في خطوةٍ تعكس تصاعد الحضور العسكري التركي في القرن الأفريقي، وتحمل رسائل مباشرة إلى “إسرائيل”، أكد مسؤولون أتراك نشر مقاتلات تركية من طراز إف-16 في العاصمة الصومالية مقديشو.
يأتي هذا التحرّك بالتزامن مع مساعٍ إسرائيلية مكثفة لترسيخ موطئ قدم عسكري في إقليم أرض الصومال الانفصالي، وهو ما تعتبره أنقرة تدخلًا سافرًا في الشؤون الداخلية للصومال يهدد استقرار المنطقة.
وكانت تركيا قد دانت بشدة قرار “إسرائيل” الأخير الاعتراف بـ”استقلال أرض الصومال” ووصفته بأنه إجراء غير قانوني يزعزع استقرار البلاد، ما يُشير إلى مواجهة إقليمية متصاعدة على النفوذ في القرن الأفريقي.
المقاتلات التركية الجديدة
لم يكن نشر المقاتلات التركية الذي كشفت عنه وكالة الأنباء الفرنسية (نقلا عن مسؤولين أتراك) إلى الصومال قرارًا ارتجاليًا، بل سبقته استعدادات لوجستية وبنيوية استمرت لأشهر، فقد كشفت صور أقمار صناعية راجعها موقع ميدل إيست آي عن إنشاء عدة حظائر جديدة في مطار مقديشو منذ شهر سبتمبر/أيلول 2025 بهدف استيعاب الطائرات المقاتلة.
تزامن ذلك مع نشاط غير معتاد لرحلات شحن عسكرية تركية باتجاه مقديشو في الأسابيع الأخيرة، حيث أشارت بيانات مفتوحة المصدر إلى تنفيذ عدة رحلات جوية نقلت قطع غيار وذخائر تمهيدًا لوصول المقاتلات.

ونقلت مصادر مطلعة أن هذه الخطوة جاءت أيضًا استعدادًا لإرسال منصة تنقيب تركية عن النفط إلى المياه الصومالية في وقت لاحق من العام، ما يربط بين الدعم العسكري التركي وحماية الاستثمارات الاستراتيجية لأنقرة في مجال الطاقة بالصومال.
ووصلت أولى مقاتلات إف-16 التركية إلى مقديشو بالفعل في 28 يناير/كانون الثاني الماضي، برفقة مروحيتين عسكريتين، بحسب ميدل إيست آي.
وأكدت مصادر في أنقرة أن الطائرات المقاتلة سيتم تشغيلها من قبل الطواقم التركية المنتشرة في الصومال وليس من قبل العسكريين الصوماليين، وذلك لضمان “أمننا الخاص” بحسب تعبير أحد المسؤولين.
ويؤشر المشهد الراهن في الصومال وأرض الصومال إلى تصاعد سباق النفوذ بين تركيا و”إسرائيل” في منطقة القرن الأفريقي. فأنقرة، التي تعتبر نفسها الراعي الأول لمقديشو، تتحرك بقوة لإحباط أي تمدد إسرائيلي يهدد دورها المحوري هناك.
وصرّح مسؤولون أتراك بأن وجود مقاتلاتهم في الصومال يُثبت أن الحضور التركي هناك واقع فعلي وليس مجرد افتراض، في تلميح إلى أن أي تحرك من قبل “إسرائيل” لن يتم دون ممانعة نشطة من أنقرة.
قاعدة عسكرية وتعاون دفاعي
يحظى الوجود العسكري التركي في الصومال بأسس راسخة سبقت وصول المقاتلات الحربية، فمنذ عام 2017، تدير تركيا أكبر قاعدة تدريب عسكرية لها في الخارج على أطراف مقديشو، وبلغت قدرة هذا المعسكر تدريب نحو 10 آلاف جندي صومالي ضمن مساعي إعادة بناء الجيش الوطني.
تؤكد وزارة الدفاع في أنقرة أن مهمة القوات التركية في الصومال، ضمن فرقة المهام التركية الصومالية ووحدة المكون الجوي التابعة لها، تتركز على رفع قدرات الصومال في مكافحة الإرهاب عبر المساعدات العسكرية والتدريب والاستشارات.
وعلى مدار السنوات الماضية، تولّت أنقرة تدريب آلاف الجنود الصوماليين، كان آخرهم تعيين ضابط تخرّج في الأكاديمية العسكرية التركية قائدًا جديدًا للجيش الصومالي هذا الأسبوع.
لم يقتصر الدعم التركي على التدريب، بل شمل تزويد مقديشو بأسلحة نوعية شملت طائرات مسيّرة مسلحة ومروحيات هجومية وأخرى للنقل، بموجب اتفاقية دفاعية موقعة عام 2024.
وتعهدت تركيا أيضًا بمساعدة الصومال في إنشاء قوة بحرية لحماية سواحله، ضمن رؤية أشمل لتعزيز قدرات البلد الشقيق دفاعيًا وأمنيًا.
وبفضل هذا الدعم العسكري والاقتصادي الممتد لعقدين، برزت تركيا بوصفها الشريك الدولي الأهم للصومال عسكريًا واقتصاديًا، حيث تدير شركات تركية موانئ ومطارات حيوية في مقديشو وتستثمر بقوة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية.
ما علاقة “إسرائيل”؟
تزامنت الخطوة التركية الأخيرة، مع تكثيف “إسرائيل” تحركاتها لكسب موطئ قدم عسكري في منطقة القرن الأفريقي عبر بوابة أرض الصومال، ففي 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، أصبحت “إسرائيل” أول جهة تعترف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة عن الصومال، في خطوة أحادية قوبلت برفض صومالي وإقليمي واسع.
ودفعت هذه الخطوة حكومة مقديشو إلى حشد الدعم الدولي دفاعًا عن وحدة الصومال، بما في ذلك عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي والتنسيق دبلوماسيًا مع حلفائها العرب والأفارقة ضد الاعتراف الإسرائيلي.
وعلى وقع هذا التطور، سارع رئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله إلى توثيق الصلات مع “تل أبيب”، حيث استقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يوم 6 يناير/كانون الثاني 2026.

وكشفت مصادر في حكومة أرض الصومال أن اللقاء تناول بشكل صريح مسألة إقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي الإقليم، وأن هذا الخيار “مطروح على الطاولة وبصدد النقاش” بين الجانبين، وفق صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”.
ورغم أن سلطات أرض الصومال نفت سابقًا وجود ترتيبات سرية تشمل إقامة قواعد أجنبية أو توطين لاجئين فلسطينيين، أكد مسؤولون في هرجيسا لاحقًا انفتاحهم على تعاون أمني مع “إسرائيل” يشمل “تأمين المجال البحري قبالة سواحل اليمن”.
وتطرح هذه التسريبات صورة لتحالف ناشئ بين “إسرائيل” وأرض الصومال، قد يتوج بافتتاح سفارات متبادلة تمهيدًا لاتفاق أمني أوسع يسمح بوجود عسكري إسرائيلي دائم في الإقليم.
واتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حكومة بنيامين نتنياهو بمحاولة جرّ القرن الأفريقي إلى دوامة فوضى وعدم استقرار عبر التحركات الإسرائيلية الأخيرة في أرض الصومال.
ندّد أردوغان باعتراف “إسرائيل” الأحادي بالإقليم ووصفه بأنه غير شرعي، معتبرًا أن الحكومة الإسرائيلية التي “سفكت دماء 70 ألفًا من إخواننا الفلسطينيين” تواصل اعتداءاتها على دول المنطقة وتسعى الآن لفتح جبهة جديدة في أفريقيا.
في المقابل، ورغم موجة الرفض الدولي والإقليمي، تُظهر تل أبيب إصرارًا على المضي قدمًا في مشروعها؛ فقد أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مؤخرًا أن التراجع عن الاعتراف بأرض الصومال غير وارد، ملمحًا إلى تطلع الإقليم للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام التطبيعية لتعزيز شرعيته الدولية.
“ساحة صراع مفتوح”
ومن منظور إستراتيجي، يرى خبراء أن ميناء بربرة في أرض الصومال يعد الموقع المرجح للقاعدة الإسرائيلية المرتقبة، نظرًا لأهميته على خليج عدن وقربه الجغرافي من المناطق الساخنة في شبه الجزيرة العربية.
فبحسب تحليل المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية (IISS)، فإن تشغيل سلاح الجو الإسرائيلي من مطار بربرة سيمنح “تل أبيب” نطاقًا أوسع للعمليات الإقليمي، إذ لا تبعد بربرة سوى 550 كيلومترًا عن صنعاء في اليمن، مقابل 1800 كيلومتر تفصلها عن القواعد الجوية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
هذا التقارب الجغرافي يقلّص 70% من المسافة المطلوبة للوصول إلى أهداف في العمق اليمني، مما يسهل على “إسرائيل” استهداف جماعة الحوثيين المدعومة إيرانيًا والتي أطلقت صواريخ باليستية صوب الأراضي المحتلة خلال حرب غزة الأخيرة.
وقد رصدت صور أقمار صناعية حديثة أعمال تطوير في منشآت مطار بربرة، يُعتقد أنها تشمل بناء مخازن وقود وذخيرة بهدف تهيئة القاعدة لاستقبال طائرات حربية متطورة كالمقاتلات إف-15 وإف-35 الإسرائيلية مستقبلًا.
وتتماشى هذه الخطوات مع استثمارات إماراتية سابقة في ميناء بربرة، يُرجح أنها جاءت ضمن تفاهمات أبوظبي مع أرض الصومال، حيث استخدمته الإمارات فعليًا كجسر لوجستي في دعم حلفائها خلال الصراع في السودان.
ونهاية يناير/كانون الثاني 2026، أكد موقع إنسايد أوفر الإيطالي أن المساعي الإسرائيلية لإنشاء قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال قد تؤجج الصراع على النفوذ في القرن الأفريقي بين تل أبيب وأنقرة.
وأشار الموقع إلى أن “إسرائيل” بدأت تعمل على تنفيذ خطتها بإقامة قاعدة عسكرية جوية في مطار بربرة، مبينا أن “هذا الطموح قد يصطدم بتردد إقليم أرض الصومال في الموافقة على إنشاء القاعدة، والرغبة التركية القوية في الدفاع عن نفوذها ومصالحها في المنطقة”.
ولفت إلى أن تركيا التي تعد داعما رئيسيا للصومال، بعثت برسائل واضحة تؤشر إلى رفض أي انتشار إسرائيلي في هذه المنطقة. وأضاف: “ليس من قبيل المصادفة أن تصل 3 طائرات مقاتلة تركية من طراز إف-16 ومروحيتان هجوميتان إلى مقديشو يوم الأربعاء 28 يناير/كانون الثاني لدعم عمليات الحكومة الصومالية ضد حركة الشباب المجاهدين”.
وهذه المعطيات تنذر بأن القرن الأفريقي قد يتحول إلى ساحة صراع مفتوح بين تركيا و”إسرائيل”، حيث تسعى الأولى إلى حماية حليفها الصومالي وترسيخ حضورها التاريخي في المنطقة، فيما تحاول الثانية مد نفوذها العسكري إلى ساحات جديدة بمؤازرة من حلفائها الإقليميين.
وفي خضم هذا التجاذب، تبدو أنقرة مصممة على التصدي لأي اختراق إسرائيلي لنطاق نفوذها التقليدي، مما ينذر بمزيد من التوترات الجيوسياسية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية استراتيجية.