما سيشمله هذا التعهد.
وفي 18 مارس/ أذار، استضاف ترامب عشاء في البيت الأبيض لطحنون ووفده، ودعا نائب الرئيس وأعضاء الحكومة بمن فيهم وزراء الخارجية والتجارة والمالية. وجلس طحنون بجوار ويتكوف، بينما جلس إيدلمان في نهاية الطاولة. ونشر ترامب لاحقًا صورًا على “تروث سوشيال”؛ حيث أشاد بـ”روابط الصداقة” بين البلدين وقال إنهم ناقشوا تعزيز شراكتهم في القضايا الاقتصادية والتكنولوجية.
وقال مسؤولون سابقون في الأمن القومي إنهم أصيبوا بالذهول من مستوى الوصول الذي حصل عليه طحنون؛ ففي إدارة بايدن، كان المسؤولون الأجانب الزائرون يلتقون عادةً بنظرائهم الأميركيين، وليس بالرئيس ونصف أعضاء الحكومة.
وفي هذه الأثناء، كان طحنون وشركة “وورلد ليبرتي” يزدادان قربًا. ففي مايو/ أيار، صعد زاك ويتكوف إلى المنصة في مؤتمر للعملات المشفرة في دبي وأعلن أن شركة “إم جي إكس” للاستثمار التابعة للشيخ ستستخدم عملة “وورلد ليبرتي” المستقرة “يو إس دي 1” لإتمام استثمارها البالغ 2 مليار دولار في “بينانس”، وهو أكبر استثمار على الإطلاق في شركة للعملات المشفرة، وابتسم زاك وويتكوف وهو يشكر شركة “إم جي إكس” على “ثقتهم”.
ودفعت هذه الخطوة عملة “يو إس دي 1” إلى صدارة ترتيب أكبر العملات المستقرة، مما عزز مصداقيتها المالية. ومنحت “وورلد ليبرتي” احتياطيًا نقديًا بقيمة 2 مليار دولار، تحتفظ به الشركة للحفاظ على ارتباط العملة بالدولار بنسبة 1 إلى 1. وتستثمر الشركة الأموال في سندات الخزانة وتحتفظ بالفوائد، مما يدر عليها أرباحًا تقدر بحوالي 80 مليون دولار إذا تم الاحتفاظ بها لمدة عام.
وقالت شركة “إم جي إكس” لصحيفة “وول ستريت جورنال” العام الماضي إنها قيّمت العملات المستقرة على عدة منصات وفحصت عوامل منها “ملاءمة الأعمال” قبل اختيار عملة “يو إس دي 1″، وقالت متحدثة باسم “وورلد ليبرتي” إن عملة “يو إس دي 1” كان “منتجًا متفوقًا”.
ولم تكشف أيٌّ من الشركتين يومًا أن “إم جي إكس” و”وورلد ليبرتي” تشتركان في القيادة.
وفي الواقع، مهدت صفقة “أريام” الطريق لإنشاء عملة “يو إس دي 1″؛ فقد تم تقسيم الاستثمار بين كيانين جديدين تابعين لـ”وورلد ليبرتي”، أحدهما لتشغيل منتج العملة المستقرة الجديد، والآخر لإدارة بقية الشركة.
وأشرف لاركن من “جي42” على مشروع عملة “يو إس دي 1” في “وورلد ليبرتي”، وفقًا لأشخاص مقربين من الشركة.
وكان استثمار طحنون البالغ 2 مليار دولار في “بينانس” من خلال “إم جي إكس” يعني أنه كان لديه مصلحة مالية في مساعدة مؤسسها، تشانغبينغ تشاو، في الحصول على عفو من ترامب، وقد يمهد ذلك الطريق لعودة “بينانس” إلى السوق الأميركية؛ حيث تم حظرها في عام 2023 بعد أن اعترفت الشركة وتشاو بارتكاب مخالفة لقواعد مكافحة غسيل الأموال.
ويملك تشاو، الذي يعيش في أبو ظبي وحصل على الجنسية الإماراتية منذ عدة سنوات، علاقات وثيقة مع العائلة المالكة في الإمارات وهو مقرب من طحنون.
وأفاد أشخاص مطلعون أن بعض المقربين من العائلة الحاكمة حثوا إدارة ترامب على العفو عن تشاو، مؤكدين أن ذلك سيساعد في إعادة أكبر بورصة للعملات المشفرة في العالم إلى الولايات المتحدة. كما أن العفو عن تشاو سيفتح أيضًا الباب أمام السلطات الإماراتية لمنح “بينانس” ترخيصًا تنظيميًا كاملًا، مما يتوج خطط البورصة لجعل أبوظبي مقرها العالمي الجديد في تعزيز لطموحات العاصمة المالية العالمية.
وكانت “بينانس” تبذل جهودها الخاصة للعودة إلى الولايات المتحدة عبر العفو، واتخذت خطوات عززت أعمال شركة “وورلد ليبرتي”، بحسب ما أفاد “وول ستريت جورنال” سابقًا. وقد نفى تشاو وجود أي علاقة تجارية مع شركة ترامب للعملات المشفرة، وقالت “بينانس” إنها لم تتحكم في العملة المستقرة التي اختارتها “إم جي إكس”، وإنها كانت “منخرطة بشكل محدود” في منتجات مرتبطة بشركة “وورلد ليبرتي”. ونفت “وورلد ليبرتي” لعب أي دور في العفو، وقال محاميها إن تعاملاتها التجارية مع “بينانس” كانت روتينية. وقال شخص مقرب من ستيف وويتكوف إنه لم يكن متورطًا في عفو تشاو.
وقالت محامية تشاو، تيريزا غودي غيّين، إن العفو عنه لم يمكّن “بينانس” من دخول السوق الأميركية، وإن الإمارات كانت تبذل جهودًا واسعة لجذب شركات العملات المشفرة. وأضافت أن تصوير عفو تشاو بشكل سلبي كان “محاولة غير قانونية لاغتصاب سلطة العفو” الخاصة بالرئيس.
وفي 8 مايو/ أيار، أعلنت وزارة الخزانة أنها ستطلق برنامجًا تجريبيًا سريع المسار للمستثمرين الأجانب، وهو عملية المراجعة الأسرع الذي كانت الإمارات تضغط من أجلها.
وأعلن ترامب خلال زيارته إلى أبوظبي ذلك الشهر أن البلدين قد اتفقا على “عقد كبير جدًا” لشراء الإمارات رقائق ذكاء اصطناعي أميركية. (بعد أشهر، وبعد مفاوضات إضافية، وافقت إدارة ترامب على بيع 35,000 شريحة لشركة “جي24″، وهو عدد أقل مما كانت الإمارات تأمل فيه).
وتفحَّص ترامب خلال العرض التقديمي الذي أقيم في القصر الملكي في مايو/ أيار نموذجًا ثلاثي الأبعاد مضاءً بشكل ساطع لمشروع مركز بيانات ضخم للذكاء الاصطناعي تخطط “جي42” لتطويره، بينما كان ستيف ويتكوف وطحنون يشاهدان من قرب. وكرر ترامب ذكر طحنون في الاجتماعات هناك، قائلًا لرئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان أن “أخاه الرائع” قد زار واشنطن مؤخرًا، بينما نشر طحنون صورًا مع ترامب وويتكوف على حسابه على إنستغرام.
وتوقع ترامب أن العلاقة بين البلدين “ستصبح أكبر وأفضل”، وقال لمحمد بن زايد: “علاقتنا لا يمكن أن تصبح أفضل من ذلك، لذلك لا أستطيع أن أقول إنها ستتحسن لأنها بالفعل في أعلى مستوى يمكن أن تكون فيه”.
وفي سبتمبر/ أيلول، وبموجب صفقة تفاوضت عليها إدارة ترامب، أصبحت “إم جي إكس” واحدة من عدد قليل من المستثمرين المختارين لتشغيل “تيك توك” في الولايات المتحدة.
في الشهر التالي، منح ترامب العفو لتشاو، مما أثار غضب المشرعين الديمقراطيين الذين اتهموه ببيع العفو لمن يدفع أكثر.
وفي 22 أكتوبر/ تشرين الأول، أي قبل يوم واحد من تأكيد البيت الأبيض أن ترامب قد وقع العفو، كان ويتكوف وكوشنر في أبوظبي لمناقشة وضع غزة وإسرائيل وخطة ترامب لإنشاء “مجلس السلام”، وفقًا لمسؤول في البيت الأبيض، وكانا يجتمعان مع طحنون.
المصدر: وول ستريت جورنال