في خضم الحرب الدامية بالسودان منذ عام 2023، برزت مؤخرًا شهادات صادمة تكشف استخدام مليشيات “الدعم السريع” الأطفال كوسيلة وهدف في عملياتها العسكرية.
يروي شهود عيان أن مقاتلي هذه المليشيا اختطفوا عشرات الأطفال أثناء اجتياحهم مدينة الفاشر في إقليم دارفور وأثناء هجمات أخرى هناك، وفي بعض الحالات بعد أن قتلوا آباءهم أمام أعينهم.
ويعيد مشهد اختطاف الأطفال في حرب السودان الحالية إلى الأذهان ممارسات مماثلة ارتكبتها مليشيات الجنجويد سابقا (التي أصبح اسمها اليوم الدعم السريع) في دارفور قبل عقدين.
أماكن وطرق الاختطاف
تتركز حوادث اختطاف الأطفال على أيدي “الدعم السريع” في إقليم دارفور الذي تمزقه الحرب الدائرة بين المليشيا والجيش السوداني.
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وبعد حصار دام 18 شهرًا، سيطرت المليشيا على مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور وارتكبت فظائع شملت خطف عدة لأطفال من بين المدنيين النازحين هناك.
تؤكد شهادات الناجين التي نقلتها وكالة رويترز في 30 يناير/كانون الثاني 2026، أن عمليات الخطف وقعت داخل المدينة وعلى امتداد طريق الفاشر-بلدة طويلة، حيث كان عشرات الآلاف من المدنيين قد فرّوا للاحتماء من القتال.
غالبًا ما تتم عمليات الخطف تحت تهديد السلاح وبعد أعمال عنف مروّعة؛ إذ يصف شهود كيف قتل المسلحون الآباء أولًا قبل أن ينتزعوا الأطفال من أحضان أمهاتهم ويقتادوهم في عربات عسكرية.
وأفادت روايات جمعتها رويترز باختطاف ما لا يقل عن 56 طفلًا (تراوحت أعمارهم بين شهرين و17 عامًا) في 23 حادثة منفصلة بدارفور منذ عام 2023.
ولم يسلم حتى النازحون في المخيمات؛ فقد وثّقت منظمة العفو الدولية حادثة اختُطف فيها طفل من داخل مخيم زمزم للنازحين قرب الفاشر على يد عناصر “الدعم السريع”.

ويؤكد 26 شاهدًا فرّوا إلى شمال دارفور أو شرق تشاد أن هذه الجرائم تكررت مع كل جولة عنف اجتاحت دارفور خلال العامين الماضيين. ورصدت شهادات أخرى أن الاختطاف طاول قرى ومسارات نزوح خارج المدن الكبيرة.
ولا تتوقف معاناة أطفال السودان عند الاختطاف، بل تتعداها إلى القتل والعنف الجسدي والجنسي في أتون الحرب المشتعلة.
خلال اجتياح الفاشر، أفادت شاهدة بأنها رأت أحد قادة “الدعم السريع” الميدانيين يُدعى أبو لولو يطلق النار بدم بارد على مجموعة من الأسرى، بينهم امرأة حبلى وعشرة أطفال قُتلوا أمام مرأى ذويهم.
إلى جانب ذلك، وثقت الأمم المتحدة تصاعدًا كبيرًا في أعداد الأطفال الذين لقوا حتفهم أو تعرضوا لعنف جنسي خلال العام الأول من النزاع مقارنة ببدايته.
وفي المخيمات التي لجأ إليها الناجون، أفاد عاملون في الإغاثة بوصول أطفال مصابين بجروح بليغة – بما في ذلك إصابات بطلقات نارية – فضلًا عن فتيات قاصرات تعرضن للاغتصاب، مما كشف حجم العنف الذي لحق بالصغار.
وتعد هذه الانتهاكات خرقًا صارخًا للقوانين الدولية لحماية الأطفال في الحروب، والتي تجرّم استهدافهم بالقتل أو العنف الجنسي أو تجنيدهم قسرًا في القتال.
لماذا يختطفون الأطفال؟
تُظهر الأدلة أن دوافع مليشيا “الدعم السريع” من اختطاف الأطفال تتمحور حول الاستغلال المباشر لهؤلاء القُصَّر كعمال سخرة وخدم للمقاتلين.
في حادثة وقعت في أكتوبر 2023، روت امرأة نازحة قصة اعتراضها من قبل مجموعة من مقاتلي الدعم السريع أثناء فرارها من مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور.
وقالت النازحة إنه خلال اعتراضها في قرية كرماجة، عصبوا أعين ثلاثة أطفال في حوالي التاسعة من العمر ووضعوهم في مركبات رباعية الدفع واقتادوهم إلى جهة مجهولة.
ذكرت أن اثنين من أولئك الأطفال فقدا أمهاتهم في قصف سابق بنيالا، وأن المقاتلين أخبروها صراحةً بأن الأطفال سيعملون في رعاية الحيوانات لصالحهم.
وأكد عدة شهود أن المسلحين خطفوا الأطفال أحيانًا بالتزامن مع نهب الماشية، وأطلقوا على أولئك الصغار وصف “فلنقايات” (أي عبيد المنازل) وهو مصطلح ازدرائي يستخدمونه لوصف من يعدّونهم موالين للجيش السوداني.
وبحسب أربعة شهود، صرّح مقاتلو “الدعم السريع” بوضوح أن الأطفال المخطوفين سيُستخدمون لرعاية الإبل والأغنام التي استولى عليها المقاتلون.
ويُعد إسناد رعي الماشية إلى الصغار أمرًا مألوفًا في دارفور، مما يشير إلى أن المليشيا تستغل الأعراف المحلية لتسخير هؤلاء الأطفال لخدمتها.
إلى جانب ذلك، يُحتجَز الأطفال في ظروف قاسية أشبه بالعبودية. في إحدى الحالات التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، ذكر طفل أنه قُيّد بالسلاسل ليلًا وأُجبر على العمل نهارًا في رعي الأغنام طيلة ستة أسابيع.
وبعدها اتصل خاطفوه بأقاربه مطالبين بفدية قدرها خمسة ملايين جنيه سوداني (نحو 1500 دولار) لإطلاق سراحه، وقد أفرج عنه بالفعل بعد دفع الفدية.
تكشف هذه الرواية أن بعض عمليات الخطف تُنفّذ بدافع الابتزاز المالي أيضًا، حيث تتحول معاناة الضحايا إلى ورقة ضغط لتحصيل الأموال لصالح المليشيا.
جذور الظاهرة.. منذ أيام الجنجويد
الانتهاكات الحالية بحق أطفال دارفور امتداد لسجل طويل من الجرائم في الإقليم، تعود جذورها إلى مليشيات الجنجويد سيئة السمعة، فـ “الدعم السريع” نفسها انبثقت عن مليشيات الجنجويد التي استخدمها نظام عمر البشير لسحق تمرد أقليات دارفور في أوائل الألفية الثالثة.
وتفيد تقارير حقوقية بأن الجنجويد اختطفوا خلال حرب دارفور (2003-2009) مئات الأطفال من القبائل غير العربية وأجبروهم على أعمال السخرة والخدمة المنزلية ورعي المواشي. كما تعرضت العديد من الفتيات المختطفات للاغتصاب والاستعباد الجنسي وحتى الزواج القسري.
وتُقدَّر أعداد المختطفين في ذلك الصراع بالمئات وربما الآلاف، فيما اعتُبرت عمليات الخطف جزءًا من حملة تطهير عرقي ممنهجة استهدفت قبائل الفور والمساليت والزغاوة.
ومع ذلك لم يُحاسَب أي من الجناة، مما كرّس ثقافة الإفلات من العقاب وشجّع على تكرار التكتيكات نفسها في الحرب الحالية.
واليوم يعيد التاريخ نفسه على أيدي “الدعم السريع”، حتى أن متحدثًا باسم الحكومة السودانية وصف خطف الأطفال وتعذيبهم بأنه يتسق مع ممارسات مليشيا الجنجويد إبان النظام السابق.
وفي المقابل، تواصل مليشيا الدعم السريع إنكار مسؤوليتها عن هذه الفظائع وادعاء أنها تصرفات فردية وليست سياسة معتمدة، لكن الوقائع على الأرض تثبت أن اختطاف الأطفال واستعبادهم تحول إلى أداة قمع ممنهجة في هذا الصراع.
نزوح وجيل تحت الصدمة
أسفرت هذه الانتهاكات المروعة عن واقع اجتماعي مفكك وجيل من الأطفال يرزح تحت صدمة الحرب، حيث تفرق شمل آلاف العائلات بين قتيل ومفقود ونازح، ووجد المئات من الأطفال أنفسهم تائهين بلا ذويهم وسط الفوضى، فبعد سقوط الفاشر، أعلنت منظمات إغاثية وصول ما لا يقل عن 400 طفل بمفردهم إلى بلدة طويلة المجاورة، ومع استمرار النزوح ارتفع العدد بمعدل يقارب 200 طفل غير مصحوب يوميًا في المخيمات المكتظة.
هرب معظم هؤلاء الصغار بعد مقتل أو فقدان ذويهم خلال الهجمات. ويُقدَّر أن أكثر من 100 ألف مدني فرّوا من الفاشر وريفها في تلك الفترة. ويروي العاملون في المنظمات الإنسانية أن العديد من الأطفال وصلوا منهكين وخائفين بعد أيام من السير في الصحراء، وبعضهم عُثر عليه بجوار جثث والديه ونُقل بواسطة غرباء إلى بر الأمان.
وقال عمال الإغاثة في طويلة إن هناك أطفال وصلوا وهم عاجزون عن الكلام أو يعانون من كوابيس مفزعة كل ليلة. كثير منهم أمضى ساعات طويلة مختبئًا في الأحراش أو سار ليلًا لمسافات بعيدة تفاديًا لهجمات المليشيات، وقد انفصل عن أهله وسط فوضى الاقتتال.
كما وصل بعضهم مصابًا بجروح جسدية خطيرة، وتعرضت فتيات صغيرات لانتهاكات جنسية تركتهن في أزمات نفسية خانقة.
وحذرت لجنة حقوق الطفل في الأمم المتحدة من أن جيلاً كاملًا من أطفال السودان يواجه خطر كارثة عميقة بسبب دوامة العنف والحرمان التي تكابدها الطفولة في البلاد. وتُقدّر اللجنة أن نحو 4 ملايين طفل سوداني أُجبروا على النزوح من ديارهم منذ اندلاع الحرب، مما يجعل أزمة السودان أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم حاليًا.