شهدت الرياض مطلع فبراير/شباط 2026 لقاءً جديدًا بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، حمل رسائل إقليمية تتجاوز إطار البروتوكول الدبلوماسي.
فقد جاء تتويجًا لتقارب متسارع بين تركيا والسعودية بعد سنوات من الخصومة، وأسفر عن اتفاقات تعاون واسعة في مجالات الاقتصاد والطاقة والدفاع. غير أن هذا التحول اللافت في تحالفات الشرق الأوسط أثار في الوقت نفسه قلقًا متزايدًا في “تل أبيب”.
فالتعاون الوثيق الناشئ بين أنقرة والرياض، المدعوم ضمنيًا من واشنطن، لا يُنظر إليه في “تل أبيب” باعتباره شأنًا ثنائيًا فحسب، بل كجزء من شبكة تحالفات إقليمية آخذة في التشكل، قد تقوّض طموحات “إسرائيل” السياسية والاقتصادية وتحدّ من هامش تحركها الإستراتيجي.
خلفية التقارب ودوافعه
لم يكن ممكنا تخيل مشهد الترحيب الحار بأردوغان في الرياض قبل أعوام قليلة حين سادت القطيعة والتنافس الحاد بين أنقرة والرياض. فالعلاقة توترت بشدة بعد اغتيال الصحفي جمال خاشقجي عام 2018 وما تلاها من سجالات، فضلاً عن تضارب المواقف في ملفات إقليمية مثل مصر وليبيا.
إلا أن السنوات الأخيرة حملت انعطافة واضحة؛ إذ دفع تغيّر أولويات المنطقة الرياض وأنقرة إلى طي صفحة الخلافات. وترى “جيروزاليم بوست” العبرية أن تنامي التهديد الإيراني من جهة، والتوتر المكتوم بين السعودية والإمارات من جهة أخرى، عجّل بتقارب الرياض مع خصوم الأمس.
فالسعودية شعرت بتباعد في الرؤى مع الإمارات حول ملفات كاليمن والسودان، وباتت أقل ثقة بمسار “إسرائيل” الإقليمي بعد العدوان الأخير على غزة، إذ انتقلت نظرة الرياض إلى “تل أبيب” من شريك محتمل إلى منافس على النفوذ.

وقد كشفت تحليلات إسرائيلية أن المملكة، التي كانت متحمسة سابقًا للتطبيع، أعادت تقييم موقفها إثر حرب “إسرائيل” على غزة وسياساتها في سوريا وحتى حادثة الضربة الجوية في الدوحة العام الماضي، معتبرةً أن نهجها أصبح مصدر عدم استقرار للمنطقة.
في هذا السياق، وجدت الرياض في الانفتاح على أنقرة خيارًا استراتيجيًا بديلًا لتحقيق التوازن الإقليمي.
على الجانب الآخر، انتهجت تركيا سياسة المصالحة الشاملة مع القوى الإقليمية. فإلى جانب إصلاح العلاقات مع السعودية، أعادت أنقرة وصل ما انقطع مع مصر والإمارات في 2023-2024، وفتحت صفحات جديدة مع قطر و”إسرائيل” نفسها لفترة وجيزة قبل أن تتأزم مجددًا الأوضاع بسبب العدوان على غزة.
لكن النقلة النوعية جاءت مع سعي تركيا لبناء تحالفات أمنية ودفاعية غير تقليدية. فقد كشف تقرير لوكالة بلومبيرغ مطلع عام 2026 أن أنقرة دخلت في محادثات متقدمة للانضمام إلى اتفاق دفاعي مشترك بين السعودية وباكستان – الدولة الإسلامية النووية الوحيدة، في سبتمبر/أيلول 2025.
انضمام تركيا المحتمل لهذا التحالف الثلاثي الذي ينص على أن أي اعتداء على إحدى الدول يعد اعتداءً على الجميع، قد يضعها فعليًا تحت مظلة الردع النووي الباكستاني، الأمر الذي اعتبرته صحف عبرية تطورًا قادرًا على إمالة ميزان القوى الإقليمي بشكل جذري.
توسع النفوذ التركي وانعكاساته
يراقب صناع القرار في “إسرائيل” بقلق ما يرونه تمدّدًا متسارعًا للنفوذ التركي في الإقليم. ففي الساحة السورية، جاءت الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر 2024 لتكرّس الدور التركي لاعبًا رئيسًا في ترتيب البيت السوري الجديد.
وقد رحبت الرياض ضمنيًا بالتغييرات في دمشق ودعمت الإدارة السورية الجديدة فيما يخص تفاهمات دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مؤسسات الدولة، وهو ما يتوافق مع موقف أنقرة.
وسرعان ما سارعت تركيا إلى ترجمة هذا الواقع عبر تعزيز التنسيق الأمني مع دول الجوار العربي المباشر لسوريا: الأردن والعراق ولبنان.
- في مارس/آذار 2025 استضافت عمّان اجتماعًا أمنيًا غير مسبوق ضم مسؤولين من تركيا والأردن والعراق إلى جانب ممثلين عن دمشق الجديدة، بهدف تنسيق جهود مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الحدود.
- بتشجيع سعودي، أخذ هذا المسار يرسخ دور تركيا كضامن أمني إقليمي: فهي منخرطة في ترتيبات ما بعد الحرب على تنظيم داعش، وتطالب بتسليم سجناء التنظيم المحتجزين لدى الأكراد إلى السلطات السورية الجديدة المقرّبة منها.
- كذلك كثّف الأتراك تواصلهم مع بيروت، حيث عرض أردوغان دعم استقرار لبنان في اتصال مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، مؤكدًا وقوف أنقرة إلى جانب سيادة لبنان وأمنه.
- أما في العراق، فرغم الخلاف المزمن حول تواجد حزب العمال الكردستاني والتوغل التركي شمالًا، تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن أنقرة عززت العلاقات الأمنية والاقتصادية مع بغداد في مواجهة النفوذ الإيراني هناك.
هذا الانتشار التركي من بلاد الشام إلى الرافدين ترافق مع استدارة دبلوماسية ناجحة باتجاه القاهرة وأبوظبي. فتركيا أعادت سفيريها إلى كل من مصر والإمارات خلال 2024، وفتحت صفحة جديدة قائمة على المصالح المتبادلة. وفي الوقت نفسه، ظلت علاقات أردوغان مع قطر في أفضل حال، إذ تجمعهما شراكة وثيقة.
وبانضمام السعودية الآن إلى دائرة أصدقاء تركيا، تكون أنقرة قد صنعت شبكة علاقات تشمل كافة مراكز الثقل العربية تقريبًا – من الخليج إلى شمال أفريقيا.
هذا الواقع الجديد يعني أن تركيا أضحت حلقة وصل إقليمية تربط بين المشرق والمغرب العربي والقرن الأفريقي، مدعومةً بقوة المال السعودي وثقل باكستان العسكري، ومسنودةً أيضًا بتفاهمات مع واشنطن وموسكو في آن واحد.
شراكة اقتصادية عسكرية
لا يقتصر التحالف الناشئ بين أنقرة والرياض على التفاهمات السياسية، بل يمتد عميقًا إلى مجالات الاقتصاد والدفاع، بصورة تعزّز مكانة الطرفين وتنعكس ضمنيًا على حساب “إسرائيل”.
ويظهر الإنفوجراف التالي حجم التعاون الاقتصادي والدفاعي بين الجانبين على مدار السنوات الماضية والذي توج بتوقيع اتفاقيات جديدة خلال زيارة أردوغان الأخيرة.

هذه المشاريع والخطط والاتفاقيات ليست رمزية فحسب، بل تمثل أحد أكبر تدفقات الاستثمار الأجنبي في قطاع الطاقة التركي، ما يعكس ثقة الرياض باقتصاد تركيا ويمنح أنقرة دفعة تنموية تحتاجها بشدة. كما بحث الجانبان ربط شبكتي الكهرباء السعودية والتركية عبر مشروع إقليمي ضخم قد يغير خريطة نقل الطاقة في المنطقة.
وجرى الاتفاق أيضًا على مواءمة رؤية السعودية 2030 مع رؤية القرن التركي، لتعزيز التكامل في قطاعات البنية التحتية والتجارة غير النفطية والصناعات التحويلية.
أما في قطاع الدفاع، فتشير التقارير إلى أن السعودية باتت السوق الأكبر للصناعات العسكرية التركية الناشئة. هذه الصفقات تعزز قدرات المملكة العسكرية وتساهم في تنويع مصادرها إلى جانب الأسلحة الغربية. بالنسبة لتركيا، تُوفِّر هذه المصادر مصدرًا حيويًا للعملة الأجنبية.
لا يُعزِّز هذا التكامل الدفاعي الشراكة التركية السعودية فحسب، بل قد يُقلِّل أيضًا من فرص “إسرائيل” في الوصول إلى أسواق الدول الإسلامية على المدى الطويل.
يُحذِّر خبراء إسرائيليون من أنه إذا لبت تركيا الاحتياجات الأمنية لحلفائها، فقد تُغلق الباب أمام الصادرات العسكرية الإسرائيلية إلى أجزاء من آسيا وأفريقيا.
هذه المبادرات تهدد بتقويض مشاريع البنية التحتية الإسرائيلية المنافسة. إذ كانت “تل أبيب” تعوّل على لعب دور بوابة إقليمية للطاقة من خلال مشروع ممر الهند-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC) الذي أُعلن عنه في 2023، وكذلك عبر خطوط غاز شرق المتوسط والكابل الكهربائي البحري نحو أوروبا عبر قبرص واليونان.
لكن إن فضّلت الرياض الاستثمار في طرق تمر عبر تركيا وسوريا بدلًا من تلك التي تمر عبر “إسرائيل”، فسيؤثر ذلك سلبًا على مكانة “تل أبيب” الجيو-اقتصادية.
تشير دراسة عبرية إلى أن تهميش المسار الإسرائيلي سيُضعف مشروع IMEC الناشئ ويُفرغ اتفاقات أبراهام من كثير من مكاسبها الاقتصادية.
كما أن استمرار ضخ رؤوس الأموال السعودية في تركيا ومحيطها يعني تراجع فرص اجتذابها إلى مشاريع مشتركة مع “إسرائيل” مستقبلًا، وتقلّص احتمال بناء شراكة تقنية-أمنية عميقة بين “تل أبيب” والرياض كما كان يُأمل قبل سنوات.
المخاوف الإسرائيلية
تجمع التقديرات في “تل أبيب” على أن التقارب التركي السعودي يُشكل تحديًا مباشرًا لمكانة “إسرائيل” الإقليمية ويستوجب إستراتيجية مضادة.
فقد قالت صحيفة معاريف في تقرير لها أواخر يناير/كانون الثاني 2026 إن تعاظم التعاون العسكري والأمني بين أنقرة والرياض – إلى جانب تحسن علاقات تركيا بواشنطن – يثير مخاوف كبيرة في “إسرائيل”.
وعزت معاريف هذا القلق إلى حزمة تطورات متزامنة: فتركيا لا تعمّق صلاتها بالرياض فحسب، بل توسّع نفوذها في سوريا، وتقيم صلات أمنية وثيقة مع العراق والأردن ولبنان، وتسعى عبر ذلك إلى صياغة شبكة تحالفات إقليمية جديدة تجعل منها محورًا يربط الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، بتنسيق وثيق مع الرياض.
ومن منظور إسرائيلي، فإن محورًا كهذا – مع ما يُتداول عن احتمالات ارتباطه بقوة نووية باكستانية – من شأنه تقييد حرية حركة “إسرائيل” إقليميًا، وتضييق هامش مناوراتها في ملفات غزة وإيران وسوريا وترتيبات الطاقة.
وترى معاريف أن هذا المسار يعكس “سياسة واقعية وبراغماتية” يقودها أردوغان لبناء منظومة مصالح أمنية واقتصادية مشتركة مع السعودية، وهو ما تعتبره “تل أبيب” طوقًا إستراتيجيًا يطوّق مجال نفوذها، خاصة مع تلاقي مواقف أنقرة والرياض – وبدعم إسلام آباد – في معارضة السياسات الإسرائيلية والعدوان على غزة.
وقد تجلّى ذلك في تصريحات غاضبة خلال قمة منظمة التعاون الإسلامي أواخر 2025، وكذلك في البيان السعودي التركي المشترك خلال زيارة أردوغان الذي تضمن إدانة شديدة للعدوان الإسرائيلي على غزة وحصارها، مع مطالبة بتثبيت وقف إطلاق النار والتحرك نحو حل الدولتين.
وتعتبر الأوساط الإسرائيلية أن هذا التوافق يضفي شرعية إقليمية واسعة على خطاب إدانة “تل أبيب” بعدما كانت السعودية تاريخيًا أقل حدة تجاه “إسرائيل”.

وعلى المستوى الرسمي، جاء رد الفعل الإسرائيلي واضحًا. ففي 27 يناير/كانون الثاني 2026 عبّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ضمنيًا عن استياء “تل أبيب” من محور الرياض–أنقرة–الدوحة.
وردًا على سؤال حول فرص التطبيع مع السعودية، قال: “نتوقع ممن يريد السلام معنا ألا يشارك في جهود تقودها قوى أو أيديولوجيات ترفض السلام وتسعى للنيل من شرعية دولة إسرائيل”، وفق تعبيره.
وتعكس هذه التصريحات انزعاجًا إسرائيليًا من احتمال أن يتحول التقارب السعودي مع أنقرة وقطر إلى عقبة أمام توسيع اتفاقات أبراهام التطبيعية، أو محاولة لمواجهة النفوذ الإسرائيلي–الإماراتي الذي تصاعد بعد اتفاقات التطبيع.
ولمواجهة هذا الواقع المتغير، بدأت “إسرائيل” إعادة رسم تحالفاتها ميدانيًا، بتعزيز تعاونها الأمني مع خصوم تاريخيين لتركيا في شرق المتوسط؛ إذ أعلن جيش الاحتلال مطلع 2026 تكثيف تدريباته المشتركة مع اليونان وقبرص.
كما يدور الحديث في “تل أبيب” عن ضرورة تنويع مسارات التجارة والطاقة بعيدًا عن المحور التركي، عبر تطوير ممرات تمر بمصر والأردن والبحر الأحمر وصولاً إلى الهند وأفريقيا، مع تبنّي دبلوماسية أكثر مرونة للتكيف مع الشرق الأوسط الجديد وتحسين العلاقات مع قوى آسيوية صاعدة لموازنة النفوذ التركي في ساحات مثل أذربيجان وآسيا الوسطى.
وتضيف الأوساط الإسرائيلية أن ما يزيد القلق هو أن الولايات المتحدة تحت إدارة ترامب لم تُبدِ معارضة صريحة لهذا الحراك؛ فوفق بلومبيرغ يشترك حلفاء واشنطن (كالسعودية وتركيا) في تنامي الشكوك إزاء موثوقية الدعم الأمريكي، ما يدفعهم لبناء أطر أمنية ذاتية.
واستغلت أنقرة علاقاتها الجيدة مع ترامب للحصول على ضوء أخضر ضمني لدورها الإقليمي المتعاظم، حتى أنه لمح إلى إمكانية إعادة تركيا لمشروع مقاتلات إف-35 رغم اعتراض “تل أبيب”، وهو ما منح أردوغان هامشًا أوسع لترتيب أوراق المنطقة مع الرياض.