كشفت إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي في 2 فبراير/شباط 2026 أن قيادة الجيش تدرس اعتماد ما وصفته بـ”النموذج اللبناني” في التعامل مع قطاع غزة، أي تنفيذ غارات جوية متواصلة في القطاع رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
يأتي ذلك رغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، الذي يشمل في جوهره “وقف العمليات القتالية” بالكامل.
ما النموذج اللبناني؟
يقوم هذا النموذج على تجنب شن عدوان بري واسع والاكتفاء بالضربات الجوية بذريعة “إحباط محاولات تعاظم” قوة المقاومة، تمامًا كما تفعل “إسرائيل” في الساحة اللبنانية ضمن تفاهمات الهدنة هناك.
بمعنى آخر، تعتبر قيادة الاحتلال أن بوسعها مواصلة استهداف غزة جويًا وقتما تشاء دون إنهاء اتفاق الهدنة – على غرار نهجها الحالي مع حزب الله في لبنان – وذلك بذريعة “منع حماس من إعادة بناء قدراتها العسكرية”.
هذا التوجه يستند إلى التجربة اللبنانية، حيث لم تتوقف غارات الاحتلال الإسرائيلي على لبنان رغم سريان وقف إطلاق النار هناك، فمنذ اتفاق الهدنة المبرم مع حزب الله أواخر عام 2024، كثّف جيش الاحتلال ضرباته في جنوب لبنان والبقاع بشكل شبه يومي.
ويستهدف الاحتلال ما يدعي أنها بنى تحتية لحزب الله، لكنها تطال أحيانًا مدنيين كما حدث عند قصف قرية الكفور أخيرا، ما أدى إلى استشهاد مدنيَّيْن بينهما معلّم مدرسة. كما تواصل “تل أبيب” احتلال خمس تلال لبنانية استولت عليها خلال حربها الأخيرة، إضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.
والنتيجة أن لبنان بات أمام هدنة من طرف واحد، حيث يشنّ الاحتلال غارات شبه يومية دون رد، بعدما أضعفت الحرب في 2024 قدرات حزب الله. هذا الواقع الذي يوصف إسرائيليًا بـ”وقف إطلاق نار فعّال” أصبح النموذج الذي تطمح قيادة الاحتلال لتطبيقه في غزة أيضًا.
وقالت إذاعة جيش الاحتلال: “يعد هذا المخطط (القصف كيفما تشاء) في هذه المرحلة بمثابة خطة طوارئ، استعدادا لحصول الجيش على الضوء الأخضر لتنفيذ المهمة بنفسه (العودة للحرب في غزة)”.
في إطار المخطط، نقلت عن مسؤولين كبار في جيش الاحتلال: “سنتمكن في غضون أسابيع قليلة من استعادة السيطرة على كامل قطاع غزة، وهذه المرة ستكون العملية أسرع وأكثر قوة، نظرا لعدم وجود قيود على المناورة في المنطقة مثلما كان سابقا مع وجود الرهائن (الأسرى)”.
وتتواصل الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المدنيين، على الرغم من تجميد المقاومة الفلسطينية كل أعمالها العسكرية منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.
انتهاكات بالجملة خلال “التهدئة”
ففي غزة، لم يكن “النموذج اللبناني” مجرد طرح نظري، بل تجسد فعليًا منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، فرغم الإعلان عن انتهاء العدوان وتوقف القتال، واصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاكاته اليومية للاتفاق عبر القصف وإطلاق النار والتوغلات المحدودة.
يظهر الإنفوجراف التالي حجم الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار خلال 111 يومًا (حتى نهاية يناير/كانون الثاني 2026)، وفق توثيق المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

وتؤكد هذه الأرقام الدامية أن سياسة القصف المتواصل تطاول المدنيين بالدرجة الأولى، في انتهاك صارخ لبنود الاتفاق.
وارتقى أغلب الشهداء في مناطق بعيدة عن خطوط التماس المعروفة بـ”الخط الأصفر” الذي يسيطر عليه جيش الاحتلال شرق قطاع غزة، أي أن القذائف كانت تنهال عليهم داخل الأحياء السكنية الآمنة نظريًا.
ولم تكتفِ “إسرائيل” بخرق الجانب العسكري من الاتفاق، بل تنصلت من البوتوكول الإنساني الخاص به، فخلال المرحلة الأولى من الهدنة سمحت بدخول 28,927 شاحنة مساعدات فقط من أصل 66,600 شاحنة متفق عليها (أي نحو 43% من المطلوب، مما أبقى غزة تحت وطأة حصار خانق مع نقص حاد في الغذاء والوقود والإمدادات الطبية.
كذلك استمر إغلاق معظم المعابر ومنع إدخال البيوت المتنقلة ومواد الإيواء، ما فاقم معاناة مئات آلاف النازحين الذين يبيتون في الخيام. بموازاة ذلك، شنّ جيش الاحتلال حملة اعتقالات داخل القطاع طالت 50 فلسطينيًا منذ بدء الهدنة، جميعهم من مناطق بعيدة عن خطوط التماس.
في المحصلة، يجد الغزيون أنفسهم أمام اتفاق هش لوقف النار عنوانه العريض وقف القتال، لكن على الأرض يستمر العدوان بأشكال مختلفة من القصف اليومي والتجويع والحصار.
وتصاعدت حدة الانتهاكات الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة لتبلغ مستوى خطير من القتل الجماعي. فعلى سبيل المثال، شهد يوم 31 يناير/كانون الثاني 2026 مجزرة مروعة بحق المدنيين خلال أعنف قصف إسرائيلي منذ أسابيع.
إذ أغارت مقاتلات الاحتلال فجراً على مخيم مؤقت للنازحين بمنطقة أصداء في خان يونس فقتلت 7 مدنيين من عائلة واحدة (رجل وثلاثة من أبنائه وثلاثة من أحفاده الأطفال) وهم نيام في خيمة إيواء.
في اليوم نفسه، استهدفت شقة سكنية مكتظة في حي الرمال بمدينة غزة، مما أدى لاستشهاد خمسة فلسطينيين بينهم امرأتان وثلاثة أطفال. كما دمرت غارة أخرى مركز شرطة الشيخ رضوان شمال غزة على رؤوس من فيه، مسفرة عن ارتقاء ما لا يقل عن 13 شهيدًا وعشرات الجرحى.
إجمالًا تجاوز عدد ضحايا تلك الليلة الدامية 31 شهيدًا بينهم 6 أطفال و3 نساء خلال 24 ساعة فقط، ما أثار صدمة وحزنًا عميقًا في الشارع الغزي وتصاعد المناشدات لوضع حد لهذه الخروقات.
مصير الاتفاق بين التآكل والانفجار
في كل مرة يصعّد الاحتلال فيها عدوانه على غزة، يزعم أنه يرد على خرق ارتكبته المقاومة أولًا. وتنفي حماس بشكل قاطع هذه المزاعم وتصفها بأنها “ذرائع وأكاذيب باطلة” لتبرير استمرار العدوان.
وأكدت الحركة أن الاحتلال هو من بادر بخرق الاتفاق أخيرا بشكل منهجي عبر ارتكاب جرائم يومية بحق المدنيين، مشددة على أن معظم من قتلهم كانوا في مناطق آمنة بعيدة عن أي خطوط مواجهة.
روايات شهود العيان والتقارير المستقلة تدعم موقف المقاومة؛ إذ يوثّق العاملون في الإسعاف والدفاع المدني استهداف المنازل ومخيمات الإيواء بلا تمييز، دون أي مؤشر على وجود مقاتلين قبل القصف.
وبالتالي فإن خطاب “إسرائيل” حول الرد على خروقات حماس ليس إلا غطاء إعلامي لتسويق استراتيجيتها الجديدة، فيما الواقع أن وقف إطلاق النار ذاته أصبح منتهكًا باستمرار من جانب واحد هو قوات الاحتلال.
أمام هذا المشهد، يثار تساؤل ملح: هل ينجح النموذج اللبناني في غزة أم يدمر ما تبقى من اتفاق وقف إطلاق النار؟. حتى اللحظة، يظهر أن كلا الطرفين يتفادى رسميًا إعلان انهيار الهدنة، وفق تقدير “يديعوت أحرونوت”.

فحماس والفصائل التزمت وقف إطلاق النار حرفيًا رغم فداحة الخسائر، وفي المقابل تواصل “إسرائيل” ضرباتها الجوية وانتهاكاتها له. لكن هذا التوازن قد لا يتواصل على المدى البعيد. وقد وصف مسؤولون إسرائيليون أنفسهم الوضع بأنه “وقف إطلاق نار هش”.
فاستمرار سقوط الضحايا المدنيين يوميًا يضع المقاومة تحت ضغط هائل ويفرض معادلة خطرة. وقد حذرت حماس صراحةً من أن صبرها ليس بلا حدود، ومن أن جرائم الاحتلال المتواصلة تقوّض جوهر الاتفاق وتهدد بنسفه.
وأجرى رئيس حماس في غزة خليل الحيّة اتصالات عاجلة مع الوسطاء الإقليميين والدوليين ناقلاً رسالة واضحة: “على الضامنين كبح جماح الاحتلال فورًا وإلّا فإن الأمور قد تخرج عن السيطرة”.
كما حمّلت الفصائل الفلسطينية مجتمعةً “إسرائيل” المسؤولية الكاملة عن أي انهيار للتهدئة، مؤكدةً أن استمرار هذه الخروقات الدموية يمثل استفزازًا مباشرًا للمقاومة قد يؤدي في لحظة ما إلى عودة المواجهة بشكل أشد وأوسع.
في المقابل، داخل “تل أبيب” نفسها هناك شكوك حول جدوى هذا النهج على المدى البعيد. بعض المحللين يرون أن الوضع في غزة أشد تعقيدًا من لبنان، مما قد يجعل تطبيق النموذج اللبناني محفوفًا بالمخاطر. فحماس رغم الضربات لا تزال تمتلك قدرات عسكرية تحت الأرض.
وتصاعدت تهديدات الاحتلال مؤخرا وتصريحاته بشأن إعداد خطط طوارئ لسيناريو عودة الحرب الشاملة في غزة إذا فشلت الجهود الدولية في نزع سلاح المقاومة.
تتضمن تلك الخطط شنّ عدوان بري خاطف “أكثر شراسة من سابقاته”، بعد إجلاء السكان قسريًا، ثم تطهير القطاع تدريجيًا من السلاح والأنفاق وإعادة الأهالي عبر بوابات تفتيش مشدد، وفق يديعوت أحرونوت.
في ظل ذلك، قد تمنح استراتيجية “النموذج اللبناني” قيادة الاحتلال شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنها تهدد في المقابل مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار. وفي حال تواصل القصف، قد تجد حماس نفسها مضطرة لتغيير قواعد الاشتباك مجددا ما قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع من جديد.