التقى وفد أميركي بصدام حفتر، نائب قائد قوات الشرق ونجل المشير خليفة حفتر، الأحد الماضي في بنغازي بليبيا، حيث قد يبدو الأمر كأنه الدبلوماسية الأمريكية المعتادة القائمة على “التواصل مع الجميع”.
غير أنه في الواقع، هذا اللقاء هو إشارة سياسية واضحة: الولايات المتحدة تحاول إعادة ترتيب حضورها في ليبيا، من دون اختيار فائز بشكل صريح؛ حيث تريد واشنطن التحدث مع طرابلس ومع بنغازي، ومع السلطة المدنية المعترف بها دوليًا، ومع السلطة العسكرية التي تسيطر على الأرض، والحدود، ومراكز الطاقة، وجزء حاسم من موازين القوى الداخلية.

إضافة إلى أن اختيار الاسم لم يكن عشوائيًا، فهو ليس لقاءً مع “الرجل القوي المُسنّ”، ولا مع مجرد مبعوث، بل تواصل مع جيل قادر على ضمان الاستمرارية العملياتية وفرض الانضباط على سلاسل القيادة. بعبارة أخرى: إذا بقيت ليبيا منقسمة، فإن واشنطن تريد على الأقل تفادي تحوّل هذا الانقسام إلى ثقب أسود غير قابل للإدارة.

النفط كلغة مشتركة
وتأتي زيارة بنغازي بعد محطة طرابلس، وبعد المشاركة في القمة الليبية للطاقة، حيث جرى الإعلان عن اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين شركات أميركية والمؤسسة الوطنية للنفط وهنا تكمن النقطة الجوهرية: الولايات المتحدة تستخدم قطاع الطاقة كرافعة للاستقرار وكعملة للمقايضة السياسية، حيث إن رفع الإنتاج إلى مستويات مرتفعة جدًا ليس مجرد وعد صناعي، بل هو رهان جيوسياسي؛ فزيادة الإنتاج تعني إيرادات أكبر وهوامش أوسع لشراء التوافق الداخلي، وتمويل الأجهزة، وتقليص إغراء إغلاق الموانئ النفطية وخطوط الأنابيب كورقة تفاوض على العوائد.
غير أن هذا يعني أيضًا عودة ليبيا لتصبح متغيرًا مؤثرًا في سوق المتوسط: فهي لا تحل محل مورّدين آخرين، لكنها تُغيّر مركز ثقل المفاوضات، وتُكسب الأسعار الإقليمية مرونة أكبر، وتمنح أوروبا خيارًا إضافيًا في سباق الطاقة الذي يزداد اضطرابًا وعدم قابلية للتنبؤ.
وهناك بُعد آخر كذلك: عندما تدفع واشنطن بشركاتها إلى الواجهة، فهي تبعث رسالة إلى اللاعبين الخارجيين الآخرين؛ فإلى باريس تقول: “نحن هنا أيضًا”؛ وإلى الإمارات ومصر تلمّح: “لستم الوحيدين الذين يتحدثون مع الشرق”؛ وإلى موسكو تُشير بوضوح: “الطاقة الليبية لا يجب أن تتحول إلى خزانة سياسية لمعسكر مناهض للغرب”.
الاستقرار «على مسارين»: الاقتصاد والجدول السياسي
ويبقى الخطاب العلني متمسكًا بالمصالحة والانتخابات. لكن في ليبيا، تظلّ الانتخابات هدفًا يُستحضر دائمًا ثم يُؤجَّل، لأن الأمر يتطلب أولًا حسم أسئلة جوهرية: من يضمن أمن مراكز الاقتراع؟ من يسيطر على السلاح؟ من يصدّق على النتائج؟
ولهذا تبدو الاستراتيجية الأميركية قائمة على مسارين متوازيين: من جهة، دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاستثمارات؛ ومن جهة أخرى، إبقاء العملية السياسية حيّة برعاية الأمم المتحدة.
وبالتوازي، تخدم الاتصالات مع بعثة الأمم المتحدة في الحفاظ على إطار من الشرعية الدولية من خلال خارطة الطريق، والحوارات «المنظمة»، وفكرة رأب الصدوع المؤسسية، وهو ما يمثل طريقة لطمأنة طرابلس بأن لا انقلاب في المواقف، وفي الوقت نفسه تذكير بأن الشرعية وحدها لا تكفي إذا لم تكن مقرونة بالسيطرة على الأرض والأجهزة.
“فلينتلوك” ودور القوات الخاصة
هنا تصبح المسألة ملموسة، فالتحضير لمناورات فلينتلوك 2026 في ليبيا ليس تفصيلًا تقنيًا عابرًا، بل هو توظيف مباشر للتدريب العسكري كأداة سياسية؛ حيث إن جمع قوات من الشرق والغرب، ولو ضمن دورة عملياتية محدودة، يعني محاولة خلق حدّ أدنى من قابلية العمل المشترك، ولغة مهنية واحدة، وسلسلة تنسيق مشتركة.
والهدف ليس توحيد الجيش فعليًا، بل تقليص احتمالات الاشتباك العرضي، ورفع فرص إدارة مشتركة لتهديدات مثل الإرهاب، والتهريب، والتسلل القادم من منطقة الساحل.
وعلى المستوى العسكري، فإن اختيار مناطق قريبة من خطّ الانقسام يحمل دلالة واضحة: أمن القلب الجغرافي لليبيا لا يمكن تركه للصدفة. والأهم أنه يعكس تصورًا غربيًا محددًا: أولًا يُفرض قدر من الانضباط الأمني، ثم يُحاول القفز سياسيًا، وهو منطق معاكس تمامًا لما ساد لسنوات في البيانات الرسمية: انتخابات أولًا، ثم مؤسسات؛ فالواقع الليبي كان دائمًا يكذّب هذا التسلسل.
إيطاليا: مكاسب ومخاطر المركزية العملياتية
وبالنسبة لروما، فإن فرضية لعب دور محوري في أنشطة القوات الخاصة تمثل سلاحًا ذا حدّين، فالمكسب واضح: إذا أصبحت إيطاليا عنصرًا لا غنى عنه في التخطيط والتنفيذ، فإن وزنها السياسي في الملف الليبي سيتعزز، كما ستزداد مصداقيتها على الجبهة الجنوبية، أي المسار الذي تتقاطع فيه قضايا الطاقة والهجرة. لكن هناك الوجه الآخر للعملة: فكلما زادت المركزية، زادت معها درجة الانكشاف، وإذا جرى تفسير هذه العمليات داخل ليبيا على أنها محاولة لـ”وضع اليد” على مسار داخلي، فقد يؤدي ذلك إلى تغذية الشكوك وإثارة ردود فعل سلبية. وإذا ما اختلّ التوازن بين الشرق والغرب، فإن إيطاليا قد تجد نفسها منخرطة في حقل ألغام، حيث يُفسَّر كل تحرك على أنه اصطفاف سياسي وانحياز لطرف دون آخر.
روسيا والنفوذ: معركة الشرق
ويظلّ الظلّ الطويل للحضور الروسي في إقليم برقة مسألة محورية، ليس لأن موسكو يجب أن تنتصر بالضرورة في ليبيا، بل لأن بنيتها القائمة على الأرض توفّر لحفتر مظلة أمان سياسية وعسكرية. وبالنسبة لواشنطن، فإن تقليص هذا الاعتماد لا يعني طرد الروس صباح الغد، بل جعل تنويع الرعاة خيارًا أكثر جدوى بالنسبة للشرق، وهنا يعود النفط، مرة أخرى، ليشكّل الجسر الأكثر قابلية للعبور. ومن هذا المنظور، فإن الغزل الأميركي لبنغازي هو عملية سحب تدريجي: سحب المساحة، وسحب الحصرية، وسحب إغراء تحويل الشرق إلى موطئ قدم دائم لقوى خارجية.
الدبلوماسية الإقليمية: تونس من دون ليبيا
وتكشف آلية التشاور بين تونس والجزائر ومصر، التي أُعيد تفعيلها بعد سنوات، معطى إضافيًا: فالمنطقة تحاول إدارة الملف الليبي بوصفه «مشكلة مشتركة»، لكن من دون حضور ليبيا إلى الطاولة، تخاطر هذه المقاربة بإنتاج حالة من الاستياء لا أكثر؛ فطرابلس، الهشّة أصلًا، لا يمكنها القبول بأن يُناقش مستقبلها كما لو كان ملفًا إداريًا، فالمسألة تتعلق بالسيادة الشكلية، لكنها في الوقت نفسه مسألة بقاء سياسي: من يحكم في طرابلس مطالب بإثبات أنه غير خاضع للوصاية. وهنا تبرز المفارقة البنيوية: الجميع يريد ليبيا مستقرة، لكن لا أحد يريد أن يترك للآخرين السيطرة على مسار تحقيق هذا الاستقرار.
الأصول المجمّدة: الرافعة المالية كأداة سياسية
ويشكّل ملف الأصول الليبية المجمّدة منذ سقوط النظام السابق ورقة ضغط هائلة أخرى؛ ففكّ تجميدها، ولو جزئيًا، يعني وضع قدرة إنفاق كبيرة في يد حكومة طرابلس، بما يسمح بتثبيت تحالفات داخلية ومكافأة شبكات الولاء. وفي بلد تُدار فيه السياسة غالبًا عبر توزيع الريوع والسيولة ورواتب القطاع العام، تصبح المالية سلطة خالصة، وهي أيضًا مجال تفاوض مباشر مع واشنطن: ليبيا تعرض استثمارات وعقودًا ونفاذًا إلى قطاع الطاقة؛ والولايات المتحدة يمكنها تقديم غطاء سياسي وقنوات لتحريك الأصول. لكن كل دولار يعود إلى الدورة الاقتصادية يعيد رسم موازين القوى الداخلية، وقد يدفع الشرق إلى التشدد إذا رأى في ذلك محاولة لتطويقه اقتصاديًا.
لماذا يهمّ الأمر: ليبيا كمقياس متوسطي
وتكتسب هذه القضية أهميتها لثلاثة أسباب رئيسية.
أولًا: الطاقة؛ فإذا نجحت ليبيا فعلًا في رفع الإنتاج وتثبيت التدفقات، فإن توازن المتوسط سيتغيّر، وستحصل أوروبا على ورقة إضافية في لعبة الاعتماديات المتشابكة.
ثانيًا: الأمن؛ حيث إن ليبيا قادرة، ولو جزئيًا، على تنسيق قواتها وتقليص الهشاشة على حدودها مع الساحل والسودان، وهو ما يعني مساحة أقل للتهريب والميليشيات والشبكات الجهادية؛ صحيح أنها ليست ضمانة مطلقة، لكنها تعني حدوث فارق حقيقي.
ثالثًا: جغرافيا النفوذ الجيوسياسي، فمن ينجح في أن يصبح «شريكًا لا غنى عنه» في ليبيا، يكتسب موطئ قدم على أكثر جبهات أوروبا حساسية: الجبهة التي تتقاطع فيها الطاقة والهجرة وتنافس القوى الكبرى وعدم الاستقرار الإفريقي.
خلاصة القول: اللقاء في بنغازي ليس مجرد مجاملة دبلوماسية؛ إنه محاولة أميركية للعودة إلى ساحة أُديرت، لسنوات، عبر وساطات ناقصة ورعاة خارجيين متنافسين. وعندما تعود الولايات المتحدة إلى النزول ميدانيًا في ليبيا، فإنها، عادةً، لا تفعل ذلك بدافع السياحة.
المصدر: ريبورت ديفيزا