ترجمة وتحرير: نون بوست
هذا الشهر، اعتلى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وأعطى رأيه بشكل صريح في النظام الدولي.
جادل كارني بأن الدول الغربية ازدهرت لعقود من الزمن استنادا إلى نظام قائم على القواعد، مع علمها التام بنفاقه، حيث رفعت دول الغرب شعارات الليبرالية دون أن تلتزم بها، وروّجت للتجارة الحرة لكنها طبّقتها بشكل انتقائي، وتحدثت بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان لكنها اعتمدت معايير مزدوجة بين الحلفاء والخصوم.
وأقرّ كارني: “شاركنا في الطقوس، وتجنبنا إلى حد كبير مواجهة الفجوة بين الخطاب والواقع”.
كان هذا النظام مقبولاً لأنه وفّر الاستقرار، ولأن القوة الأمريكية قدمت رغم معاييرها المزدوجة المنافع العامة التي اعتمدت عليها الدول الغربية الأخرى. لكن على حد تعبير كارني “لم يعد هذا الاتفاق مجديا”.
هذه “القطيعة” في النظام الدولي، كما وصفها كارني، تنبع من انهيار ذلك التفاهم. فالدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، لا تتخلى فقط عن القواعد التي دعمت النظام الدولي، بل أيضًا عن الادعاء بأن ممارساتها يجب أن تستند إلى المبادئ.
كارني محق في أن شيئًا جوهريًا قد تغيّر. لكن حين يدعو القوى المتوسطة والناشئة إلى التوقف عن التظاهر بالولاء لنظام متهالك، فإنه يقلل من شأن ما سيختفي عندما يزول ذلك التظاهر.
أصرّ كارني على أن الدول الأصغر، مثل كندا، ما زال بإمكانها التمسك ببعض القيم الليبرالية حتى مع تلاشي “النظام القائم على القواعد”. لكن يبقى من غير الواضح كيف يمكن للقوى المتوسطة أن تنجح في مثل هذه المهمة، وإذا كان من الممكن أن ينبثق أي نظام دولي قائم على القيم من الحطام الذي خلّفته الولايات المتحدة.
هذا أمر مقلق، فالعالم الذي لم تعد فيه الدول الكبرى تشعر بأنها مضطرة لتبرير أفعالها أخلاقيًا ليس أكثر صدقاً، بل أكثر خطورة. فعندما تُجبر القوى العظمى على تبرير سلوكها من الناحية الأخلاقية، تكتسب الدول الأضعف نفوذًا، إذ يمكنها أن تستند إلى المعايير المشتركة، وتستشهد بالقانون الدولي، وتطالب بالاتساق بين الخطاب والممارسات.
ولكن في غياب الحاجة إلى الحفاظ على وهم المبادئ كحد أدنى، تستطيع الدول الكبرى أن تفعل ما تشاء، وهي تدرك أنها لا يمكن أن تُقيَّد إلا بالقوة. هذه الفوضى التي يولّدها الوضع الجديد لن تستثني الأقوياء من عدم الاستقرار.
دور النفاق في النظام الدولي
لطالما لعب النفاق دورًا مزدوجًا في السياسة الدولية. فقد ولّد الاستياء وانعدام الثقة بين القوى العالمية، لكنه في الوقت نفسه قيّد القوة بجعل الدول مسؤولة عن المعايير الأخلاقية التي تزعم التمسك بها. وخلال الحرب الباردة، برّرت الولايات المتحدة دورها القيادي في النظام الدولي باستخدام لغة الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى وإن كانت أفعالها أدنى بكثير من تلك المبادئ.
لم يمر ذلك النفاق من دون اعتراضات، حيث استند الحلفاء ودول عدم الانحياز مرارًا وتكرارًا إلى الخطاب الأمريكي لانتقاد سلوك الولايات المتحدة والمطالبة بمزيد من الاتساق بين المبادئ التي كانت ترفعها وما كانت تفعله على أرض الواقع. وقد أسفر هذا الضغط عن نتائج ملموسة.
على سبيل المثال، أدّى التدقيق الداخلي والدولي إلى فتح تحقيق برلماني عام 1975 بإشراف لجنة تشرتش، يتعلق بممارسات أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بما في ذلك عملياتها السرية في الخارج. وقد أعادت نتائج اللجنة تشكيل آليات الرقابة على أنشطة الاستخبارات الأمريكية، ورفعت من مكانة حقوق الإنسان لتصبح مبدأ أساسيًا في قرارات السياسة الخارجية.
استمر ذلك الضغط في حقبة ما بعد الحرب الباردة. عندما اجتاحت الولايات المتحدة العراق عام 2003، برّرت الحرب استنادا إلى القانون الدولي وأسلحة الدمار الشامل. لكن تلك الحجج انهارت لأن الأسلحة لم تظهر أبدا.
كان رد الفعل الدولي على الغزو قويا لأن واشنطن زعمت أنها تعمل ضمن نظام قائم على القواعد. برزت ديناميكية مشابهة لاحقًا حول استخدام الولايات المتحدة للطائرات المسيّرة في عدة دول. ومع توسّع برنامج الطائرات المسيّرة الأمريكي في ظل إدارات متعددة، استند المحامون الدوليون والحلفاء ومنظمات المجتمع المدني إلى التزامات أمريكا بالإجراءات القانونية الواجبة وسيادة القانون للمطالبة بالمحاسبة على عمليات القتل. ردّت واشنطن بتطوير مبررات قانونية، وتضييق معايير الاستهداف، وقبلت قدرا أكبر من الرقابة السياسية بشأن كيفية وأماكن استخدام الضربات بالطائرات المسيّرة.
لم تكن القيود التي فرضها هذا النفاق مجدية بشكل كامل، حيث بقيت القوة الأمريكية مهيمنة، لكن الالتزام بالتبريرات للحفاظ ظاهريا على المبادئ أوجد نوعا من التوازن. منح النفاق الدول الأضعف لغة للمقاومة، وجعل سلوك القوى العظمى خاضعًا، ولو بشكل غير كامل، لشيء يتجاوز المصالح المجرّدة.
أمريكا بلا مبادئ
تراجعت هذه الديناميكية بشكل حاد في السنوات الأخيرة. السمة المميزة للوضع الراهن ليست انتهاك الولايات المتحدة للمبادئ التي دافعت عنها سابقًا، بل تخليها بشكل متزايد عن تبرير أفعالها بتلك المبادئ. بينما كانت الإدارات السابقة تُغلّف قوة الولايات المتحدة بلغة القانون والشرعية والقيم الليبرالية العالمية، تُدافع واشنطن الآن عن سياستها الخارجية بلغة نفعية بحتة.
كان هذا التحول واضحًا خلال ولاية ترامب الأولى. عندما انسحب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، لم يزعم ترامب أن طهران انتهكت الأعراف الدولية أو أن الاتفاق يُهدد الاستقرار الإقليمي، بل وصفه ببساطة بأنه اتفاق سيء للولايات المتحدة.
وبالمثل، عندما سُئل عن جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، دافع عن استمرار العلاقات الأمريكية مع السعودية، لا بالاستناد إلى الضرورة الاستراتيجية، بل بالإشارة إلى مبيعات الأسلحة والوظائف التي أفادت الولايات المتحدة ماليًا. في كلتا الحالتين، لم تنكر واشنطن الحقائق، بل أنكرت الحاجة إلى أي تبرير أخلاقي.
في ولايته الثانية، تخلى ترامب تمامًا عن لغة التبرير. فعندما هدد الدنمارك وسبع دول أوروبية حليفة أخرى بفرض رسوم جمركية بسبب معارضة محاولته ضم غرينلاند، لم يصوّر النزاع من منظور المصالح المشتركة أو التزامات التحالف، بل قدّمه صراحةً كورقة ضغط، وخطوة تفاوضية لانتزاع تنازلات على الأرض.
وفي فبراير/ شباط 2025، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، ليس من باب الطعن في سلطتها القانونية، أو اقتراح إطار بديل للمساءلة، بل لأن المحكمة الجنائية الدولية حققت مع حليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لعلّ أبرز مثال على ذلك، عندما سُئل ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز مطلع يناير/ كانون الثاني عما إذا كان الرئيس الصيني شي جين بينغ قد يتخذ إجراءً ضد تايوان، أجاب بأنه على الرغم من أن مثل هذا العدوان سيجعله “مستاءً للغاية”، إلا أن القرار يعود إلى شي.
هذه ليست انتهاكات لمبادئ معلنة تستند إلى الضرورة أو غاية أسمى، بل هي مجرد تأكيدات صريحة على التمسك بالمصالح، خالية من أي ادعاء بالالتزام بالمبادئ.
إن رفض واشنطن الاستناد إلى المبادئ عند صياغة سياستها الخارجية يُغيّر جذريًا قواعد التنافس بالنسبة للدول الأضعف. قد ينتقد البعض سياسات ترامب باعتبارها فجة أو أنانية، لكنهم يجدون صعوبة في اتهام الرئيس الأمريكي بالنفاق.
لا يوجد أي تناقض بين المبادئ والممارسات عندما يتم التخلي تماما عن ادعاء الفضيلة. لم تعد القوة تستند إلى مبادئ عالمية، بل تقوم على المصالح فحسب. والنتيجة ليست مجرد أسلوب دبلوماسي أكثر غلظة، بل تحول في الأسس الجوهرية التي تعمل بها القوة الأمريكية، والأخطر من ذلك، في كيفية مقاومتها.
ثمن التخلي عن النفاق
للوهلة الأولى، يبدو التخلي عن المبررات الأخلاقية حلاً لمشكلة مزمنة. فإذا كان النفاق يقوض المصداقية ويؤدي إلى ردود فعل عنيفة، فإن رفض تقديم ادعاءات أخلاقية قد يبدو وسيلة أكثر فعالية لممارسة النفوذ. دون الاستناد إلى مبادئ عالمية، تقلّ التكاليف المترتبة على السمعة عندما تسود المصالح المادية والسياسية بشكل صريح.
يرحب بعض المراقبين بهذا التحول. فقد جادل سيلسو أموريم، أحد كبار الدبلوماسيين البرازيليين، بأنه “لا وجود للنفاق” مع ترامب، بل “الحقيقة المجردة والصريحة” التي تسمح للدول بالتفاوض دون أوهام حول دوافع الولايات المتحدة الحقيقية.
لكن للفعالية ثمن. فعندما لا تشعر القوى العظمى بأنها مضطرة لتبرير سلوكها، تتحول النزاعات التي كانت تُثار سابقًا في سياق الجدل حول الشرعية إلى اختبارات للنفوذ. تُعد العقوبات مثالًا بارزًا على ذلك.
في ظل النظام القديم، كان يُتوقع من الدولة التي تفرض العقوبات أن تشرح كيفية ملاءمة إجراءاتها لانتهاكات محددة، ومدى توافق تلك العقوبات مع القواعد الدولية المشتركة.
عندما تفاوضت إدارة أوباما على الاتفاق النووي مع طهران عام 2015، وثّقت انتهاكات إيران لالتزامات معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وقرارات مجلس الأمن الدولي، مُقدّمةً الاتفاق كإطار قانوني خاضع للتدقيق.
أما اليوم، بإمكان أي قوة عظمى فرض عقوبات لمجرد تعزيز مصالحها. على سبيل المثال، فرض ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50٪ على الهند في أغسطس/ آب 2025، ليس لانتهاكها اتفاقية تجارية، بل بسبب غضبه من رفض نيودلهي عرضه بالتوسط خلال التوترات مع باكستان.
في مثل هذا النظام، يحلّ التفاوض محلّ الإقناع، ويعتمد الامتثال على الإكراه أكثر من اعتماده على الرضا. تفقد السياسة الدولية لغة التفاوض لحل النزاعات، ما يسمح للأطراف الأقوى بتحديد النتائج وفقا لمصالحها.
قد يبدو هذا التحوّل قابلاً للإدارة بالنسبة للدول الأقوى التي تستطيع بسهولة فرض التكاليف وتحمّل ردود الفعل. لكنه في الواقع أكثر زعزعةً للاستقرار بالنسبة للنظام العالمي ككل. في غياب النفاق الذي يقيّد ممارسات الدول الكبرى، تقل الضوابط ومؤسسات الوساطة التي تكبح جماح القوة، وتنشأ سلاسل هرمية مجردة يصعب فيها الحفاظ على التعاون، ويزداد فيها احتمال تصاعد الصراعات.
القوى الوسطى والتحولات الكبرى
لا تتحمل جميع الأطراف تكاليف هذا التحول بشكل متساوٍ. تتجاوز التداعيات منافسي الولايات المتحدة لتضرّ بالمصالح الأمريكية نفسها.
ومن أبرز هذه التداعيات ما يظهر جليًا في علاقة الولايات المتحدة مع دول الجنوب العالمي. ففي ظل اختفاء المعايير المشتركة والمبررات الأخلاقية، بات من الصعب على واشنطن إدارة النزاعات عبر المؤسسات بدلًا من الاعتماد على نفوذها. في معظم فترة ما بعد الحرب الباردة، سمح الاستناد إلى القواعد المشتركة لدول الجنوب العالمي بمواجهة ضغوط الولايات المتحدة دون أن تتحول النزاعات إلى مجرد اختبارات للقوة.
تُعدّ تجربة البرازيل خير مثال على ذلك. قاومت البرازيل طويلًا قواعد التجارة الحرة العالمية، ولكن ما إن تبنّت هذا النظام، حتى تعلّمت كيف تستخدم القواعد لصالحها. طعنت البرازيل، وهي من أكبر مُنتجي القطن في العالم، في دعم الولايات المتحدة للقطن في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، بحجة أن الدعم الأمريكي لهذه الصناعة محليا يُعدّ انتهاكًا لالتزاماتها بموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، ولجأت إلى آليات التقاضي التابعة للمنظمة. خسرت واشنطن القضية واضطرت لتقديم تنازلات.
دار النزاع ضمن إطار قانوني دولي مشترك ومقبول من الطرفين، حافظ على سلامة العلاقات ووسّع آفاق التجارة الثنائية.
قارن ذلك بسياسة الولايات المتحدة التجارية تجاه البرازيل اليوم. في عام 2025، فرض ترامب تعريفات جمركية شاملة على الصادرات البرازيلية، ليس استنادًا إلى انتهاكات تجارية، بل ردًا على تطورات سياسية داخلية في البرازيل، وتحديدًا الإجراءات القضائية ضد الرئيس السابق جاير بولسونارو، حليف ترامب السياسي الذي حاول دون جدوى الطعن في نتائج الانتخابات.
لم تلجأ البرازيل إلى قواعد التجارة متعددة الأطراف ردًا على هذا الإجراء، بل قلصت اعتمادها على الولايات المتحدة، وعززت علاقاتها التجارية مع الصين، وأشارت إلى أن احتياطياتها من العناصر الأرضية النادرة يمكن أن تصبح ورقة ضغط. لم تنخفض حدة التوتر بين البلدين إلا عندما مارست الشركات الأمريكية التي لها مصالح في البرازيل ضغوطًا على البيت الأبيض.
ينطبق التحول ذاته على علاقة الولايات المتحدة بأقرب حلفائها. على مدى عقود، قبلت دول مثل ألمانيا شراكات غير متكافئة مع واشنطن لأن المبادئ والقواعد والمؤسسات المشتركة منحتها صوتًا في النظام الدولي. لم تقضِ التعددية على الهيمنة الأمريكية، لكنها خففتها.
استندت علاقة ألمانيا الغربية – ثم ألمانيا الموحدة منذ عام 1990 – مع الولايات المتحدة بعد الحرب إلى هذا المنطق. بفضل انخراطها العميق في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ونظام التجارة العالمي، اعتمد القادة الألمان على القانون والمؤسسات والإجراءات لإدارة عدم التكافؤ مع واشنطن.
وُضعت الخلافات في إطار النقاشات ضمن النظام المشترك، وليس باعتبارها نزاعا على السلطة. عندما ضغطت الولايات المتحدة على حكومة ألمانيا الغربية لتقييد صادرات التكنولوجيا النووية إلى الدول النامية في سبعينيات القرن الماضي، قبلت بون بالقيود من خلال معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ومجموعة الموردين النووية، وخضعت لمعايير عدم الانتشار التي كانت مشتركة بين البلدين. مكّنها هذا النهج من مقاومة الهيمنة الأمريكية بشكل انتقائي مع الحفاظ على مكانتها كحليف رئيسي للولايات المتحدة.
مع توقف واشنطن عن تبرير سلوكها بالاستناد إلى القيم والمعايير الليبرالية، اختل هذا التوازن. صاغ ترامب الضغوط الأمريكية على ألمانيا بأسلوبٍ نفعيٍّ واضح: فقد تم تبرير الرسوم الجمركية بأنها وسيلة ضغط، ورُبطت التهديدات بفرض عقوبات ثانوية بملف الطاقة، وتحوّلت الالتزامات الأمنية إلى خدمات حماية.
كان رد ألمانيا هو تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، وتعزيز سياستها الصناعية في الإطار الأوروبي، والاستثمار في استقلاليتها في مجالي الطاقة والدفاع، وتنويع شراكاتها مع دول أخرى. تعمل برلين على تحصين نفسها ضد عالمٍ تُمارس فيه الولايات المتحدة نفوذها من خلال الضغوط، وليس القواعد المشتركة، ويصبح فيه الاعتماد على واشنطن نقطة ضعف.
تواجه كندا مأزقًا مشابهًا. فقد هدد ترامب كندا بفرض رسوم جمركية عقابية، وطالبها بالتخلي عن سياستها المستقلة في مجال الطاقة لتعزيز المصالح الأمريكية. والأدهى من ذلك، أن ترامب اقترح مرارًا وتكرارًا أن تصبح كندا الولاية الأمريكية الحادية والخمسين.
على غرار ألمانيا، بدأت كندا بتقليل اعتمادها على واشنطن، وسرّعت جهودها لتنويع شراكاتها التجارية وتعزيز علاقاتها مع قوى أخرى.
يسعى كلا البلدين إلى ما يمكن تسميته بالاستقلال الاستراتيجي، وهو محاولة للحفاظ على الاستقلالية في صنع القرار بعد أن تخلّت الولايات المتحدة عن الالتزام بالقيود التي تفرضها المعايير المشتركة. هذه هي تحديدًا الديناميكية التي وصفها كارني، في خطابه في دافوس، بأنها السمة المميزة للقطيعة الدولية الجديدة: فقد أجبر انهيار النظام القائم على القواعد أقرب حلفاء الولايات المتحدة على عدم التعامل معها كشريك ملتزم بمبادئ مشتركة، بل كقوة يجب التحوط منها، أو في حالة كندا، الدفاع عن النفس في مواجهتها.
وداعًا للمبررات الأخلاقية
بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تداعيات ابتعادها عن المبررات الأخلاقية وخيمة. هذا التخلي لا يُقوّض المزايا التي تتمتع بها فحسب، بل يُشجع حلفاءها على التنويع الاستراتيجي، ما قد يُؤدي إلى انهيار النظام الذي كانت تُسيطر عليه.
لم يكن الإنجاز الأهم للقوة الأمريكية هو الهيمنة بحد ذاتها، بل القدرة على ترجمة تلك الهيمنة إلى موافقة حقيقية من الدول الأخرى. قد تستمر التحالفات القائمة على المصالح، لكنها ستصبح أضعف وأقل قدرة على التعبئة عندما تشتد الحاجة إلى القيادة. عندما تختفي لغة المبادئ، تفقد الولايات المتحدة القدرة على جعل قوتها مقبولة لدى الآخرين.
قد يُفهم اختفاء النفاق على أنه تطور إيجابي، وتحوّل نحو الصدق، ونهاية للمعايير المزدوجة والتظاهر والخداع. لكن النفاق لعب دورًا هيكليًا في النظام الدولي الذي يُفكك الآن. من خلال ادعاء الالتزام بمبادئ مشتركة، وضعت الدول القوية نفسها في موقع المساءلة. منحت هذه الهشاشة الدول الأضعف قدرا من النفوذ، وسمحت للحلفاء بإدارة عدم التكافؤ، وساعدت في تحويل الهيمنة إلى أمر يمكن للدول الأخرى قبوله، حتى وإن كانت مستاءة منه.
بالتأكيد، هذه ليست دعوة لإعادة عالم لم يعد موجوداً. لم يكن النظام القائم على القواعد يوماً ملتزما بالمبادئ التي ادّعى أنها تحكمه، وكثيراً ما أسهم النفاق في إخفاء الظلم، بقدر ما قيّد القوة. ولكن من خلال التظاهر بالالتزام بالقيم العالمية، أقرت الدول القوية بأهمية تلك القيم.
وعندما لا تشعر الدول الكبرى بأنها مضطرة لتبرير سلوكها، يتدهور النظام الدولي الذي كان قائماً على القبول، ويتحول إلى نظام تتحكم فيه القوة دون قيود، مما يؤجج الصراعات ويجعلها أقل قابلية للاحتواء.
تكمن مفارقة النفاق في النظام الدولي في أنه قيّد القوة، حتى وهو يمنحها الشرعية. قد تكتشف الولايات المتحدة أن الهيمنة المطلقة أصعب استدامة من نظام معيب كان لدى الآخرين في يوم من الأيام سبب للإيمان به.
المصدر: فورين أفيرز
