أعلن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي أواخر يناير/كانون الثاني 2026 تدشين كليات عسكرية جديدة داخل الأكاديمية العسكرية المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، في خطوة تعكس انتقال مصر إلى مرحلة جديدة من هيمنة الجيش على مفاصل الدولة.
وتهدف هذه الكليات إلى تدريس تخصصات مدنية تشمل الطب والهندسة والبرمجيات والعلاج الطبيعي، مع دراسة إنشاء كليات أخرى للعلوم السياسية والاقتصاد داخل الكيان العسكري ذاته.
يُعد هذا التحول استكمالًا لمسار بدأه النظام منذ سنوات، حيث انتقل بثقله من عسكرة الاقتصاد وترسيخ إمبراطورية اقتصادية للجيش، إلى عسكرة التعليم ومحاولة إخضاع حقول المعرفة المدنية لسيطرة المؤسسة العسكرية.
في هذا التقرير نستعرض خلفيات عسكرة الاقتصاد المصري وحجم سيطرة الجيش على المشاريع، ثم نرصد معالم عسكرة التعليم عبر الكليات الجديدة المعلن عنها، ونحلل التأثيرات المباشرة لذلك على الحريات الأكاديمية وتكافؤ الفرص وسوق العمل، وصولًا إلى تفكيك منظومة الولاء التي يرسّخها النظام بإعادة إنتاج النخبة الحاكمة عبر التوظيف والتمكين داخل مؤسسات الدولة.
الاقتصاد تحت قبضة الجيش
منذ تولي السيسي السلطة عام 2014، شهدت مصر تغوّلًا غير مسبوق للجيش في النشاط الاقتصادي، حيث تمددت إمبراطورية “جيش البيزنس” لتشمل جميع القطاعات تقريبًا، من إنتاج المواد الغذائية (مثل المعكرونة والمياه الغازية) إلى مشروعات البنية التحتية والنفط والاتصالات.
وتشير تقارير إلى أن الجيش بات يهيمن على نسبة تتراوح بين 50% و60% من اقتصاد مصر وتستحوذ على نحو 90% من أراضيها، مستغلة المجندين كأيدي عاملة مجانية في مشاريعها الربحية ومنافسةً بذلك القطاع الخاص المدني على نحو يوفر لها مكاسب ضخمة.

هذه السيطرة الواسعة عززتها امتيازات استثنائية ممنوحة للشركات التابعة للجيش، أبرزها إعفاؤها من معظم الضرائب والجمارك وحصولها على دعم حكومي في الطاقة والمواد الخام، فضلًا عن تشغيلها المجندين كعمالة بلا مقابل تقريبًا، مما يسمح بتنفيذ المشروعات بكلفة منخفضة جدًا ويضمن تفوقًا غير عادل على الشركات المدنية المنافسة.
وقد استفاد الجيش كذلك من إسناد مئات المشاريع القومية إليه بالأمر المباشر دون مناقصات، حتى بلغ عدد المشروعات التي يشرف على تنفيذها نحو 84 مشروعًا قوميًّا في مختلف القطاعات.
ويأتي ذلك على الرغم من ادعاء السيسي عام 2016 أن نشاط الجيش لا يتجاوز 2% من الاقتصاد المصري، وهو رقم أدنى بكثير من معظم التقديرات المستقلة.
وصرّح السيسي مرارًا أنه لا يرى ضيرًا في زيادة دور الجيش اقتصاديًا – بل وتمنى في أحد تصريحاته لو أن القوات المسلحة تسيطر على “نصف الاقتصاد”.
وتشير تحليلات لمجلة فورين بوليسي إلى وجود صفقة ضمنية بين رئيس النظام وقيادات الجيش مفادها: تأمين دعم الجيش لبقاء السيسي في السلطة مقابل إطلاق يد العسكر اقتصاديًا وإعفائهم من قيود القوانين المدنية عبر تشريعات خاصة.
وهكذا رسّخ النظام ما بات يُعرف بجمهورية الضباط اقتصاديًا، حيث يعتمد نحو نصف اقتصاد مصر على شبكات من لواءات متقاعدين يترأسون شركات عامة أو ينخرطون في عقود استشارية وتوريد، ويفوزون بامتيازات خاصة على حساب المؤسسات المدنية.
وأدت هذه السياسة إلى إضعاف المنافسة العادلة وتهميش القطاع الخاص، وأصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة تعاني في ظل هيمنة الجيش وغياب الشفافية حول ميزانيته ومشاريعه.
وتشير دراسات إلى أن المقربين من المؤسسة العسكرية يحصدون العقود الكبرى، ما خلق اقتصادًا موازيًا قائمًا على المحسوبية ويترك شرائح واسعة من المصريين في فقر مدقع.
باختصار، أرسى السيسي خلال سنوات حكمه نموذجًا اقتصاديًا يكون فيه الجيش المقاول الأكبر في معظم المشروعات، ويتمتع فيه بضمانات وحصانات تجعله لاعبًا شبه محتكر، وسط تراجع الرقابة المدنية وضعف حصة المواطن العادي من عوائد الاقتصاد.
عسكرة التعليم وأهدافه الخفية
في هذا السياق العام من تضخم نفوذ المؤسسة العسكرية، جاء إعلان السيسي عن عسكرة التعليم العالي كامتداد طبيعي لمنطق الهيمنة.
فبعد أن كان دور الجيش في التعليم محصورًا تاريخيًا بالكليات والمعاهد العسكرية التقليدية لتخريج الضباط الفنيين (مثل الكلية الحربية والبحرية والجوية منذ عقود)، شهد عهد السيسي انطلاق خطة ممنهجة لإدخال التخصصات المدنية ضمن الإطار العسكري.

وكانت آخر خطوة، تمثلت في إعلان السيسي التوجه لافتتاح أربع كليات عسكرية جديدة اعتبارًا من العام الدراسي المقبل في مجالات الهندسة والبرمجيات والطب والعلاج الطبيعي.
وأكد أيضًا أنه “جارٍ النظر في إنشاء كليات متخصصة عسكرية ذات مستوى رفيع” تدرس علومًا مدنية أخرى على غرار كليات السياسة والاقتصاد، لتضاف مستقبلًا إلى منظومة الأكاديمية العسكرية.
وبرر السيسي هذا التوجه بخطاب يُظهر الأهداف المُعلنة للمشروع، إذ أوضح أن إنشاء الكليات الجديدة يهدف إلى “ربط التعليم العسكري بالتخصصات المدنية الحيوية، بما يتيح للطلاب اكتساب مهارات متقدمة في الهندسة والبرمجيات والطب والعلاج الطبيعي، ويعزّز القدرة على مواجهة التحولات التكنولوجية الحديثة ومتطلبات التنمية المستدامة”.
غير أن تلك الأهداف المعلنة تغفل الطبيعة الأمنية الصارمة لهذه المؤسسات التعليمية المستحدثة. فهذه الكليات ستكون جزءًا عضويًا من الأكاديمية العسكرية التي يُشرف عليها قادة الجيش مباشرة.
إذ ينص قانون الأكاديمية على تشكيل مجلس أعلى لها برئاسة رئيس أركان القوات المسلحة وعضوية قادة الأفرع ومدير الاكاديمية، مع السماح بضم ما لا يزيد عن خمسة أساتذة مدنيين فقط لمدة عامين ضمن هذا المجلس.
كذلك تُمنح وزارة الدفاع حق تحديد اللوائح والمناهج ومنح الدرجات العلمية المكافئة للجامعات دون الخضوع لرقابة أو اعتماد من وزارة التعليم العالي المدنيّة.
بكلمات أخرى، سيكون تعليم الهندسة أو الطب في هذه الكليات بإمرة العسكر شكلًا ومضمونًا، بدءًا من هيئات التدريس الخاضعة لفحص أمني، ومرورًا بالمناهج التي ستُطوّع حتمًا لخدمة رؤية الدولة و”مقتضيات الأمن القومي”، وصولًا إلى الحياة الجامعية المنضبطة عسكريًا بما تفرضه من قيود على حرية الطلاب والأساتذة.
وليس من الصعب تصور أن بيئة كهذه ستفتقر إلى مقومات الحرية الأكاديمية وروح البحث الحر؛ فبدلًا من الحرم الجامعي المنفتح نسبيًا، سيوجد الطلاب داخل ثكنة فكرية تحكمها الأوامر والانضباط العسكري.
ويرى مراقبون في هذا المشروع عسكرة كاملة للعلم والمعرفة، بما يتجاوز مجرد التطوير الإداري إلى فرض أدلجة معينة على التخصصات المدنية وجعلها امتدادًا للمؤسسة العسكرية.
أبرز التأثيرات: سوق العمل تحت المقصلة
يثير إدماج التعليم المدني ضمن المنظومة العسكرية مخاوف عميقة حول مصير الحريات الأكاديمية في مصر.
1- حرية البحث العلمي
يُنذر وجود كليات للطب والهندسة تحت إشراف الجيش بأن حرية البحث العلمي والنقاش المفتوح ستصبح مقيدة بسقف الرؤية الأمنية.
وقد تدخلت الأجهزة الأمنية سابقا في عمل الجامعات المدنية، إلى حد إلغاء منح دراسية لباحثين بسبب “عدم موافقة الجهات الأمنية”. كما يتخوف محللون من توظيف هذه المؤسسات الجديدة لغرس عقيدة ولاء سياسي محددة في عقول الدارسين.
2- تمرير أيديولوجيا العسكر
حذّر خبراء من أن السماح للجيش بمنح درجات علمية مدنية قد يُستخدم لتمرير أيديولوجيا النظام إلى الطلاب العسكريين والمدنيين على السواء، بهدف تشكيل “جيش عقائدي” يرى أن حماية النظام القائم هي مهمته الأساسية.
وقد وُصف قرار السيسي بإعطاء الخريجين العسكريين شهادات جامعية بأنه من أخطر خطوات عسكرة الدولة وربط المؤسسة العسكرية مباشرة بالسلطة السياسية.
3- نهاية الاستقلالية الأكاديمية
سيتعرض مبدأ الاستقلالية الأكاديمية لضغوط غير مسبوقة؛ إذ أن الأساتذة في الكليات العسكرية الجديدة سيكونون على الأرجح خاضعين لرقابة وتوجيه عسكري، وستندر الأصوات النقدية المستقلة أو الأبحاث التي تتحدى رواية الدولة الرسمية.
وسيشعر الطلاب أن أي خروج عن النهج المرسوم قد يكلفهم مستقبلهم الوظيفي، خاصة وأن حياتهم الطلابية برمتها ستكون مراقَبة بانضباط صارم يفترض”ضبط سلوك الطلاب” ضمن قوالب موحدة.
هكذا تُستبدل أجواء التنوع والتفكير الحر في الجامعة بمناخ أقرب إلى التدريب العسكري، ما يفرغ العملية التعليمية من جوهرها الإبداعي والنقدي.
4- تكريس عدم المساواة
على صعيد تكافؤ الفرص التعليمية والمهنية، يؤدي هذا التوجه إلى تكريس عدم المساواة بين من يدخلون المنظومة العسكرية التعليمية ومن يبقون خارجها.
فقد منح القانون الجديد امتيازات تعليمية استثنائية للضباط وطلاب الكليات العسكرية، تتمثل في حصولهم على شهادات بكالوريوس مدنية إضافية في مجالات مرموقة (كالسياسة والاقتصاد والهندسة وغيرها) دون المرور بالمسار التعليمي المدني التنافسي.
وهو ما يخل بمبدأ العدالة، إذ تتطلب كليات الهندسة والاقتصاد مثلًا في الجامعات العامة مجموع علامات مرتفع جدًا في الثانوية للالتحاق بها، بينما تقبل الكليات العسكرية طلابًا بمعدلات أدنى بكثير ثم تمنحهم نفس الشهادة العلمية في النهاية.
يضاف إلى ذلك أن المنهج الدراسي في الكليات العسكرية أقصر كثيرًا من نظيره المدني (حيث مدة الدراسة 23 شهرًا فقط في الأكاديمية بحسب القانون الجديد)، وهو غير كافٍ لتلقي علوم الهندسة أو الطب مثلاً بنفس عمق الجامعات، ما يعني أن هذه الشهادات ستكون شكلية في كثير من الحالات وتهدف بالأساس لتسهيل حامليها إلى المناصب لاحقًا كنوع من الامتياز الوظيفي.
5 – تأثير على سوق العمل
أما التأثير الفوري على سوق العمل وفرص التوظيف فهو شديد الخطورة، ويتمثل في تحويل معيار الاختيار والتعيين في الوظائف العامة من الكفاءة المدنية إلى الفلترة العسكرية.
فمع اشتراط التحاق الخرّيجين المدنيين بدورات الأكاديمية العسكرية قبل التوظيف، أصبح الجيش فعليًا بوابة عبور إجبارية للراغبين في العمل الحكومي. وقد برزت مؤخراً أمثلة صارخة تُظهر كيف يؤدي ذلك إلى إقصاء كفاءات مدنية بسبب معايير عسكرية لا صلة لها بالوظيفة.
من ذلك ما كشفت عنه صحيفة مدى مصر في يناير 2026 عن استبعاد الأكاديمية العسكرية 179 إمامًا وخطيبًا من خريجي الأزهر كانوا قد اجتازوا كل امتحانات مسابقة التعيين بوزارة الأوقاف، بحجة زيادة وزن بعضهم 3-5 كيلوغرامات عن “الوزن المثالي” أو لكون البعض حاصلاً على إعفاء طبي من الخدمة العسكرية.
كما أن اشتراط عدم الإعفاء من التجنيد لفوز الشخص بوظيفة مدنية يعني ضمنيًا عقوبة مزدوجة للشباب الذين لم يخدموا في الجيش حتى لو كان بعذر طبي، فيُحرَمون من حق العمل في مجال تخصصهم لاحقًا.
كل هذه الممارسات تكرّس أفضلية لأبناء المؤسسة العسكرية ومن يدور في فلكها عند التنافس على الوظائف، سواء عبر الشهادات الإضافية الممنوحة لهم أو عبر تذليل مسار التوظيف ليكون على مقاسهم.
6- تهميش المؤسسات المدنية
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه السياسات تهمّش المؤسسات التعليمية المدنية (كالجامعات العامة) وتضع خريجيها في مرتبة أدنى عند التوظيف مقارنة بنظرائهم المرتبطين بالمؤسسة العسكرية، مهما بلغت كفاءة الأولين العلمية.
وهذا بالتالي يدفع الكثير من الطلاب مستقبلاً للسعي للانخراط في المسار التعليمي العسكري طمعًا في الميزات الوظيفية، ما يزيد نزيف العقول من الجامعات ويضعف التنوع في المجتمع الأكاديمي والمهني ككل.
منظومة الولاء.. إعادة إنتاج النخبة الحاكمة
تهدف سياسات عسكرة التعليم والتوظيف في المحصلة إلى إنشاء منظومة ولاء شاملة تربط مسار الترقي الاجتماعي والمهني بالمرور عبر القنوات العسكرية.
فالنظام يدرك أن إخضاع المدنيين – طلابًا وموظفين – لعملية تكوين وصقل داخل المؤسسات العسكرية سيخلق طبقة جديدة من الموالين الذين تشربوا قيم الانضباط وطاعة الأوامر منذ مراحل مبكرة، مما يضمن ولاءهم المستقبلي عند توليهم المناصب.
وقد اتضح خلال السنوات الأخيرة أن السيسي ماضٍ في تنفيذ خطة طويلة الأمد لتجديد دماء النخبة الحاكمة بعناصر ذات خلفية عسكرية أو مدربة في المؤسسة العسكرية.
ففي مايو/أيار 2023 كُشف عن توجيه رئاسي يلزم جميع الجهات الحكومية بعدم تعيين أي موظف جديد – سواء إدارياً أو فنياً أو حتى في القضاء والنيابة – إلا بعد اجتيازه فترة دراسة لمدة 6 أشهر بالكلية الحربية كشرط أساسي للتوظيف.
وبالفعل بدأت الوزارات المختلفة ابتعاث دفعات من المرشحين لوظائفها إلى دورات تأهيلية في الأكاديمية العسكرية، وشهدنا تخرج دفعات من المعلمين والأئمة وموظفي الوزارات بعد تلقيهم “التربية العسكرية” اللازمة قبل استلام العمل.
هكذا وضع النظام فلترًا إلزاميًا يمر عبره الداخلون الجدد إلى مؤسسات الدولة، يتيح للعسكر تقييمهم وانتقاء من يعتبرونهم جديرين بالانضمام لجهاز الدولة.
ويرى مراقبون أن هذه الاستراتيجية تُستخدم صراحة لإعادة إنتاج النخبة الموالية وضمان تغلغل أبناء المؤسسة العسكرية أو المقرّبين منها في جميع مفاصل الحكم والإدارة.
وخلال السنوات الماضية، جرى تعيين المئات من لواءات الجيش المتقاعدين في مواقع قيادية مدنية أو في مجالس إدارات شركات حكومية.

هذه الأرقام تكشف كيف مضى النظام بالفعل بعيدًا في عملية إحلال العسكر محل المدنيين في مواقع السلطة على كافة المستويات.
ويرى محللون أن هذا التكتيك يضمن للسيسي ولمن يخلفه إحكام السيطرة على الدولة لعقود، عبر كوادر مدجّنة أيديولوجيًا ومضمونة التبعية. وقد وصفته تقارير بأنه تكريس لـ”جمهورية الضباط” في ثوب جديد، وربطٌ غير مسبوق بين القوة العسكرية والسلطة المدنية في مصر.
في المحصلة، يمثّل تحول نظام السيسي من عسكرة الاقتصاد إلى عسكرة التعليم خطوة نوعية في مشروع توطيد حكمه وترسيخ قبضة الجيش على الدولة والمجتمع.
وبينما قد يجادل البعض بأن ذلك يرفع مستوى الانضباط والكفاءة ظاهريًا، إلا أن الثمن الباهظ هو خنق التنوع والتفكير النقدي وتحويل مؤسسات التعليم إلى مجرد محاضن لإعادة إنتاج السلطة.