بدأت دول أوروبية مطلع فبراير/شباط 2026 خطوات غير مسبوقة للضغط على عمالقة شبكات التواصل الاجتماعي المتهمة بتصميم منصاتها لإدمان المراهقين والتحايل على الخوارزميات، والتضليل الإعلامي وخطاب الكراهية.
ومع دخول قوانين أوروبية جديدة حيّز التنفيذ، لم تعد القارة تكتفي بالغرامات الرمزية أو التوصيات، بل انتقلت إلى أدوات أشد صراحة: مداهمات، استدعاءات، ومحاولات لفرض مسؤولية جنائية على من يديرون المنصات، في مواجهة شركات أغلبها عابرة للحدود ومقرها الولايات المتحدة.
فرنسا.. مداهمة وتحقيقات مع “إكس”
ففي فرنسا، داهمت الشرطة مقر منصة إكس في باريس واستدعت مالكها إيلون ماسك في إطار تحقيق متسع بدأ في يناير/كانون الثاني 2025 حول شبهات إساءة استخدام الخوارزميات واستخراج مخادع لبيانات المستخدمين.
وبدأ التحقيق بعدما اتهم النائب إيريك بوثريل منصة إكس بأن خوارزمياتها المنحازة قلّصت تنوع المحتوى وحرّفت عملية معالجة البيانات، مشيرًا إلى تدخلات ماسك الشخصية في إدارة المنصة منذ استحواذه عليها عام 2022. وأوضح أن تغييرات المنصة أدت إلى انتشار محتوى سياسي “كريه”.
وبينما تخلّت المنصة عام 2025 عن أداة حماية الأطفال المعروفة باسم SAFER واعتمدت نظامًا داخليًا، يحقق الادعاء فيما إذا ساهم ذلك في تسهيل انتشار مواد الاستغلال الجنسي للأطفال عبر خوارزمية إكس وأداة جروك.
وعلى مدار 2025 توسّع التحقيق ليشمل أداة المنصة للذكاء الاصطناعي المسماة “جروك” (Grok)، خاصة بعد ظهور أدلة جديدة في أواخر ذات العام.
وتشير وثائق الادعاء الفرنسي إلى قائمة اتهامات خطيرة تشمل التواطؤ في حيازة وتوزيع صور استغلال جنسي للأطفال، وانتهاك الخصوصية عبر صور زائفة إباحية بتقنية التزوير العميق (deepfake)، وإنكار جرائم ضد الإنسانية، واستخراج احتيالي للبيانات والتلاعب بأنظمة المعالجة الآلية.
وجرى على إثر ذلك استدعاء ماسك والمديرة التنفيذية السابقة ليندا ياكارينو لجلسة استجواب “طوعية” في باريس خلال أبريل/نيسان 2026 بوصفهما مسؤولَي المنصة حين وقعت الانتهاكات.
بدورها، نفت شركة إكس جميع الاتهامات ونددت بالمداهمة بلهجة حادة، واصفةً إياها بأنها “استعراض تعسّفي للقوة” يهدف إلى تحقيق “أهداف سياسية غير مشروعة” عبر الضغط على إدارة الشركة في الولايات المتحدة.
من جانبه، علّق ماسك على عملية المداهمة بوصفها “هجومًا سياسيًا” صريحًا. ورد الادعاء العام بأن هذا التحقيق يهدف في نهاية المطاف إلى ضمان امتثال المنصة للقوانين الفرنسية طالما تعمل على الأراضي الوطنية، مشددًا على أنه لا أحد فوق القانون في فرنسا.
إسبانيا.. حزمة إجراءات صارمة
بالتزامن مع ذلك، أعلن رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز في نفس اليوم عن حزمة إجراءات صارمة لتنظيم وسائل التواصل، يرصدها الإنفوجراف التالي.

وقال سانشيز في كلمة له إن الحكومة “ستحمي الأطفال من عالم الإنترنت المتوحش” الذي بات برأيه “دولة فاشلة تُنتهك فيها القوانين وتُرتَكَب الجرائم بلا حسيب”.
تصريحات سانشيز تضمنت انتقادات مباشرة لماسك، إذ اتهمه باستخدام حسابه الشخصي في إكس لتضخيم معلومات مضللة حول قرار سيادي اتخذته حكومته مؤخرًا لتسوية أوضاع 500 ألف مهاجر غير نظامي يقيمون في إسبانيا ويساهمون في اقتصادها، مذكرًا بأن الأخير نفسه “مهاجر”.
أثارت هذه التصريحات حفيظة ماسك على نحو غير مسبوق، فردّ عبر حسابه بوابل من الإهانات الشخصية لرئيس الوزراء الإسباني، واصفًا إياه بدايةً بـ“المستبد والخائن لشعب إسبانيا” قبل أن يصعّد هجومه وينعته بعد نحو ساعة ونصف بـ“الفاشي الشمولي الحقيقي”.
هذا التراشق العلني بين رجل دولة أوروبية بارز ومالك منصة تواصل اجتماعي عالمية سلّط الأضواء على مدى التوتر الذي بات يشوب العلاقة بين بعض الحكومات الأوروبية وماسك شخصيًا.
لم تقتصر خطة إسبانيا على حظر القُصّر، بل أعلن سانشيز انضمام بلاده إلى تحالف عابر للحدود أطلق عليه اسم “ائتلاف الراغبين رقميًا” يضم 6 دول أوروبية تسعى لتنسيق جهود ضبط المنصات اجتماعيًا. ويُنتظر أن يعقد أول اجتماعاته قريبًا لصياغة آليات مشتركة للتنظيم والرقابة عبر الحدود.
ما أهداف التصعيد؟
1- تشديد الضوابط لحماية الأطفال في أوروبا
لم تأت مبادرة إسبانيا بمعزل عن توجه أوروبي أوسع يضع حماية الأطفال والمراهقين في صلب تشريعاته الجديدة الخاصة بالتواصل الرقمي.
- أقرّت الجمعية الوطنية في فرنسا (الغرفة السفلى للبرلمان) أواخر يناير/كانون الثاني 2026 مشروع قانون لحظر انضمام من هم دون 15 عامًا إلى شبكات التواصل. ويُفترض – في حال اكتمال إقراره نهائيًا – أن يبدأ تطبيقه مع بداية العام الدراسي المقبل (سبتمبر/أيلول 2026).
- تدرس بريطانيا إجراءات مشابهة لمنع المراهقين الصغار من ارتياد المنصات الإلكترونية دون رقابة.
- في اليونان، أكد مصدر حكومي رفيع أنها باتت “قريبة جدًا” من الإعلان عن حظر استخدام الشبكات لمن هم دون 15 عامًا أسوةً بجارتيها.
هذه الموجة التشريعية الأوروبية تستلهم إلى حد كبير تجربة أستراليا الأخيرة، التي كانت أول دولة في العالم تحظر تمامًا وصول من هم أقل من 16 عامًا إلى وسائل التواصل في قرارها المتخذ في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وقد أظهرت بيانات الهيئة الأسترالية لتنظيم الإنترنت تأثيرًا واسعًا لهذا القرار، حيث تم تعطيل قرابة 5 ملايين حساب لمراهقين خلال أسابيع قليلة من بدء سريان الحظر.
وفي إسبانيا نفسها، يحظى توجه الحظر بتأييد شعبي كبير؛ إذ بيّن استطلاع دولي أجرته مؤسسة إبسوس عام 2025 أن 82 ٪ من الإسبان يؤيدون منع من هم دون 14 عامًا من استخدام المنصات (مقارنةً بـ73 ٪ فقط عام 2024).
يعزو مؤيدو هذه الإجراءات صرامتها إلى تزايد القلق من تأثيرات المنصات على الصحة النفسية للنشء، بدءًا من الإدمان واضطرابات التركيز وصولًا إلى تفشي التنمر الإلكتروني والاستغلال.
ورغم أن منصة إكس تصدرت العناوين مؤخرًا، لكنها ليست الهدف الوحيد ضمن هذه الحملة الأوروبية المتصاعدة. إذ باتت منصات أخرى تحت مجهر السلطات أيضًا، من بينها تيك توك ومنصتي شركة ميتا (فيسبوك وإنستغرام).
وسبق أن غرّمت الجهات التنظيمية الأوروبية شبكة إنستغرام مبلغًا قياسيًا يناهز 405 ملايين يورو عام 2022 بسبب إخفاقها في حماية خصوصية الأطفال، إثر تحقيق كشف سماح المنصة لمن هم بين 13 و17 عامًا بإنشاء حسابات تعرض معلوماتهم الشخصية للعلن.
كما تواجه ميتا حاليًا ضغوطًا للتقيّد بقوانين أوروبية جديدة تمنع استهداف القاصرين بإعلانات مخصصة دون موافقة مسبقة، ما أجبرها على استحداث اشتراكات مدفوعة خالية من الإعلانات للمستخدمين الأوروبيين كخيار بديل امتثالًا لقواعد الاتحاد.
2- مكافحة التضليل والمحتوى الضار
إلى جانب حماية القُصَّر، تدفع مخاوف التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية الحكومات الأوروبية نحو تشديد القبضة التنظيمية على المنصات.
إذ تتوجه أوروبا لمساءلة عمالقة التواصل عن المحتوى الذي يُنشَر عبرها، خصوصًا بعد ما شهدته السنوات الأخيرة من استغلال تلك المنصات لبث أخبار كاذبة أثرت على الرأي العام وأشعلت توترات اجتماعية وسياسية في القارة.
من الأمثلة الحديثة التي دفعت أوروبا للتحرك، فضيحة المحتوى الإباحي الزائف عبر أداة جروك على منصة إكس. فقد تفجرت موجة غضب شعبي ورسمي في يناير/كانون الثاني 2026 عقب تقارير تفيد بأن هذا الشات بوت ولّد صورًا إباحية مزيفة لأشخاص حقيقيين دون موافقتهم، بينهم أطفال.
ووُصفت المنصة الرقمية إثر ذلك بأنها “فضاء خارج عن القانون” يسمح بانتهاك كرامة الأفراد، مما عجّل بفتح تحقيقات أوروبية متتالية.
بالفعل، أعلنت المفوضية الأوروبية أواخر يناير/كانون الثاني، فتح تحقيق للتأكد مما إذا كانت منصة إكس نشرت محتوى غير قانوني يخالف لوائح الاتحاد الجديدة، وذلك بعد استياء عام من انتشار صور جنسية مزيفة عبر جروك.

وبالتوازي، بدأ المجلس البريطاني لتنظيم الإعلام (Ofcom) تحرّكًا ضمن صلاحياته الجديدة للتقصي حول تقاعس إكس في احتواء خطر الصور الزائفة المسيئة المنتشرة عليها. كما أطلق مكتب مفوض المعلومات البريطاني تحقيقًا رسميًا حول انتهاك أداة جروك لقوانين حماية البيانات الشخصية وإنتاجها محتوى جنسيًّا ضارًا.
هذه التطورات تعكس فلسفة أوروبية مغايرة للنهج الأمريكي التقليدي حيال تنظيم الإنترنت. فبينما تمتعت منصات التواصل لعقدين بحصانة واسعة بدعوى حرية التعبير في الولايات المتحدة، ترى أوروبا اليوم أن حرية العالم الرقمي ينبغي أن تقف عند حدود القانون.
وقد صرّح سانشيز بوضوح أن سيادة إسبانيا الرقمية فوق كل اعتبار: “وسندافع عنها ضد أي تدخل أجنبي”. ويسعى الأوروبيون عبر قوانين جديدة – مثل قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي (DSA) – إلى إلزام المنصات الكبرى بإجراءات شفافة لحذف المحتوى غير القانوني خلال مدد محددة والإفصاح عن كيفية عمل خوارزمياتها وترتيبها للمعلومات.
المواجهة الرقمية إلى أين؟
تكشف هذه المواجهة المتصاعدة عن توترات سياسية وجيوسياسية بين أوروبا من جهة والولايات المتحدة وكبار رجال التقنية من جهة أخرى.
فاستدعاء فرنسا لإيلون ماسك – رجل الأعمال الأمريكي وأحد أثرى أثرياء العالم – للتحقيق، ترافق مع تأكيد من الإعلام أن الخطوة قد تفاقم حدة الخلاف عبر الأطلسي حول تنظيم التكنولوجيا وحرية التعبير الرقمية.
وسبق لماسك أن ندّد بما أسماه “تحقيقًا ذا دوافع سياسية” حين توسع التحقيق الفرنسي في يوليو/تموز 2025. كما اعتبر في تصريحاته الأخيرة أن ما يجري “صراع قيم”، مصوّرًا نفسه كمدافع عن حرية الإنترنت المطلقة في مواجهة ما يراه نزعة أوروبية رقابية خانقة.
في المقابل، تؤكد الحكومات الأوروبية أنها تتحرك دفاعًا عن سيادة القانون ومصلحة شعوبها، وترفض تصوير الأمر كمعركة ضد حرية التعبير.
وأثارت الموجة الأوروبية الحالية تساؤلات حول ما إذا كانت ستشكل سابقة عالمية في كبح جماح وسائل التواصل. فبعض الدول بدأت بالفعل تقتفي أثر أوروبا وأستراليا.
فعلى سبيل المثال، ناقشت الهند مؤخرًا سياسات تفرض قيودًا عمرية على الوصول للمنصات الرقمية، في حين شرعت ولايات أمريكية مثل يوتا في سنّ قوانين تُلزم المراهقين بالحصول على موافقة أبوية لاستخدام الشبكات الاجتماعية – رغم أن هذه المحاولات تواجه تحديات قضائية بشأن دستوريتها داخل الولايات المتحدة.
وبينما تنظر حكومات عديدة بقلق إلى تأثيرات تيك توك وفيسبوك على مجتمعاتها، تراقب أيضًا كيفية نجاح الدول الأوروبية في تطبيق القواعد الجديدة عمليًا.
فقد أظهرت تجربة أستراليا أن التنفيذ التقني ليس سهلاً تمامًا؛ إذ حذرت شركات مثل سناب شات من ثغرات في أنظمة التحقق العمري قد تقوّض أهداف الحظر، ناهيك عن احتمال تحول الشباب إلى منصات غير خاضعة للتنظيم أو استخدام تطبيقات مراسلة مشفّرة هروبًا من الرقابة.
على الرغم من هذه التحديات، يبدو أن أوروبا عازمة على المضي قدمًا في رسم ملامح حقبة جديدة من التنظيم الرقمي الصارم. فنجاح التحالف الأوروبي المزمع في تنسيق سياسات الإشراف على المحتوى عبر الحدود، وإصرار العواصم الأوروبية على فرض امتثال الشركات العملاقة لقوانينها المحلية، قد يدفعان نحو إعادة تشكيل علاقة المجتمعات بتلك المنصات على المدى البعيد.
وإن كُتب لهذه الموجة التنظيمية أن تنجح في تقليص الأضرار الناجمة عن التواصل الاجتماعي دون خنق فوائده، فقد تصبح نموذجًا تحتذي به دول أخرى تسعى لتحقيق التوازن بين حرية الفضاء الإلكتروني وأمن المجتمع.