لم تتكلف الإدارة الأمريكية عناء الإدعاء بخلاف الحقيقة التي حدت بها لمهاجمة فانزويلا وإختطاف مادورو مطلع يناير الماضي، فقد بدا جلياً من اللحظة الأولى أن النفط الفانزويلي هو عنوان المرحلة الأبرز. ومع توالي الأسابيع وانقشاع غبار الهجمة العسكرية المفاجئة والصدمة التي أحدثتها في الأوساط السياسية والإقتصادية الأمريكية بدأت تتوضح دائرة المستفيدين من النفط الفانزويلي من المحيطين بترامب والمقربين من إداراته وبدأت معها شكوك “التداول من الداخل” تدور بين معارضي ترامب والمتخوفين من تبعات العملية في فانزويلا، وسط اتهامات من ديمقراطيي الكونجرس بإقامة ما يشبه حفل الصداقة لتقطيع الكعكة الفانزويلية وتوزيع أرباحها على أصدقاء الرئيس ترامب ودائرته المقربة.
فما هي أبرز الشركات التي من المتوقع ان تستفيد من النفط الفانزويلي؟ وما علاقتها بالرئيس ترامب؟ أي الشخصيات المستثمرة في مجال النفط برزت عقب الحدث؟ وأي خدمة تسديها لترامب في المقابل؟ وهل اقتصرت الجهات المستفيدة على الأمريكيين؟ ام أن مخططاً دولياً أوسع في طريقه للبروز؟ وأخيراً هل تمر مخططات ترامب لتقطيع الكعكة الفانزويلية دون مواجهة تُذكر؟ يحاول هذا المقال الإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها.
الكعكة الفانزويلية على المحك
لطالما جمع ترامب بأباطرة النفط الأمريكيين علاقة قوية مبنية على المصلحة المتبادلة، فقد سارع ترامب إبان ترشحه لفترته الرئاسية الثانية بالتعهد لهؤلاء بأرباح جمة حال دعموا حملته الإنتخابية ولجانه السياسية. وقد تبرع المدراء التنفيذيون لشركات النفط الأمريكية التي تمتلك مصافي تكرير معقدة في الولايات المتحدة وهي شركات شيفرون وفاليرو إنرجي وماراثون بتروليون وفيليبس 66 وإكسيون موبيل مجتمعين بما لا يقل عن 2.5 مليون دولار أمريكي للجان حملة ترامب الإنتخابية في الإنتخابات الرئاسية 2024 جاء معظمها من جون هيس عضو مجلس إدارة شيفرون.
وما إن وصلت اللقمة إلى الفم حتى نكصت بعض الشركات على عقبيها؛ فعلى عكس توقعات ترامب ذات السقف المرتفع لم تسارع كبريات شركات النفط الأمريكية لشكره وتقبيل يديه على الفرصة العظيمة التي منحها لها بالإستيلاء على نفط فانزويلا؛ ففي اجتماع لعدة شركات نفط كبرى مع ترامب في البيت الأبيض يوم التاسع من يناير الجاري ضمت شركات شيفرون، إكسون موبيل، كونكو فيليبس، كونتيننتال ريسورسز، هاليبرتون، إتش كيه إن إنك، فاليرو، ماراثون، شل، ترافيجورا، فيتول أميركاس، ريبسول، إيني، أسبكت هولدينغز، تال غراس، رايسا إنرجي، وهيلكورب، انقسمت الشركات الحاضرة بين متخوف ومتحفّز.
View this post on Instagram
فقد أبدت شركات مثل إكسيون موبيل وكونوكو فيليبس تخوفاتها من أن النفط الفانزويلي في وضع البلاد الحالي قد لا يجتذب مستثمرين دوليين. إذ وصف مدير إكسيون موبيل التنفيذي دارين وودس النفط الفانزويلي في الوضع الراهن ب”غير القابل للإستثمار” بينما أشار المدير التنفيذي لشركة كونوكو فيليبس رايان لانس أن نظام الطاقة لفانزويلا يحتاج إلى إعادة بناء وتأهيل قبل أن تبدأ تلك الشركات عملها في القطاع النفطي.
لا يأتي تخوف إكسيون وكونوكو من فراغ؛ ففي عام 2007 قامت كاراكاس بمصادرة أصول الشركتين في قطاع النفط في عملية تاميم وطنية و تدين لهما حتى اللحظة بمليارات الدولارات المترتبة من عمليات التحكيم القضائية بين الجانبين. حيث أقرت محاكم التحكيم الدولية لكونوكو بتعويضات بلغت 10 مليار دولار أمريكي ولإكسيون بتعويضات بلغت مليار دولار أمريكي لم تحصّل منها الشركتان إلا النزر اليسير. بينما كان ترامب واضحاً خلال الإجتماع بعدم سعيه لإسترداد هذه الديون في القوت الحالي.
وقد تعرضت إكسيون لهجوم لاذع من ترامب اتهمها فيه بالتلاعب وقال أنه يميل إلى إبقاء الشركة خارج فنزويلا. إلا أن علاقات إكسيون الوثيقة بالإدارة الحالية حيث تبرعت لصندوق تنصيب ترامب بمبلغ مليون دولار أمريكي جعلها على رأس اولويات ترامب فيما يتعلق بنفط غيانا، جارة فانزويلا، التي لطالما هدد مادورو مشاريعها هناك بدعوى أن نفط غيانا مملوك لفانزويلا إلى الحد الذي حدا به إلى إرسال سفن حربية إلى المياه الإقتصادية لغيانا لتخويف إكسيون. الآن وبعد إلقاء القبض على مادورو تتوافق الشركة مع إدارة ترامب تماماً بشأن غيانا على الأقل.
لا يأتي التخوف من طبيعة النفط الفانزويلي الذي يصعب تكريره وحسب؛ إذ أن هناك هياكل تجارية وأطر قانونية تحكم عمل شركات النفط في القطاع وهي في فانزويلا مترهلة وغير ذات جدوى استثمارية لتلك الشركات. فالدولة التي تنتج حالياً 1.1 مليون برميل نفط يومياً تعاني من إهمال وضغط كبيرين ساهمت فيهما بشكل مباشر العقوبات الأمريكية المسلطة على قطاع النفط والقطاع المالي الفانزويلي.
فقد بدأت الولايات المتحدة مسلسل العقوبات على كاراكاس منذ 2005 مستهدفة بالدرجة الأولى عسكريين ومسؤولين حكوميين؛ إلا أن العقوبات الأمريكية لم تخنق قطاع النفط الفانزويلي بالكامل حتى عام 2017 مع تولي ترامب فترته الرئاسية الأولى لينخفض معها المنتوج النفطي الفانزويلي بصورة دراماتيكية ويعاني قطاع النفط في كاراكاس من الكساد طوال السنوات العشر الماضية.
كونوكو فيليبس اقترحت على ترامب إعادة هيكلة شركة النفط الحكومية الفانزويلية PDVSA وأشارت إلى أن هذه الخطوة تنسجم مع سعي ترامب لإشراك القطاع المصرفي في إعادة هيكلة الديون وتوفير قروض بمئات مليارات الدولارات الامريكية لغايات إعادة بناء البنية التحتية للبلاد؛ حيث يحاول ترامب تامين مبلغ 100 مليار دولار على وجه السرعة للإستثمار في إصلاح البنية التحتية للبلاد بما يجعلها وجهة استثمارية مشجعة لشركات النفط.
حالة الإحباط العامة هذه في قطاع النفط الأمريكي لخصّه بوب ماكنلي، مؤسس شركة رابيدان إنرجي جروب للأبحاث بمنشوره على منصة “فعالية حالة الطاقة الأمريكية” التابعة لمعهد البترول الأمريكي والذي قال فيه “لقد تعلمت إدارة ترامب أنه لا يمكنك الذهاب إلى فانزويلا وفتح صنبور ليتدفق ثلاثة ملايين برميل يومياً؛ الامور لا تسير بهذه الطريقة”.
وحدها شركة شيفرون كانت على أهبة الإستعداد للبدء بالعمل دون اعتراضات؛ ذلك أنها شركة النفط الأمريكية الوحيدة التي تعمل حالياً في فانزويلا من خلال مشاريع مشتركة مع شركة النفط الحكومية الفانزويلية PDVSA إذ حصّلت إعفاءً خاصاً من الحكومة الفيدرالية في ولاية بايدن عام 2022 مكّنها من مواصلة العمل في القطاع النفطي الفانزويلي رغم العقوبات الأمريكية.
ورغم أن شيفرون كانت تنتج بالفعل 20% من الإنتاج الفانزويلي من النفط قبل العملية العسكرية في كاراكاس إلا أنها كانت ملزمة بموجب ترخيصها من قبل مكتب مراقبة الاصول الأجنبية الفانزويلي والذي سمح لها إبتداءً بالعمل في فانزويلا بعدم إطلاق مشاريع نفطية جديدة وعدم زيادة إنتاجها من المشاريع الحالية بنسبة عالية. ما يجعل العملية الامريكية التي أسفرت عن اختطاف مادورو وإرغام الحكومة الفانزويلية على التعاون مع إدارة ترامب في ملف النفط فرصة ذهبية لشيفرون. . خاصة وأن شيفرون كانت قد قدمت مبلغ مليوني دولار أمريكي لصالح صندوق تنصيب ترامب وهو مبلغ فاق تبرعات بقية شركات النفط الأمريكية وجعلها محظية ترامب في الساحة الفانزويلية.
تمتلك شيفرون ثلاث آلاف موظف وبنية تحتية جاهزة وخبرة واسعة بطبيعة وحجم الإنتاج النفطي الفانزويلي؛ وقد تعهد نائب مجلس الإدارة مارك نيلسون بالسعي لزيادة منتوج الشركة بسرعة وبنسبة 100% فوراً ليرتفع عدد البراميل المنتجة يومياً من 240 ألف برميل لضعف ذلك العدد بشكل فوري. كما أشار نيلسون لنية الشركة وضع خطط استثمارية تقوم بمضاعفة ذلك الإنتاج بنسبة 50% خلال الأشهر ال18-24 القادمة. وقد ارتفع سهم الشركة بنسبة 7% منذ العملية العسكرية التي شنها ترامب على فانزويلا مطلع العام الجاري.
بين الفساد والإنتماء للحزب الجمهوري
شركات التكرير ليست وحدها المستفيدة من النفط الفانزويلي الموعود؛ فشركات خدمات حقول النفط التي تقدم المقاولين الذين يشرفون على أعمال الإستخراج وما يرافقها من عمليات تحديد للمكامن وعمليات حفر وصيانة للبنية التحتية وخدمات لوجستية تعد من أكبر المستفيدين المحتملين من وعود ترامب بل إن أرباحها تفوق تلك الموعودة لشركات النفط الكبرى لإنخفاض تكاليف عملها والمخاطر المالية المرتبطة فيه إذ ليس عليها استثمار مليارات الدولارات على عكس شركات النفط الكبرى.
شركة إس أل بي SLB واحدة من هذه الشركات. وعلى غرار شيفرون، ما زالت شركة إس بي أل تعمل كشريكة لشيفرون في الحقل الفانزويلي ما هيّأها لارتفاع أسعار سهمها بنسبة 28% منذ العملية العسكرية الأمريكية في كاراكاس. حيث أكد رئيسها التنفيذي أوليفييه لو بيوش في الاجتماع أنها تمتلك حالياً معدات بقيمة 700 مليون دولار في فانزويلا جاهزة للتحرك فوراً وتكثيف عملها مدعياً أن لا أحد يعرف باطن الأرض الفانزويلية كما تعرفها إس بي أل.
أعلنت نائبة الرئيس الأمريكي السابق بأن الهدف وراء العملية التي شنتها أمريكا على فنزويلا هو النفط. pic.twitter.com/1OjD9zCNAq
— نون بوست (@NoonPost) January 4, 2026
وتنضم لإس أل بي شركات خدمات أخرى تسعى للحصول على عقود في حقول النفط الفانزويلية منها شركة بيكر هيوز التي تعمل في أكثر من 120 دولة وشركة هاليبرتون المرتبطة بديك تشيني الجمهوري الذي ترأسها تسعينات القرن الماضي قبل أن يعيّن كنائب رئيس لجورج بوش الابن.
ومن جهة الشركات المختصة بتجارة السلع والتي تركز نشاطها على نقل وتخزين وبيع النفط؛ فقد حصلت كل من شركة فايتول وشركة ترافيجورا المتخصصتين بالتجارة النفطية على أولى التراخيص من إدارة ترامب لتصدير النفط الفانزويلي ضمن إتفاق أولي بين إدارة ترامب وحكومة فانزويلا الحالية بقيادة نائبة مادورو ديلسي رودريغز والتي بلغت قيمتها 2 مليار دولار امريكي.
وقد قامت الشركتان بالفعل ببيع ما قيمته 500 مليون دولار امريكي من النفط الفانزويلي خلال الأسبوع الأخير من يناير بنسبة 11 مليون برميل نفط لجهات أمريكية ودولية متعددة؛ إذ باعت ترافيجورا أولى شحناتها لشركة النفط الإسبانية ريبسول، بينما طرحت فايتول مبيعاتها لصفقات مع شركات نفط أمريكية منها فيليبس 66 وفاليرو.
وقد أثار منح التراخيص لهاتين الشركتين إعتراضات أمريكية واسعة نظراً لتاريخهما في الفساد والرشوة، فالشركتان متورطتان بعدد من الملفات القضائية التي وجهت لهما تهم الرشوة في أمريكا الجنوبية وقد تم إستدعاء ممثليهما من قبل وزارة العدل الأمريكية للتحقيق في عدة حوداث رشوة في أمريكا اللاتينية خلال السنوات القليلة الماضية.
شركة فايتول على سبيل المثال وافقت عام 2020 على دفع عقوبات مالية بمبلغ 135 مليون دولار أمريكي بعد إدانتها بتهمة رشوة في الإكوادور والمكسيك والبرازيل، بينما أقرت الشركة أمام المحكمة بتقديم رشاوى بمبلغ 600 ألف دولار أمريكي لشركة النفط المكسيكية عام 2024.
بالمثل فقد أدينت شركة ترافيجورا بتهم الفساد والرشوة لشركة نفط برازيلية وإضطرت لدفع عقوبات مالية بقيمة 126 مليون دولار أمريكي عقب تحقيق قادته وزراة العدل الأمريكية عام 2024.
وقد زادت الشكوك حول تورط مانحي الحملة الإنتخابية والمتبرعين لعمليات ترامب السياسية وحفل تنصيبه وغيرها من الصناديق المرتبطة بإدارة ترامب في الإستفادة من النفط الفانزويلي بعد أن منحت أول عملية بيع لذلك النفط لشركة فيتول التي تبرع ممثلها جون أديسون بما لا يقل عن 6 ملايين دولار أمريكي للجان العمل السياسي التي تدعم حملة ترامب الإنتخابية.
صغار المغامرين والمستثمرون الجدد
تحسباً للتعقيدات التي ستواجه كبريات الشركات الأمريكية لدى الدخول إلى الساحة الفانزويلية؛ أشار وزير الخزانة الأمريكية سكوت بيسنت في تصريح في النادي الإقتصادي في مينيسوتا قبل اجتماع ترامب بشركات النفط الكبرى إلى أن تلك الشركات غير مهتمة بالظاهر في الإستثمار في فانزويلا وأن شركات نفط مستقلة وصغيرة إضافة لأفراد ومستكشفين مستقلين يتواصلون مع الإدارة الأمريكية بكثافة ومستعدون للقفز في القطاع بسرعة خارقة وأن الإدارة قد تتجه فعلياً للتعاقد معهم بدلاً من الشركات الكبرى كثيرة التردد.
وفي تحقيق لصحيفة الواشنطن بوست؛ ظهرت الشركات الصغيرة والتي يقودها مغامرون ومستثمرون جدد كأكبر المستفيدين من استيلاء ترامب على قطاع النفط الفانزويلي. الملفت كان أن بعض هؤلاء يعد من كبار المتبرعين لترامب وحملاته الإنتخابية.
فبينما تتردد كبريات شركات النفط الأمريكية في دخول حقل الطاقة الفنزويلي المتهالك بسبب ارتفاع كلفة الاستثمار فيه رغم وعود ترامب السابقة لها بتحقيق أرباح طائلة، هناك أسماء للاعبين في حقل صناعة النفط وثيقي الإرتباط بترامب والحزب الجمهوري مستعدون لحصد ملايين الدولارات بالمقامرة في فانزويلا.
View this post on Instagram
يحتل رأس هذه القائمة بول سينغر، الملياردير الأمريكي مالك شركة إليوت للإستثمار وأحد كبار داعمي الحزب الجمهوري وممولي حملات ترامب الإنتخابية الذي تبرع للجانه السياسية بما لا يقل عن 10 ملايين دولار أمريكي في السنوات القليلة الماضية. فشركة إليوت ليست جديدة فيما يتعلق بالسوق الفانزويلية بل إنها سعت طوال السنوات الماضية للإستحواذ على اصول فانزويلية متعثرة في الولايات المتحدة وهي بصدد تملكها الآن.
تملّك هذه الأصول بالحصول على موافقات قانونية وتنظيمية أمريكية سيعني أن إليوت ومن خلال استحواذها على شركة سيتجو CITGO وهي شركة تكرير مقرها هيوستن ومملوكة لشركة النفط الحكومية الفانزويلية بتروليوس دي فانزويلا PDVSA منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى عام 2019، ستتمكن من جني أرباح طائلة من خلال تحويل النفط الفانزويلي إلى بنزين في مصافيها الموزعة على ولايات إلينوي ولويزيانا وتكساس. هذه المصافي تمتاز بجاهزيتها العالية للتعامل مع النفط الفانزويلي الثقيل والإفادة من تكريره. خاصة إذا ما علمنا أنها اضطرت في ظل العقوبات الأمريكية على فانزويلا لشراء النفط الثقيل بأسعار باهظة من كندا والمكسيك.
وقد بدأت فعلياً شركة سيتجو بشراء النفط الفانزويلي نهاية يناير 2026 لأول مرة منذ عام 2019 بعد أن قطعت صلتها بالشركة الأم PDVSA إبان إعادة إنتخاب مادورو رئيساً للبلاد ورفض واشنطن الإعتراف به فائزاً شرعياً. وقد اشترت سيتجو بالفعل شحنة أولى من النفط الفانزويلي بعد الهجوم العسكري الامريكي بلغت حوالي 500 ألف برميل نفط خام من شركة ترافجورا على أن يتم تسليمها فبراير الحالي.
إضافة لسينجر، يقع في مرمى اهتمام ترامب شخصيات جدلية تنتمي لفصيلة المستشكفين المغامرين في مجال النفط والذين يخاطرون في الحفر في أماكن نائية طمعاً بتحقيق مرابح ضخمة دون أن يملكوا معدات معقدة وقادرة على التعامل مع النفط الثقيل كذلك الموجود في فانزويلا.
وبينما يهدد النفط الفانزويلي الذي من المتوقع أن يغرق الأسواق الأمريكية قريباً بمزيد من المخاسر لهذه الفئة يظهر مستكشف مقرب من ترامب هو الملياردير هارولد هام، رئيس مجلس إدارة شركة كونتيننتال ريسورسز للنفط، حيث حضر هام اجتماع البيت الأبيض وسط استغراب من ممثلي الشركات الكبرى الحاضرين.
هام يعد أحد أكثر مستشاري ترامب الخارجيين نفوذاً في مجال النفط وأحد المقربين من الإدارة الحالية كما أنه أحد كبار المتبرعين لها إذ سهّل للإدارة الحصول على مبلغ مليار دولار أمريكي إبان الحملة الإنتخابية الثانية لترانب مقابل التعهدات المتعلقة بزيادة مرابح النفط في البلاد. وقد وصفه ترامب بأنه جدير بالثقة فيما يتعلق بسياسات الطاقة. يسعى هام حالياً للخروج من عنق الزجاجة فيما يتعلق بمستكشفي النفط غير القادرين عادة على التعامل مع مخاطر سياسية وأمنية معقدة كتلك التي في فانزويلا ليضمن لنفسه وشركته قطعةً مهما صغرت من كعكة النفط الفانزويلي.
كما ينضوي تحت لواء صغار المستثمرين الذين يرون في حقول النفط الفانزويلية إمكانية تحقيق عوائد مغرية مدراء تنفيذيون لصناديق تحوّط ثانوية وقليلة الشهرة تعمل بعيداً عن الأضواء ولا تخضع تحركاتها لإجراءات التبليغ للمساهمين وجهاتها التمويلية. تعمل هذه الصناديق كجهات استعمارية صغيرة سرعان ما أرسلت مبعوثيها وممثلي بنوكها التمويلية للبحث عن فرص استحواذ على المعدات والعقار بأسعار زهيدة مستغلة الفوضى العارمة التي تبعت العملية العسكرية الأمريكية.
صندوق تحوط شركة تريبيكا الإستثمارية الأمريكية واحد من هذه الصناديق حيث صرح مديره بن كليري أن ما يجري في فانزويلا “حمى ذهب هائلة حيث يرسل كل بنك ممثليه إلى هناك”.
المال أولاً لا أمريكا
لا تنحصر أحلام ترامب بإستثمار سريع في حقل النفط الفانزويلي بالشركات الأمريكية الكبرى؛ بل ربما تكون شركات النفط الأوروبية واللاتينية المتواجدة في فانزويلا قبل العملية الامريكية أكثر جدوى في تحقيق تلك الأحلام من الشركات الأمريكية التي تختبر ضغطاً متزايداً من مساهميها بسبب مخاوف الجدوى والقيود اللوجستية المتعددة.
على رأس هذه الشركات تأتي ريبسول شركة النفط الإسبانية وإني شركة النفط الإيطالية اللتان تحافظتا على ممتلكات ضخمة في الولايات المتحدة ضمنت لهما مقعداً في اجتماع البيت الأبيض. وهي شركات تعمل في فانزويلا وموجودة على الأرض بمعدتها وقدرتها على مضاعفة الإنتاج سرعة وبدون كثير تردد.
View this post on Instagram
فسياسة ترامب “أمريكا أولاً” التي تغنت بها الأبواق المنحازة للإدارة الأمريكية تعرضت لتحديات جمة في ملف النفط الفانزويلي؛ فبينما روّجت وكالات الإعلام الرسمية في الولايات المتحدة لشعار “شركات النفط الأمريكية أولا” تشي طبيعة التراخيص التي أصدرتها إدارة ترامب لشركات النفط الأمريكية وغير الأمريكية بخلاف ذلك؛ إذ أن شركتي إيني الإيطالية وريبسول الإسبانية اللتين سبق لإدارة ترامب فسخ تراخيصهما بإستبدال النفط بالغاز لسدّ مديونية كاراكس لهما العام الماضي ضمن سياسة محاصرة مادورو، عادتا ضمن التراخيص الجديدة لإمكانية المقايضة واسترداد الديون التي بلغت 6 مليارات دولار أمريكي.
غير أن هذه السياسة التي تمنح التساهيل لشركات النفط الأوروبية والأجنبية عموماً ليست لوجه الله؛ إذ ان كل عوائد الإستثمار في كاراكس وكافة المدفوعات لشركات النفط الفانزويلية يجب أن تمر عبر حسابات خاضعة للسيطرة الأمريكية كما تحكم القوانين الأمريكية العقود وفقاً لتلك التراخيص وتعدّ ملجأً لحل النزاعات المتولدة عنها. ما يجعل واشنطن المتحكم الأول بمردود استثمارات تلك الشركات ويربط التراخيص الممنوحة لها بحصة واشنطن من المدفوعات التي بلغت حتى اللحظة في أول عملية بيع للنفط الفانزويلي 40% مهيأة للزيادة في قابل الايام.
إضافة للشركات الدولية الناجعة استثمارياً لإدارة ترامب؛ هناك أيضاً الأنظمة الموالية والتي تسعى لنيل رضى الإدارة الأمريكية الحالية بينما تبحث في الآن ذاته عن صفقات توسعية تضمن لها موقعاً على الخارطة الدولية المتغيرة بسرعة. فقد ابدت شركة أبو ظبي الوطنية للنفط أدنوك نيتها البحث في إمكانية الدخول لسوق النفط الفانزويلية.
سوق فانزويلا الوعرة ليست اولى محاولات ابو ظبي لخطب ودّ ترامب؛ فقد أبدت أدنوك استعدادها فيما مضى للإستثمار في حقول الغاز في قطاع غزة تماشياً مع خطة ترامب الإستثمارية للقطاع. مدعية في مقترحها المقدم لواشنطن وتل أبيب أن بإمكانها توجيه الأرباح المتولدة من الإستثمار في حقول الغاز لصالح جهود إعادة إعمار القطاع.
وقد ابدت أدنوك حسّاً مغامراً حصد إعجاب الإدارة الأمريكية على خلاف عقلانية بعض كبريات شركات النفط الأمريكية؛ معتمدة في ذلك على عوائد منتوجها النفطي لتمويل عمليات الإصلاح وإعادة التأهيل خاصة في مجال الغاز الطبيعي في فانزويلا والذي يعادل ثلثي مخزون الغاز في أمريكا اللاتينية.
على صعيد دولي آخر، تلعب إدارة ترامب على حبل تشكيل نظام إقتصادي عالمي جديد تعيد فيه توجيه دفة النفط بعيداً عن كل من روسيا والصين بالدرجة الأولى وأنظمة معادية أخرى مثل نظام الخامنئي في إيران. ففي توجه جديد، فتحت واشنطن امام نيودلهي أبواباً مواربة لعودة الإستثمار في فانزويلا بعد أن كانت قد فرضت مارس الماضي تعرفة جمركية بنسبة 25% على الدول التي تستورد النفط من كاراكس كجزء من معسكر الضغط على مادورو.
إثر الدعوة الأمريكية، تعهد مودي في تواصل مباشر مع ديلسي رودريغز بفتح آفاق جديدة للعلاقات التجارية في حقل النفط بين البلدين في مقابل خفض النفط المستورد من روسيا بنسبة مئات الآلاف من البراميل يومياً خلال الاشهر القليلة التالية بعد أن كانت مستورداً رئيساً له منذ 2022 واستحقت بسبب ذلك زيادة في التعرفة الجمركية بنسبة 25% أخرى لتصل ل50% أثقلت كاهلها مؤخراً. تتهيأ الآن كل من شركة النفط الهندية IOC وشركة النفط أونجيك فيديش أكبر شركة هندية في مجال استكشاف وإنتاج النفط والغاز الطبيعي على المستوى الدولي لرفع استثماراتها في الطاقة الفانزويلية بعد أن كانت عقوبات واشنطن قد قيّدتها بصورة جلية منذ الفترة الرئاسية الأولى لترامب.
أخيراً، فإن تحركات إدارة ترامب المشبوهة في تقطيع الكعكة الفانزويلية لم تمر دون ملاحظة؛ فقد قام أربعة عشر نائباً من النواب الديمقراطيين في الكونجرس بقيادة النائب عن كاليفورنيا آدم سكيف والنائبة عن ماساشوستس إليزابيث وارن، بتوجيه رسالة شديدة اللهجة لكبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي واليز يطالبون فيها الإدارة بالكشف عن دائرة ترامب المقربة المهيأة للإستفادة من النفط الفانزويلي.
طالبت الرسالة وزراء ترامب وأعضاء إدارته بالكشف، في التقارير السنوية المنصوص عليها في قانون “أخلاقيات أعمال الحكومة” عن أي استثمارات شخصية أو علاقات مالية او مصالح جانبية تربطها بالشركات التي حضرت اجتماع البيت الأبيض في التاسع من يناير الماضي.
كما أكدت الرسالة على ضرورة كشف أعضاء الإدارة عن العلاقات التي تربطهم بالمقاولين والمتعاقدين الخاصين سواء في مجال النفط وخدماته أو في مجال العمليات الأمنية والعسكرية. مؤكدة أن أي شبهات حول هذه المصالح ستقود لتدقيق وفحص مستقبلي للكونجرس للتأكد من عدم وجود تربّح غير مشروع لشخص الرئيس والدائرة القريبة المحيطة به.