في الأسابيع الأخيرة تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مع تلويح واشنطن بالخيارات العسكرية ردًا على “قمع الاحتجاجات” داخل إيران والمخاوف من الاستمرار في تطوير برنامجها النووي.
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نشر “أسطول هائل” باتجاه الخليج، يضم حاملة الطائرات النووية “أبراهام لينكولن”، مهدّدًا باستخدامه ما لم تُغير طهران سلوكها. في المقابل، أكّدت إيران استعدادها للرد والدفاع عن نفسها، محذرةً من “عواقب كبرى” لأي مواجهة.
وسط هذه الأجواء المشحونة، برزت رسائل تهدئة خليجية من دول الجوار الإيراني، تسعى عبر الدبلوماسية والتصريحات إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة.
ما مواقف دول الخليج؟
اتخذت دول الخليج مواقف علنية ترفض استخدام أراضيها أو أجوائها في أي عمل عسكري ضد إيران. الإمارات قالت إنها لن تسمح باستعمال مجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها الإقليمية لأي أعمال عدائية ضد إيران، مؤكدةً التزامها الحياد واستقرار المنطقة.
أما السعودية – أكبر قوة خليجية – فقد أبلغ ولي عهدها محمد بن سلمان الرئيسَ الإيراني مسعود بزشكيان خلال اتصال هاتفي أن الرياض لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران.
وأكد بن سلمان دعم المملكة لكل الجهود الرامية إلى حل الخلافات عبر الحوار وتعزيز أمن المنطقة واستقرارها. وجاء هذا التواصل السعودي الإيراني المباشر في سياق تقارب نسبي بين البلدين أعقب اتفاق استئناف العلاقات في عام 2023، ما يعكس تغيرًا في نهج الرياض التي فضّلت التهدئة والتركيز على التنمية الاقتصادية بدلًا من المواجهة.
وبدورها، تؤكد قطر في بياناتها على ضرورة خفض التوتر وفتح باب للحوار ودعم الحلول السلمية بما يعزز الأمن والاستقرار في المنطقة. فيما لم يصدر عن بقية دول الخليج (كالكويت والبحرين) مواقف علنية بنفس الوضوح، ربما لكونها تستضيف قواعد عسكرية أمريكية كبيرة.
وجاءت التصريحات الخليجية في ظل مضي الولايات المتحدة في تعزيز حضورها العسكري الرادع بالمنطقة للضغط على طهران. فقد أكد مسؤولون أمريكيون وصول حاملة الطائرات أبراهام لينكولن مع مجموعة من القطع البحرية المرافقة إلى الشرق الأوسط.

كما أعادت الولايات المتحدة نشر وحدات من قواتها في بعض القواعد الخليجية كقاعدة العديد في قطر وغيرها، تحسبًا لتهديدات إيرانية باستهداف تلك المواقع في حال اندلاع النزاع.
من جانبها، أرسلت إيران رسائل تحذير شديدة لدول الجوار الخليجي. فقد صرح نائب قائد بحرية الحرس الثوري علي رضا تنغسيري بأن طهران تفرض “سيطرة بحرية كاملة، سطحًا وتحت السطح” على مضيق هرمز الحيوي.
وحذّر صراحةً من أن استخدام أراضي أو أجواء أو مياه أي دولة مجاورة في عمل عدائي ضد إيران سيجعلها هدفًا مشروعًا للرد الإيراني.
هذا التهديد غير المباشر يضع دول الخليج في موقف حرج بين حليفها الأمريكي وجارها الإيراني، إذ عليها الموازنة بين التعاون الدفاعي مع واشنطن وتجنب استفزاز طهران حفاظًا على أمنها الداخلي.
تحركات دبلوماسية لدرء المواجهة
بالتوازي مع المواقف العلنية، كثفت عواصم خليجية حراكها الدبلوماسي لنزع فتيل الأزمة بين واشنطن وطهران.
برزت قطر في هذا الدور، حيث أجرى رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني زيارة مفاجئة إلى طهران أواخر يناير 2026.
والتقى مسؤولين إيرانيين كبارًا بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، وسط تكهنات بأنه يحمل رسالة من واشنطن إلى القيادة الإيرانية.
وتاريخيًا لعبت قطر دور الوسيط بين طهران وواشنطن، وهي تستضيف أكبر قاعدة أمريكية في المنطقة مع احتفاظها بعلاقات جيدة مع إيران.
كما نشطت سلطنة عُمان على خط التهدئة، مستفيدةً من سجلها في الوساطات الإقليمية. وأشارت تقارير إعلامية إلى أن مسقط والدوحة تتوسطان حاليًا في تبادل رسائل بين إيران والولايات المتحدة بهدف إيجاد حل دبلوماسي، بما في ذلك استئناف مفاوضات الملف النووي المتعثرة.
وبالفعل، أجرت عمان وقطر اتصالات مكثفة مع الجانبين خلال ذروة الأزمة. ونقلت رويترز عن مصدر خليجي أن أربع دول عربية (السعودية وقطر وعمان ومصر) قادت دبلوماسية مكثفة مع واشنطن وطهران على مدى 48 ساعة لثني ترامب عن شنّ ضربة ضد إيران.
وقد أبلغت هذه الدولُ الإدارةَ الأمريكية أن أي هجوم على إيران سيجرّ عواقب أمنية واقتصادية وخيمة تطال الإقليم بأكمله وربما تمسّ الولايات المتحدة نفسها. وبالتوازي، حذّرت طهران عبر قنوات خلفية أنها ستعتبر دول الجوار التي تشارك في أي عمل عسكري ضدها خصمًا مباشرًا لها.
هذه الجهود الجماعية يبدو أنها نجحت مبدئيًا في تأجيل الخيار العسكري الأمريكي، إذ لمح ترامب في منتصف يناير إلى تراجعه مؤقتًا عن الضربة مع انحسار حدة الاحتجاجات في إيران. ورغم ذلك، ظل الخيار العسكري مطروحًا مع استمرار التصعيد الخطابي، ما أبقى الدبلوماسية الخليجية في حالة استنفار للحيلولة دون اندلاع مواجهة مفتوحة.
لماذا تعارض دول الخليج التصعيد؟
رغم الخصومة التاريخية بين معظم دول الخليج وإيران، تبدي دول الخليج تبدي معارضة شديدة لفكرة ضرب إيران عسكريًا. ويعزو خبراء ذلك إلى اعتبارات أمنية واقتصادية حيوية بالنسبة لتلك الدول.
1- هجمات صاروخية
تخشى العواصم الخليجية أن تكون أول من يدفع ثمن أي مواجهة عسكرية، عبر هجمات صاروخية مباشرة أو ضربات بطائرات مسيّرة إيرانية أو حتى من خلال وكلاء إقليميين كجماعة الحوثيين في اليمن.
ولدى إيران ترسانة صاروخية متقدمة وقدرات مُسيّرات أثبتت قدرتها على اختراق الدفاعات، كما أن لها حلفاء محليين يمكن أن يهددوا الأمن الخليجي إذا اندلعت الحرب.
القادة الخليجيون يستحضرون سيناريو الهجوم الكبير الذي استهدفت خلاله جماعة الحوثيين منشآت أرامكو النفطية بالسعودية عام 2019 – والذي ألقى الغرب باللوم فيه على إيران – حيث أدّى إلى خفض إنتاج المملكة للنصف مؤقتًا وكشف هشاشة البنى التحتية النفطية أمام الضربات الدقيقة.

وبالتالي، أي ضربات انتقامية إيرانية اليوم قد تستهدف منشآت النفط والغاز ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والموانئ في دول الخليج، ما يشلّ اقتصاداتها ويضع شعوبها تحت الخطر.
2- فوضى أمنية
علاوة على ذلك، لا ترى السعودية وحليفاتها فائدةً في إسقاط النظام الإيراني بالقوة حتى لو كان خصمًا. فخبرة العقدين الماضيين في العراق وسوريا أظهرت أن انهيار دولة مركزية كبيرة قد يخلق فراغًا أمنيًا وفوضى تنتشر لمناطق الجوار.
ويشير محللون إلى أن سقوط النظام في طهران بشكل مفاجئ ربما يقود إلى سيطرة الحرس الثوري الإيراني الأكثر تشددًا أو تولّد صراعات داخلية، ما يجعل إيران “دولة فاشلة” خطرة بدلاً من نظام يمكن احتواؤه.
ويحذّر محللون خليجيون من أن حربًا مفتوحة مع إيران “لن تكون في صالح أحد” ويمكن أن تتسبب في خسائر فادحة تمتد لعقود.
فإلى جانب الدمار المادي المحتمل في إيران والدول المجاورة، يخشى خبراء من موجات نزوح سكاني واسعة وظهور جماعات مسلحة مستغلة للفوضى، بما يحول منطقة الخليج الحيوية إلى بؤرة عدم استقرار لعشرات السنين.
3- تعطيل اقتصادي
من زاوية أخرى، تدرك الدول الخليجية أن أي حرب بالمنطقة ستعطل مشاريعها التنموية. فالسعودية مثلاً تقود خطة “رؤية 2030” للتحول وجذب الاستثمارات، وهي بحاجة إلى بيئة إقليمية مستقرة. وأي نزاع واسع مع إيران سيؤدي لهروب رؤوس الأموال وتعثر خططها للتنويع الاقتصادي.
كما أن المنطقة شريان أساسي لإمدادات الطاقة العالمية، وأي صراع قد يشل حركة تصدير النفط والغاز، إذ يمرّ عبر مضيق هرمز الإستراتيجي نحو 20 مليون برميل نفط يوميًا (نحو خُمس تجارة النفط البحرية عالميًا) إضافةً إلى ثلث الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي المسال.
وإذا أغلقت إيران المضيق كرد فعل – كما لمّحت في أوقات سابقة – فإن ذلك سيحجب هذا الكم الهائل من الطاقة عن الأسواق، مما سيدفع الأسعار إلى مستويات قياسية ويهدد اقتصادات العالم بأسره.
كذلك ستتعرض صناعة الشحن البحري والتأمين لضربة قوية. ولا يخفى أن أي حرب جديدة في الخليج ستخيف المستثمرين الدوليين وترفع كلفة الاقتراض والتأمين في المنطقة، مما يعرقل خطط التنمية الطموحة خصوصًا في السعودية والإمارات.
4- هيمنة إسرائيلية
كذلك، قد يعني انهيار إيران بروز هيمنة إسرائيلية مطلقة في الإقليم، وهو اختلال استراتيجي خطير من وجهة نظر خليجية لا يقلق طهران وحدها، لذلك تفضّل دول الخليج الإبقاء على توازن القوى الحالي – مع كبح نفوذ إيران – بدل المغامرة بالفوضى الشاملة المجهولة أو انطلاق يد “إسرائيل” وازدياد هيمنتها في المنطقة.
في المحصلة، دول الخليج اليوم تناور بين التصعيد والتهدئة؛ فهي من جهة حليف تقليدي للولايات المتحدة ومستنكرة لسلوك إيران الإقليمي، لكنها من جهة أخرى خط الدفاع الأول عن نفسها في حال اشتعال حرب قد تبدأ أمريكية إيرانية لكنها قد لا تنتهي عند حدود هذين البلدين.
لذلك تبدو رسائل التهدئة الخليجية محاول لتجنيب المنطقة سيناريو كارثي، انطلاقًا من إدراك عميق بأن أي ضربة لإيران قد تشعل حريقًا إقليميًا هائلًا سيدفع الجميع ثمنه.