انطلقت فعاليات الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير، مسجلةً أكبر مشاركة في تاريخ المعرض، بمشاركة 1457 دار نشر من 83 دولة عربية وأجنبية.
في خضم هذا الزخم، برز حضور دور النشر السورية هذا العام بملامح مختلفة، ليس فقط من حيث العدد، إذ شاركت 45 دار نشر سورية لتحتل المرتبة الثانية بعد السعودية، بل من حيث دلالة المشاركة في مرحلة ما بعد تحرير البلاد، فقد أسهم هذا التحول في إعادة تنشيط الحياة الثقافية السورية، ومكن الناشرين من العودة إلى الفضاءات العربية الكبرى بحضور أكثر فاعلية.
تميزت الإصدارات السورية المعروضة في معرض القاهرة للكتاب 2026 بتنوعها وإصداراتها الجديدة، إذ شملت الروايات، والدراسات الفكرية، والكتب التاريخية والثقافية والسياسية، إضافة إلى الترجمات عالية الجودة، والمطبوعات العلمية المبسطة التي تلبي اهتمام المصريين المهتمين بقضايا “تعريب العلوم” وتبسيط العلوم للأطفال.
وامتد أثر المشاركة السورية إلى إثراء التجربة الثقافية للشباب المصري الذين يحرصون على متابعة أعمال مفكرين سوريين بارزين، في مقدمتهم الدكتور كريم بكار عبر إصدارات دار القلم، حيث شارك هذا العام بإنتاجه الفكري الجديد الذي لقي اهتمامًا واسعًا من القراء في مصر.
كما شهد المعرض حضورًا كثيفًا للسوريين المقيمين في القاهرة، الذين أقبلوا على اقتناء الكتب والمشاركة في الأنشطة الثقافية، ما أتاح مساحات واسعة للتواصل المباشر بين الناشرين والقراء من المصريين والسوريين والعرب، إضافة إلى قراء من دول آسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا.

ورغم التحديات التي ما تزال تعيشها دمشق، كشفت الإصدارات السورية الجديدة المعروضة هذا العام في معرض القاهرة أن الحركة الثقافية والإنتاج الفكري السوري قد شهد إنتاجًا أدبيًا وفكريًا غنيًا ولافتًا يفوق في كثير من جوانبه ما تقدمه دول عربية أخرى.
عودة قوية
واجهت المشاركة السورية في معرض القاهرة الدولي للكتاب تحديات كبيرة منذ عام 2012، نتيجة تداعيات الحرب والأزمة الاقتصادية التي قلصت قدرة دور النشر على الإنتاج والطباعة والترويج خارج سوريا، بجانب أن العديد من الدور العاملة داخل سوريا كانت تعمل تحت رقابة.
ورغم هذه الصعوبات، لم ينقطع الحضور السوري عن المعرض، وإن جاء في كثير من الأحيان محدودًا أو جزئيًا، أو عبر أسماء دور نشر خارج سوريا كوسيلة لتجاوز القيود اللوجستية. وفي بعض الحالات، كان النظام في مصر يمنع دور النشر السورية من المشاركة، كما حدث في معرض 2025 بحجج تتعلق بالأمن القومي.
غير أن عام 2026 شكل منعطفًا حاسمًا في المشهد الثقافي السوري، إذ أعاد التحرير الذي عاشته البلاد القدرة للمجتمع السوري على الانخراط في الإنتاج الثقافي والإبداعي دون قيود مباشرة. وقد فتح هذا التحول الباب أمام دور النشر السورية لاستعادة تواصلها مع الفضاءات الثقافية العربية الكبرى، وبحضور أكثر فاعلية واستقلالية.
يمكن تقدير عدد دور النشر السورية في معرض القاهرة للكتاب 2026 بين 60 و70 دار نشر، ويعمل جزء منها من داخل سوريا في دمشق وحلب واللاذقية وإدلب وحوران، بينما يعمل الجزء الآخر من الخارج في مدن مثل بيروت وإسطنبول وعمان ودبي.
ومن المهم التوضيح أن العدد المسجل رسميًا في معرض القاهرة 2026 بلغ 45 دار نشر، إلا أن بعض هذه الدور لا تعرض بمفردها، بل يجتمع أحيانًا أكثر من دار نشر في جناح واحد أو تحت اسم موحد، كما تشارك بعض دور النشر السورية بشكل غير مباشر عبر توكيلات لناشرين مصريين وعرب.
إصدارات نوعية وحضور متنوع
لطالما حظيت دور النشر السورية باهتمام كبير من القراء المصريين، الذين يقدرون جودة محتواها وتنوع مؤلفاتها في الأدب والفكر والعلوم، إضافة إلى كتب الأطفال والترجمات المتميزة التي تشتهر بسلاسة أسلوبها.
تحمل العديد من الإصدارات السورية هذا العام مضامين عميقة ترتبط بالهوية والذاكرة والتجربة الجماعية، إذ تسلط الضوء على مسارات التجربة السورية المعاصرة، وتوثق التاريخ الثقافي والاجتماعي للشعب السوري في السنوات الأخيرة.
ويتجلى هذا الاتجاه بوضوح في مشاركة دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، من خلال حزمة إصدارات نوعية صدرت حديثًا في عامي 2026 – 2025، تعكس انفتاحًا على الترجمة، والعلوم، والسرد الإنساني، وأدب الأطفال، والثورة السورية.
من بين أبرز إصداراتها رواية “الهداف” الحائزة على جوائز دولية، وكتاب “مرحبًا بك في الكون: جولة في عالم الفيزياء الفلكية” الذي يقدم علوم الفلك بأسلوب مبسط، إلى جانب مختارات “حكاياتهن” التي كتبتها نساء سوريات يحكين تجاربهن في الألم والنزوح والفقد والصمود في الثورة السورية.
ويبرز كذلك كتاب “ليتنا كالنمل” للصحفي والأديب خليفة الخضر، الذي يوثق قصص عشرة أطفال فرقتهم الحرب وجمعتهم صفحات الكتاب، ويكتمل هذا الحضور بإصدار الأعمال الشعرية الكاملة لإياد شاهين، ليجسد مشاركة الدار نموذجًا متنوعًا يجمع بين الأدب، والمعرفة، وذاكرة الثورة السورية.
كما تشارك دار الفكر الدمشقية، إحدى أعرق دور النشر العربية وأكثرها التصاقًا بالمشروع الفكري النهضوي، في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام بحضور مختلف ولافت، يعكس تحولًا واضحًا في خياراتها بعد تحرير دمشق.
في تلك الدار المعروفة تاريخيًا بإسهامها المحوري في نشر فكر مالك بن نبي وتكريس خطاب الأسئلة الحضارية الكبرى، تأتي هذه الدورة بإصدارات جديدة تنفتح بجرأة على الواقع السوري وأسئلته السياسية والاقتصادية والفكرية.
من أبرزها كتاب “الاقتصاد السوري: مكامن القوة وأبرز نقاط القصور” للدكتور حسين علي الشرع، الذي يقدم قراءة نقدية لبنية الاقتصاد السوري واختلالاته البنيوية، كما تطرح الدار مذكرات فاروق الشرع بوصفها شهادة سياسية من داخل قلب السلطة لعقود مفصلية.
إلى جانب كتب فكرية جديدة تتناول المصلحة في الشريعة الإسلامية، من بينها كتاب ميثاق لمحمود هزاع المليكي، الذي يسعى لربط الفكر الإسلامي بأسئلة العقل والواقع والدولة، وبالتالي تبدو دار الفكر في عام 2026 أقل انكفاءً على تراثها المألوف، وأكثر انخراطًا في لحظة سورية جديدة.
كما شهد معرض القاهرة هذا العام حضورًا لافتًا للروايات السورية التي تتناول الثورة السورية وتجاربها الإنسانية والاجتماعية، وأبدى القراء المصريون اهتمامًا خاصًا برواية “سوق الدهشة” للدكتور محمد جمال طحان، الصادرة عن دار الرواد للنشر أواخر عام 2025، والتي تقدم سردًا أدبيًا لأحداث الثورة وتجربتها الإنسانية.
وتعكس هذه الرواية وغيرها من الإصدارات حرص الكتاب والناشرين السوريين على توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، وتحويلها إلى نصوص أدبية تحمل شهادات على المعاناة، الصمود، والأمل.
في الواقع، تتصدر الروايات السورية المشهد في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام، حيث شهدت حضورًا واسعًا واهتمامًا كبيرًا من القراء، وأشار عدد من الناشرين السوريين في تصريحات متفرقة لـ”نون بوست” إلى أن واحدة من أبرز نقاط الالتقاء بين القراء الشباب المصريين والسوريين هي الرواية.
من جانب آخر، تحضر دار الغوثاني للدراسات القرآنية هذا العام بمجموعة جديدة من الإصدارات التي تُعرض للمرة الأولى، مواصلة تعزيز رصيدها العلمي المتخصص في علوم القرآن، والتجويد، والدراسات القرآنية، ومن أبرز إصداراتها في عام 2026 كتاب مفتي سوريا الشيخ أسامة الرفاعي بعنوان “الإيمان في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية”.
وقد برزت دار الغوثاني هذا العام من خلال إصدارات جديدة لافتة ضمن سلسلتي “كنوز النور” وسلال تربوية هادفة، وهما من السلاسل التربوية الإصلاحية، ويُلاحظ بوضوح في هذه الإصدارات، وعلى رأسها ما قدمته دار الغوثاني، أن عددًا متزايدًا من دور النشر السورية بدأ يتبنى نهجًا إصلاحيًا متوازنًا، يزاوج بين البعد التربوي والوعي الفكري، ويستجيب لحاجة القراء إلى محتوى ديني وأخلاقي رصين.
أما دار طيبة الدمشقية، فلها حضورٌ لافت بإصداراتٍ مميزة تتنوع بين الفكر، والتاريخ، والمنطق، والفقه، وعلوم القرآن والسنة، ويبرز ضمن جديدها هذا العام عددٌ من الكتب الإصلاحية والفكرية، من بينها كتاب من أربعة أجزاء يُعرض للمرة الأولى للمفكر الإسلامي المصري محمد عمارة بعنوان عشرون رسالة في الإصلاح والوعي والتنوير.
وهذا إلى جانب رصيدٍ واسع من المؤلفات المحققة والدراسات المتخصصة التي تشمل كتب العقيدة، والحديث، والسيرة، والفقه المقارن، والتاريخ الدمشقي، والأدب، ما يجعل إصدارات هذه الدار مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالمعرفة.
وتلفت دار الحوار للنشر والتوزيع الأنظار في مشاركتها هذا العام من خلال توسيع نطاق حضورها الفكري، إذ لا تقتصر إصداراتها على الحقول التقليدية التي عُرفت بها، بل تضم أيضًا مجموعة من الإصدارات الفلسفية والفكرية الجديدة الصادرة بين عامي 2025 و2026، وتعكس عناوينها الجديدة توجهًا واضحًا نحو الانخراط في الأسئلة الكبرى المتعلقة بالفكر الإنساني، والحداثة، والهوية، وتحولات العالم المعاصر.
ولا يمكن أن يغفل المصريون عن دار القلم السورية التي تشهد هذا العام حضورًا لافتًا، ليس فقط من القراء المصريين، بل أيضًا من دول مثل ماليزيا وإندونيسيا، حيث يتهافت الشباب بشكل خاص على كتب مصطفى صادق الرافعي، إذ تشتهر الدار باحتوائها على أفضل الطبعات من مؤلفاته. كما تحظى كتب عبد الكريم بكار باهتمام كبير، ويأتي هذا العام مع عرض جديد للنتاج الفكري للدكتور بكار.
كذلك يشارك في معرض القاهرة للكتاب هذا العام بعض مكتبات سوق الحلبوني العريق، من بينها دار الرواد ودار اليمامة ودار المنهاج القويم للنشر والتوزيع ودار الإرشاد للنشر. ويشارك أيضًا في المعرض دار نشر ضياء الشام، التي تميزت بإصدار العديد من كتب التراث الإسلامي. وكذلك تحتل دار صفحات للدراسات والنشر مكانة مميزة في المشهد التاريخي السوري، حيث لديها إصدارات فكرية وتاريخية جديدة تعرضها هذا العام.
وتتألق دار نشر نقش للطباعة والنشر من إدلب في معرض القاهرة هذا العام، وهي دار تأسست في عام 2016 من رحم الثورة السورية، وفق ما صرح به المسؤول عنها في المعرض لـ”نون بوست” حسن الحلواني، وهذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها الدار في معرض القاهرة.
وقد تميزت دار نشر نقش منذ تأسيسها بتقديم إصدارات فكرية وتربوية وثورية جديدة، ما جعل مشاركتها في هذا المعرض حضورًا لافتًا. ومن أبرز إصداراتها هذا العام كتاب “قصص وحكايات على درب الثورة السورية” للكاتب حسين أحمد العلي، إلى جانب موسوعة الصوان لحقوق الإنسان، فضلًا عن مجموعة واسعة من دراسات الماجستير الصادرة عن جامعة إدلب، وكتب توثق مختلف الجوانب الإنسانية والاجتماعية للثورة السورية..
وتبرز دار اللباب للنشر كواحدة من المؤسسات الثقافية البارزة المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، وتشتهر الدار بإصداراتها التي تمزج بين التراث الإسلامي العميق والتحقيق العلمي الراسخ، وتشمل أعمالًا محققة في علوم القرآن والحديث وكتب الفقه واللغة العربية والآداب، وتُعد من الجهات التي تسعى لإحياء التراث الفكري الإسلامي بأسلوب منهجي يثري المكتبة العربية.
كذلك تشارك دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع من سوريا في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 بإصدارات متعددة ومتنوعة تعكس انفتاحًا معرفيًا واسعًا يمتد من الفلسفة والعلوم الإنسانية إلى الأدب والتاريخ والرواية، وتُعرف الدار بتقديمها كتبًا تتناول موضوعات فلسفية وطرح قراءات نقدية للحداثة، كما تضم منشوراتها مختارات شعرية مترجمة من أدباء غربيين كبار.
وتشارك دار الفرقد للنشر والتوزيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 بحضور مميز يعكس اهتمامها بالكتب الفكرية والفلسفية والتاريخية، من خلال باقة من الإصدارات الجديدة الصادرة عام 2025.
وتتألق دار العماد للطباعة والنشر والتوزيع من سوريا في المعرض، لتكون منارة للمطبوعات المتنوعة التي تجمع بين التراث والمعاصرة، تتميز الدار بإصداراتها في الأدب والفكر والثقافة العامة، بالإضافة إلى توفيرها أعمالًا غنية للقراء الصغار والكبار على حد سواء.
ويجد الكثير من المصريين المهتمين بقضايا “تعريب العلوم” وتبسيط العلوم للأطفال مبتغاهم في دور النشر السورية، إذ توفر هذه الدور مؤلفات ومصادر علمية معربة وميسرة، تلبي شغف القراء الصغار والكبار على حد سواء، وتساهم في نشر المعرفة بأسلوب جذاب وميسر.
تحضر دار بيت الحكمة – سوريا في معرض القاهرة الدولي للكتاب بحضور موجه بوضوح إلى الطفل والناشئة، وتعرض باقة متنوعة من الإصدارات التعليمية التفاعلية، في مقدمتها سلسلة “هل تعلم؟”، التي تقدم المعلومة العلمية بأسلوب مبسط وجاذب، إلى جانب “مغامرات الرياضيات” و”مغامرات العلوم”.
كما تشارك الدار بسلاسل تعتمد على التفاعل وحل المشكلات مثل “أنشطة وألغاز الجواسيس” و”أنشطة وألغاز المحققين”، التي تنمي مهارات الملاحظة والاستنتاج لدى الأطفال، فضلًا عن كتب “تجارب علمية مذهلة” و”موسوعة التجارب العلمية”.
وتتشارك مع دار جنة الأطفال ودار ربيع للنشر في تقديم إصدارات علمية موجهة للأطفال، تشرح مفاهيم العلوم والفضاء والطبيعة بطريقة ممتعة وسردية مشوقة، تجمع بين المتعة والفائدة.
في الواقع، شهدت دور النشر السورية، ومن بينها دار الفيحاء للطباعة والنشر والتوزيع، ودار المعراج للطباعة والنشر والتوزيع، ودار نور الصباح، ودار البيروتي للطباعة والنشر والتوزيع، ودار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، والدار الشامية للنشر والتوزيع، ودار ورد للنشر والتوزيع، ودار أمل الجديدة للنشر والتوزيع، ودار التقوى – دمشق الشام، ودار نور حوران للدراسات والنشر والتراث، ودار السنابل للنشر والتوزيع، ودار روائع الكتب الدمشقية، مرحلة جديدة من النشاط والانتشار.
فقد انعكس الحراك الثقافي والاجتماعي بعد التحرير على إنتاجها، فبرزت مؤلفات تتناول التاريخ والتراث والفكر المعاصر بأسلوب متجدد، كما أصدرت بعض الدور كتبًا لغوية جديدة، مما أكسب هذا المعرض بعدًا أكثر حيوية لدور النشر السورية، وعكس القدرة التي تتمتع بها دور النشر السورية رغم كثرة المعوقات التي تحدث عنها عددٌ من الناشرين السوريين في تصريحات متفرقة لـ”نون بوست”.
وقد أفاد عدد من أصحاب دور النشر السورية المشاركين في معرض القاهرة الدولي للكتاب لـ”نون بوست” أنهم يعملون في الوقت ذاته على إعداد وتجهيز عناوين وإصدارات جديدة مخصصة للعرض في معرض دمشق الدولي للكتاب القادم، مؤكدين أن هذه التحضيرات تهدف إلى مواصلة دعم الحركة الثقافية السورية وتعزيز حضورها العربي، مع تقديم محتوى جديد يعكس التجربة السورية المعاصرة.
التعاون الثقافي السوري–المصري
في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، يبرز الحضور السوري القوي في الأدب والفكر، مع مساهمة عدد من العلماء والمفكرين المصريين البارزين في النشاط الثقافي السوري من خلال تعاونهم مع دور النشر السورية، لا سيما في مجالات التراث والفكر الإسلامي، مثل مساهمات أحمد معبد عبد الكريم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر في دار النشر السورية المنهاج القويم.
على صعيد الأدب الروائي، تحتل الأعمال السورية مكانة بارزة في دور النشر المصرية، ومن أبرز المشاركات رواية “الهجران” للكاتب السوري سومر شحادة، الصادرة هذا العام عن دار الكرمة المصرية ضمن ثلاثية اللاذقية. تأتي هذه المشاركة بعد حصول شحادة على جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية عام 2021، ما يعكس المكانة المرموقة للرواية السورية المعاصرة في القاهرة.
كما يشارك القاص السوري مصطفى جميل شقرة المنحدر من إدلب، من خلال مجموعته القصصية الجديدة “واجم يطهو يومياته” الصادرة عن دار ديوان العرب للنشر والتوزيع المصرية، تركز هذه المجموعة على الإنسان السوري في تفاصيل حياته اليومية، معاناته وأحلامه وسط التحولات الاجتماعية والسياسية.
ويظهر من خلال هذه الإصدارات قدرة الأدب السوري على نقل شهادات حية عن الصمود والأمل، لتصبح أعمال شقرة وغيره محطة مهمة للقراء المصريين والعرب الراغبين في فهم التجربة السورية من الداخل من خلال لغة أدبية، وبعيدًا عن الأخبار الرسمية. وفضلًا عن ذلك، يشهد المعرض عرض عشرات الكتب المصرية الصادرة حديثًا، التي تتناول سوريا في مرحلة ما بعد التحرير من زوايا فكرية وسياسية وتاريخية وثقافية متنوعة.
وبالتالي تميز الحضور السوري في معرض القاهرة للكتاب بتنوع الأعمال المعروضة، من الروايات المعاصرة والكتب التاريخية والثقافية عن دمشق وتراثها، إلى الأعمال الفكرية والاجتماعية، وكتب الأطفال والشباب، إضافةً إلى إصدارات مشتركة مع دور نشر عربية ومصرية.
الحوار السوري-المصري يضيء أروقة معرض القاهرة للكتاب
يكشف تحرير دمشق في ديسمبر 2024 إلى استعادة المجتمع السوري القدرة على الإنتاج الثقافي والإبداعي دون قيود، ما أتاح لدور النشر السورية إعادة تعريف حضورها في الفضاءات العربية الكبرى وتجديد مشاركتها في المعارض الدولية بحضور أكثر استقلالية وفاعلية، بما في ذلك عرض عناوين لم تكن متاحة سابقًا بسبب الظروف السابقة.
وفي حديثه مع “نون بوست”، يؤكد حفيد الشيخ يحيى الغوثاني، ممثل دار الغوثاني للنشر إحدى دور النشر السورية المشاركة في معرض القاهرة، أن تحرير سوريا من نظام الأسد أطلق طاقات إبداعية واسعة، وانعكس بشكل مباشر على طبيعة الإصدارات الجديدة.
وخلال فعاليات المعرض، تحولت أجنحة الدور السورية إلى فضاءات حوار مفتوحة بين المصريين والقائمين السوريين على دور النشر، حيث تجاوزت الأحاديث حدود الكتب والعناوين لتشمل استفسارات حول واقع سوريا وما يجري فيها اليوم من أحداث.
وقد عبر الناشرون السوريون عن ترحيبهم وتفاعلهم الحميم مع المصريين، ما منح مشاركتهم بعدًا إنسانيًا ومعرفيًا فاق البعد التجاري. وكثيرًا ما تتكرر على ألسنة الناشرون السوريون دعوة المصريين إلى معرض دمشق الدولي للكتاب القادم.
ويشير الناشرون السوريون في تصريحات متفرقة لـ”نون بوست” إلى أن معرض دمشق المقبل سيكون ذا مذاق مختلف، معتبرينه محطة استثنائية لاستعادة الصوت الثقافي السوري بروح جديدة.
ويبين حسن الحلواني من دار نقش في حديثه مع “نون بوست” أن معرض القاهرة 2026 شكل نافذة حقيقية لإعادة التواصل مع القراء المصريين، معربًا عن سعادته بتفاعل الزوار المصريين وحرصهم على الاستفسار عن الأوضاع في سوريا.
ونختم بالقول بأن معرض الكتاب لم يقتصر على الثقافة والكتب فحسب، بل امتد ليشمل تجربة طعام فريدة، حيث برز مطعم “أبو مازن السوري” الذي جذب القراء بنكهات أطباقه التقليدية وجودتها العالية، مضيفًا بعدًا آخر للمعرض وجاعلًا منه ملتقى للثقافة والمذاق السوري الأصيل في آن واحد.