لم تعد الأسئلة الأخلاقية الكبرى في عالمنا المعاصر ترفًا فكريًا أو سجالًا نخبويًا معزولًا عن الواقع، بل باتت تُفرَض فرضًا بفعل الوقائع الصادمة التي تتكشف أمام الرأي العام العالمي، فبين مشاهد الإبادة المفتوحة في غزة، وما رافقها من تبرير سياسي وصمت أخلاقي دولي، وبين فضائح جيفري إبستين التي عرّت هشاشة منظومات العدالة والمساءلة داخل أكثر المجتمعات ادعاءً لحماية الإنسان، يجد العالم نفسه أمام لحظة انكشاف غير مسبوقة. لحظة لم يعد فيها بالإمكان الاكتفاء بتوصيف ما يجري بازدواجية معايير عابرة، بل بات من الضروري مساءلة الأساس الأخلاقي الذي قام عليه ادعاء الغرب بقيادة العالم باسم القيم.
لقد شُيّدت أستاذية الغرب الأخلاقية، على امتداد العقود الماضية، بوصفها مرجعية كونية يُفترض أن تُحتكم إليها الدول والشعوب، وأن تُقاس بها شرعية السياسات والتحالفات والحروب، غير أن هذه الأستاذية، التي طالما قُدّمت باعتبارها نتاج تفوق قيمي وتجربة إنسانية ناضجة، تبدو اليوم متصدعة من الداخل، فاقدة لقدرتها على الإقناع، وعاجزة عن الصمود أمام اختبارات الواقع حين تتعارض المبادئ مع المصالح. وما غزة إلا المثال الأوضح على هذا الانهيار، حيث سقط الخطاب الحقوقي أمام مشاهد الدم، وتراجعت القيم المعلنة أمام حسابات القوة.
في هذا السياق، لا يعود السؤال الحقيقي محصورًا في نقد الغرب أو إدانة تناقضاته، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة أعمق تتعلق بنا نحن، وبالمجتمعات التي ظلت طويلًا تستهلك القيم الغربية بوصفها النموذج الأعلى والمرجعية الوحيدة.
هل حان الوقت لإعادة النظر في هذا الارتهان الأخلاقي؟ وهل تمتلك مجتمعاتنا الإسلامية والعربية من القيم الأصيلة ما يؤهلها لتشكيل مرجعية أخلاقية بديلة، لا على أساس رد الفعل أو المفاضلة الدعائية، بل بوصفها مشروعًا قيميًا قادرًا على الصمود والالتزام؟
إن هذا المقال لا ينطلق من دعوة عاطفية لاستبدال منظومة بأخرى، ولا من حنين ثقافي إلى الماضي، بل من محاولة عقلانية لتفكيك لحظة الانهيار الأخلاقي الراهنة، وطرح سؤال البديل بجدية فكرية ومسؤولية تاريخية، فحين تسقط الأوهام الكبرى، يصبح البحث عن الجذور الأخلاقية الأصيلة ليس خيارًا أيديولوجيًا، بل ضرورة وجودية لإعادة بناء المعنى والعدالة في عالم يتجه، بخطى متسارعة، نحو فقدان بوصلته الأخلاقية المشتركة.
أستاذية الغرب الأخلاقية: النشأة والادعاء وحدود الشرعية
لم تتشكل ما اصطلح على تسميته بـ”أستاذية الغرب الأخلاقية” بوصفها نتاج تفوق قيمي خالص، بل جاءت في سياق تاريخي محدد أعقب الحرب العالمية الثانية، حين خرجت أوروبا مدمّرة ماديًا ومفككة أخلاقيًا بعد انكشاف الفاشية والنازية، في مقابل صعود الولايات المتحدة قوةً عسكرية واقتصادية لم تُستنزف جغرافيًا في تلك اللحظة من التاريخ، لم يكن بناء نظام دولي جديد ممكنًا بالقوة وحدها، بل تطلّب سردية أخلاقية جامعة تمنح الشرعية لقيادة العالم، فتمّ الاستثمار في منظومة قيمية وقانونية قُدّمت على أنها كونية وعابرة للثقافات.
تجلّى ذلك بوضوح في تأسيس الأمم المتحدة، واعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وبناء منظومة القانون الدولي الإنساني، ثم لاحقًا تطوير آليات قضائية دولية ومحاكم خاصة. هذه البنية لم تكن مجرد تعبير عن ضمير إنساني متقد، بل كانت جزءًا من هندسة نظام عالمي جديد أراد الغرب من خلاله تثبيت موقعه القيادي ومنع تكرار الفوضى التي أفضت إلى حربين عالميتين.
غير أن الإشكال الجوهري لم يكن في القيم المعلنة ذاتها، فهي في جوهرها تحمل مضامين إنسانية حقيقية، بل في الطريقة التي جرى بها توظيف هذه القيم سياسيًا فمنذ البدايات الأولى للحرب الباردة، اتضح أن الخطاب الأخلاقي الغربي لم يكن معيارًا ملزمًا بقدر ما كان أداة انتقائية، تُفَعَّل حين تخدم المصالح وتُعطَّل حين تتعارض معها.
فالدفاع عن الديمقراطية لم يمنع دعم أنظمة استبدادية في آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، وحماية حقوق الإنسان لم تحول دون غض الطرف عن انتهاكات واسعة ما دامت تصدر عن حلفاء استراتيجيين.
View this post on Instagram
ورغم هذا التناقض البنيوي، احتفظ الغرب لعقود بما يمكن تسميته “الرأسمال الأخلاقي الرمزي”. كان بالإمكان تبرير الانتهاكات باعتبارها استثناءات أو أخطاء في التطبيق، وكان يُنظر إلى المنظومة الغربية على أنها قادرة على تصحيح ذاتها من الداخل عبر الصحافة الحرة والمؤسسات الرقابية واستقلال القضاء هذه القدرة المعلنة على النقد الذاتي شكّلت أحد أعمدة الادعاء الأخلاقي، وأضفت على القيادة الغربية مسحة من التفوق القيمي حتى في لحظات الفشل.
إلا أن هذا الادعاء بدأ يتآكل تدريجيًا مع نهاية الحرب الباردة، حين تحوّل الغرب من طرف في صراع أيديولوجي إلى قوة مهيمنة شبه منفردة في هذا السياق، لم تعد الحاجة قائمة لتغليف القوة بالقدر ذاته من التبرير الأخلاقي، فشهد العالم حروبًا وتدخلات عسكرية كبرى جرى تسويقها أخلاقيًا في بدايتها، ثم تبيّن لاحقًا افتقارها للأسس القانونية والإنسانية الصلبة ومع تكرار هذه التجارب، بدأ الشك يتسرب إلى صدقية الخطاب نفسه، لا إلى سياساته فحسب.
تجلّى هذا التحول بوضوح في التعامل مع القانون الدولي، الذي بات يُفسَّر بمرونة مفرطة حين يتعلق الأمر بمصالح الغرب وحلفائه، ويُطبَّق بصرامة حين يكون الخصم من خارج دائرته. وهنا انتقل الإشكال من مجرد ازدواجية معايير إلى ما يمكن وصفه بأزمة شرعية أخلاقية، فالشرعية لا تقوم فقط على امتلاك القوة أو المؤسسات، بل على الإقناع، والإقناع لا يتحقق دون حد أدنى من الاتساق بين القول والفعل.
ومع تصاعد دور الإعلام العالمي وتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مفتوحة لتداول الصور والمعلومات، فقد الغرب إحدى أهم أدواته التقليدية في ضبط السردية، فلم تعد الانتهاكات تُخفى أو تُؤطر بسهولة، وأصبح الرأي العام العالمي شاهدًا مباشرًا على التناقض بين الخطاب القيمي والممارسة السياسية. في هذا السياق، لم تعد أستاذية الأخلاق تُنتزع بفعل دعاوى نظرية أو بيانات رسمية، بل باتت تُختبر يوميًا على أرض الواقع.
إن حدود الشرعية الأخلاقية الغربية اليوم لا تتحدد بنصوص القانون الدولي ولا بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها الفعلية على الالتزام بما تعلنه من قيم حين يكون الالتزام مكلفًا سياسيًا أو استراتيجيًا، فالأخلاق التي لا تُختبر في لحظات الكلفة ليست أخلاقًا مؤسسة للشرعية، بل مجرد خطاب تجميلي، ومن هنا، فإن أزمة أستاذية الغرب الأخلاقية ليست طارئة ولا عابرة، بل هي نتاج تراكم تاريخي من التناقضات التي بلغت حدّ الانكشاف الكامل.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الغرب لم يفقد قيمه المعلنة بقدر ما فقد احتكاره لتمثيلها فحين تتحول القيم الكونية إلى أدوات سياسية، فإنها تفقد قدرتها على منح الشرعية، وتصبح محل تشكيك ونزاع، لا مصدر إجماع وهذه هي النقطة التي تقف عندها أستاذية الغرب الأخلاقية اليوم ليست منهارة بالكامل، لكنها لم تعد مقبولة بوصفها مرجعية عليا غير قابلة للطعن.
إبستين وغزة: من ازدواجية المعايير إلى سقوط السردية
لا يمكن فهم التصدّع العميق في السردية الأخلاقية الغربية المعاصرة من خلال تتبع الوقائع السياسية وحدها، بل يتطلب الأمر النظر في كيفية تعامل المنظومة الغربية مع أزماتها الداخلية والخارجية بوصفها اختبارًا لمصداقية القيم التي طالما ادّعت قيادتها للعالم باسمها.
تبدو المقارنة بين قضية جيفري إبستين وما جرى ويجري في غزة مقارنة كاشفة لا على مستوى الحدثين في ذاتهما، بل على مستوى آليات الإنكار والحماية والتبرير التي حكمت التعامل معهما.
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة جنائية عابرة تتعلق بانحراف فردي، بل شكّلت منذ لحظة تفجّرها مؤشرًا خطيرًا على طبيعة العلاقة بين السلطة والمال والنخب السياسية في الغرب، فالمعطيات القضائية والإعلامية التي ظهرت منذ عام 2019 كشفت عن شبكة واسعة من العلاقات التي ربطت إبستين بشخصيات نافذة في عالم السياسة والاقتصاد والإعلام، إضافة إلى إخفاق مؤسسات العدالة في ملاحقته بجدية لسنوات طويلة رغم وجود شكاوى موثقة تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرين.
ثم جاء موته داخل السجن في ظروف وصفت رسميًا بالانتحار ليغلق عمليًا باب المساءلة، ويُبقي أسئلة جوهرية بلا إجابات حول حدود استقلال القضاء وقدرته على ملاحقة أصحاب النفوذ الحقيقي.
الدلالة الأخلاقية في هذه القضية لا تكمن في الجريمة ذاتها، بل في الطريقة التي جرى بها احتواء الفضيحة، فقد أظهرت التجربة أن المنظومة التي ترفع شعار حماية الطفل وكرامة الإنسان قادرة، حين تمسّ القضية دوائر عليا من السلطة، على تعطيل آليات الشفافية والمحاسبة، والاكتفاء بإجراءات شكلية لا تمس جوهر المشكلة. بهذا المعنى، تحوّلت قضية إبستين إلى رمز لاختلال بنيوي في تطبيق العدالة، حيث تُدار القيم بوصفها خطابًا عامًا، لا التزامًا فعليًا حين يتعلق الأمر بالنخب.
وجاءت غزة لتضع الخطاب الأخلاقي الغربي أمام اختبار خارجي أشد قسوة ووضوحًا، فمع توثيق عمليات القصف الواسع، واستهداف البنية التحتية المدنية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، باتت الوقائع متاحة للعالم بالصوت والصورة، ولم تعد قابلة للتشكيك أو الإخفاء، ورغم ذلك، اتسم الموقف الغربي الرسمي بحالة من التبرير السياسي أو الصمت الانتقائي، بل وباستخدام أدوات دبلوماسية وقانونية لتعطيل أي مساءلة دولية جادة.
هنا، لا تبرز ازدواجية المعايير بوصفها خللًا أخلاقيًا فحسب، بل تتحول إلى عامل تقويض للسردية نفسها، فالسردية الغربية قامت تاريخيًا على فكرة أن احترام حقوق الإنسان ليس مسألة هوية أو انتماء، بل مبدأ كوني غير قابل للتجزئة، غير أن التعامل مع غزة كشف أن هذا المبدأ يُعاد تعريفه وفق اعتبارات التحالف والمصلحة، وأن القانون الدولي الإنساني يُفسَّر بمرونة حين يكون الجاني حليفًا استراتيجيًا، ويُستدعى بحزم حين يكون الخصم خارج دائرة النفوذ.
إن الربط التحليلي بين إبستين وغزة لا يقوم على التشابه بين الجريمتين، بل على التشابه في بنية الاستجابة ففي الحالتين، تظهر منظومة قيم تعجز عن مواجهة الحقيقة حين تكون كلفتها سياسية أو مؤسسية.
في الأولى، حُميت النخبة من التفكك عبر إغلاق الملف قبل أن يصل إلى مراكز القرار. وفي الثانية، حُميت التحالفات الاستراتيجية عبر تعطيل أدوات المحاسبة الدولية، حتى وإن كان الثمن انهيار المصداقية الأخلاقية.
الخطير في هذا المسار أنه لا يُنتج مجرد سخط أخلاقي عابر، بل يؤدي إلى سقوط السردية بوصفها إطارًا تفسيريًا مقنعًا للعالم، فحين يرى الرأي العام العالمي أن العدالة انتقائية، وأن الضحية تُقاس قيمتها بميزان السياسة، تتآكل الثقة في الخطاب الغربي كمرجعية أخلاقية، وعند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن ازدواجية معايير كافيًا، لأن المشكلة لم تعد في التطبيق، بل في الأساس الذي يقوم عليه الادعاء الأخلاقي ذاته.
لقد مثّلت قضية إبستين لحظة انكشاف داخلي أظهرت هشاشة منظومة المحاسبة داخل الغرب، فيما مثّلت غزة لحظة انكشاف خارجي كشفت حدود التزامه بالقيم التي يطالب الآخرين بها.
وبين الانكشافين، تتبدد القدرة على الإقناع، وهي العنصر الجوهري لأي قيادة أخلاقية، فالقوة قد تفرض الصمت مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية دائمة، والسردية التي تفشل في الصمود أمام الوقائع تسقط، حتى وإن استمرت أدوات الهيمنة في العمل.
بهذا المعنى، لا تكمن خطورة إبستين وغزة في كونهما أزمتين منفصلتين، بل في كونهما حلقتين في سلسلة واحدة تشير إلى انتقال الغرب من مرحلة التناقض الأخلاقي القابل للتبرير، إلى مرحلة العجز عن الدفاع عن سرديته القيمية ذاتها. وهذا التحول، تاريخيًا، هو ما سبق دومًا لحظات التراجع الكبرى في مسار الإمبراطوريات.
View this post on Instagram
المقارنة التاريخية: حين تسقط الإمبراطوريات أخلاقيًا قبل سياسيًا
يكشف التأمل في التاريخ الطويل للإمبراطوريات أن السقوط لا يبدأ لحظة فقدان التفوق العسكري أو الانهيار الاقتصادي، بل يسبق ذلك طورٌ أكثر عمقًا وخطورة يتمثل في تآكل الشرعية الأخلاقية التي تُبرِّر الهيمنة وتمنحها قبولًا داخليًا وخارجيًا. فالقوة، مهما بلغت، لا تستطيع الاستمرار طويلًا دون سردية أخلاقية تُقنع المحكومين قبل الخصوم بأن النظام القائم ليس مجرد فرض بالقوة، بل تعبير عن نظام عادل أو ضروري أو أقل الشرور الممكنة.
في التجربة الرومانية، التي تُعد من أوضح النماذج الكلاسيكية، لم تكن الإمبراطورية في ذروة توسعها مجرد آلة عسكرية، بل قدّمت نفسها بوصفها حاملة لفكرة “السلام الروماني” الذي يضع حدًا للفوضى ويوفر الاستقرار مقابل الخضوع للسلطة المركزية.
غير أن هذا الخطاب بدأ يفقد مصداقيته تدريجيًا حين تحوّل السلام إلى أداة قمع، وحين باتت الأقاليم ترى في روما مركزًا للجباية والاستغلال أكثر منها مرجعية للعدل، ومع اتساع الفجوة بين خطاب النظام وممارساته، تراجعت الرابطة الأخلاقية التي كانت تشدّ الأطراف إلى المركز، حتى قبل أن تضعف الجيوش أو تتفكك الحدود.
وقد سجّل مؤرخون رومانيون متأخرون هذا التحول بوضوح حين تحدثوا عن انحلال القيم الجمهورية وصعود منطق الامتياز والفساد داخل النخبة الحاكمة، وهو ما مهّد نفسيًا وسياسيًا لانهيار طويل الأمد. النموذج ذاته يتكرر، بصيغ مختلفة، في التجربة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، ولا سيما في حالة الإمبراطورية البريطانية التي بنت مشروعها التوسعي على خطاب “رسالة التمدين” ونشر القانون والتجارة الحديثة.
التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج أنماط متشابهة. وفي كل مرة، يكون السقوط الأخلاقي هو المقدمة الصامتة للسقوط السياسي، حتى وإن تأخر الأخير عقودًا
لقرن كامل، استطاعت بريطانيا أن توازن بين القوة الصلبة والخطاب الأخلاقي، مقدمة نفسها بوصفها قوة عقلانية تنشر النظام في عالم مضطرب، إلا أن هذا الخطاب بدأ يتهاوى مع اتساع الفجوة بين الادعاء والممارسة، خصوصًا في المستعمرات الكبرى مثل الهند، حيث كشفت المجاعات المصنّعة، والقمع الدموي، ونهب الموارد، أن “التمدين” لم يكن سوى غطاء أيديولوجي للهيمنة الاقتصادية، ومع صعود حركات التحرر، لم يكن التحدي موجّهًا إلى القوة العسكرية البريطانية وحدها، بل إلى شرعيتها الأخلاقية التي باتت موضع تشكيك علني حتى داخل الرأي العام الغربي نفسه.
ما يجمع بين هذه التجارب أن لحظة الانكشاف الأخلاقي كانت دائمًا نقطة التحول الحاسمة. فحين تدرك الشعوب الخاضعة أن القيم المعلنة ليست سوى لغة سياسية قابلة للتعطيل، وحين يفقد المركز قدرته على تقديم نفسه بوصفه نموذجًا يُحتذى، تبدأ عملية التفكك من الداخل. لا يعني ذلك سقوطًا فوريًا، بل دخول مرحلة استنزاف طويلة تفقد فيها الإمبراطورية قدرتها على الإقناع، وتضطر إلى الاعتماد المتزايد على القوة العارية بدل الشرعية.
في هذا الإطار، تبدو المقارنة مع الوضع الغربي المعاصر مشروعة تاريخيًا. فالخطاب القيمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على حقوق الإنسان والقانون الدولي، أدّى وظيفة شبيهة بوظيفة “السلام الروماني” و”رسالة التمدين” في السابق. لكنه، مع تكرار حالات الانتقائية والتبرير والتعطيل المتعمد للمساءلة، بات يواجه أزمة مصداقية عميقة. هذه الأزمة لا تعني بالضرورة أفولًا وشيكًا للقوة الغربية، لكنها تشير إلى بداية مرحلة فقدان القيادة الأخلاقية التي كانت تمنح هذه القوة بعدها العالمي.
التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج أنماط متشابهة. وفي كل مرة، يكون السقوط الأخلاقي هو المقدمة الصامتة للسقوط السياسي، حتى وإن تأخر الأخير عقودًا. فالإمبراطوريات لا تُهزم فقط حين تعجز عن الدفاع عن حدودها، بل حين تعجز عن الدفاع عن صورتها أمام نفسها وأمام الآخرين. وعند هذه النقطة، يصبح استمرارها مسألة وقت لا أكثر، لأن القوة التي تفقد معناها تفقد في النهاية قدرتها على الاستمرار.
ما بعد الأستاذية.. نحو مرجعية أخلاقية أصيلة في العالم الإسلامي والعربي
تكشف التحولات الحالية أن أزمة أستاذية الغرب الأخلاقية لم تعد مسألة خطاب متآكل أو سمعة دولية متضررة، بل باتت تعبيرًا عن اختلال بنيوي في العلاقة بين القوة والقيم داخل النظام العالمي المعاصر، فحين تفقد المرجعية الأخلاقية شرطها الأساسي، وهو الاتساق بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية، تنتقل من موقع القيادة إلى موقع الادعاء، وفي هذه اللحظة، لا تسقط منظومة بعينها فحسب، بل يُفتح فراغ قيمي واسع يطال الجميع.
غير أن هذا الفراغ لا يفرض بالضرورة الارتهان لمنظومات أخلاقية وافدة فقدت صدقيتها، ولا يبرر الاستسلام لمنطق القوة المجردة بوصفه قدرًا لا فكاك منه، فالمجتمعات الإسلامية والعربية تمتلك في تراثها القيمي والأخلاقي مخزونًا غنيًا لم يُستنفد، ولم يُختبر في العصر الحديث بوصفه مرجعية مستقلة قادرة على إنتاج معنى أخلاقي للسياسة والعلاقات الدولية، لا مجرد خطاب هوياتي دفاعي.
لقد تأسست القيم الإسلامية في جوهرها على مبادئ العدل وكرامة الإنسان وحرمة الدم ومسؤولية السلطة ومركزية المحاسبة، وهي مبادئ لم تُطرح تاريخيًا باعتبارها شعارات أخلاقية مجردة، بل كأحكام ملزمة تضبط السلوك الفردي والجماعي، وتربط الشرعية السياسية بمقدار الالتزام بها، فالعدل في التصور الإسلامي ليس قيمة نسبية تُؤجَّل عند تعارضها مع المصلحة، بل أساس العمران وشرط الاستقرار، والإنسان مكرّم لذاته لا لانتمائه، والسلطة أمانة تُسأل قبل أن تُطاع.
إن الفرصة متاحة أمام العالم الإسلامي والعربي لا لوراثة هذا الاحتكار، بل لتقديم نموذج مختلف، أكثر تواضعًا وأشد اتساقًا، يعيد وصل الأخلاق بالفعل، ويحرر القيم من الاستخدام النفعي الذي أفقدها صدقيتها
وإلى جانب ذلك تحمل المنظومة الأخلاقية العربية، في بعدها التاريخي والاجتماعي، قيمًا راسخة مثل الوفاء والنجدة وحماية المستضعف واحترام العهد ونبذ الغدر، وهي قيم شكّلت عبر قرون إطارًا ناظمًا للعلاقات داخل المجتمعات وخارجها.
هذه القيم، حين تُستعاد بوصفها قواعد سلوك سياسي وأخلاقي لا مجرد موروث ثقافي، يمكن أن تشكّل أساسًا لخطاب أخلاقي بديل، لا ينافس الغرب على ادعاء العالمية، بل ينطلق من الخصوصية ليخاطب الإنسان بصفته إنسانًا.
إن الدعوة إلى الاعتصام بالقيم الإسلامية والعربية لا تعني الانغلاق أو القطيعة مع العالم، ولا تبرير أخطاء الداخل باسم الخصوصية الثقافية، بل تعني إعادة بناء معيار أخلاقي ذاتي يُحاسب الذات قبل أن يُحاكم الآخر، ويجعل من القيم مرجعية للسياسة لا أداة في يدها، فالفارق الجوهري بين منظومة أخلاقية حيّة وأخرى ساقطة لا يكمن في مصدرها الثقافي، بل في استعدادها لتحمّل كلفة الالتزام بها حين تصبح عبئًا لا مصلحة.
في عالم ما بعد الأستاذية الأخلاقية الغربية، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه من أدوات الردع، بل بما تستطيع أن تقدمه من معنى وعدالة وانضباط أخلاقي، وإذا كان الغرب قد فقد احتكاره لتمثيل القيم الكونية، فإن الفرصة متاحة أمام العالم الإسلامي والعربي لا لوراثة هذا الاحتكار، بل لتقديم نموذج مختلف، أكثر تواضعًا وأشد اتساقًا، يعيد وصل الأخلاق بالفعل، ويحرر القيم من الاستخدام النفعي الذي أفقدها صدقيتها، وهنا، يصبح التحدي الحقيقي ليس في إعلان البديل، بل في تجسيده.
فالقيم التي لا تتحول إلى سياسات، ولا تنعكس في أنماط الحكم، ولا تُترجم إلى عدالة داخلية، ستظل خطابًا موازِيًا لا قادرًا على ملء الفراغ، أما إذا أُعيد الاعتبار للأخلاق بوصفها أساس الشرعية لا زينتها، فإن العالم لن يكون مضطرًا للاختيار بين هيمنة ساقطة أو فوضى بلا قيم، بل قد يشهد ولادة مسار أخلاقي جديد، يتشكل من تعدد المرجعيات دون أن يفقد إنسانيته الجامعة.