شهدت رئاسة دونالد ترامب مواجهة معقدة لملفات الملياردير المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، تداخلت فيها علاقته الشخصية السابقة به مع ضغوط سياسية ووعده الانتخابي بكشف “الأسرار” التي تحيط بالقضية.
فعلى الرغم من تعهده بأن إدارته ليس لديها ما تُخفيه، وجد ترامب نفسه في موقف دفاعي أمام أنصاره وخصومه على حدٍ سواء مع تزايد التساؤلات حول سبب تغيّر موقف فريقه من نشر وثائق قضية إبستين.
الفضيحة تُلاحق إدارة ترامب الأولى
لفترة طويلة، جمعت ترامب وإبستين علاقات اجتماعية وثيقة؛ فقد شوهد الاثنان جنبًا إلى جنب في مناسبات عديدة خلال التسعينيات ومطلع الألفية من بينها حضور الملياردير المدان حفل زفاف الرئيس الحالي عام 1993.
حتى إن ترامب صرّح في نيويورك ماغازين عام 2002 عن إبستين قائلًا: “لقد عرفتُ جيف منذ 15 عامًا. رجل رائع… يُقال عنه إنه يحب النساء الجميلات بقدر حبي لهن، وكثير منهن في الجانب الأصغر سنًا”.

كما كشفت تقارير صحفية أن ترامب سافر على طائرات إبستين الخاصة عدة مرات في تلك الفترة. لكن الرئيس الحالي يدعي أنه أنهى صداقتهما منتصف العقد الأول من الألفية بعد خلاف مزعوم – إذ يدعي أنه طرده من منتجع مارالاغو “لأنه شخص مقزّز”.
ومع إعادة فتح ملف إبستين قضائيًا عام 2019، طفا على السطح دور أليكساندر أكوستا – الذي كان قد تولى عام 2008 بصفته مدعيًا فيدراليًا إبرام صفقة قضائية مخففة لصالح الملياردير المدان. ومع تصاعد الضغوط، قدّم هذا المسؤول في يوليو/تموز 2019 لتجنّب إحراج الإدارة.
بعد أيام، ألقي القبض على إبستين مجددًا في نيويورك بتهم الاتجار بالقاصرات. لكن التطور الأخطر جاء في أغسطس/آب 2019 عندما عُثر على الملياردير ميتًا في زنزانته بمانهاتن فيما اعتُبر “انتحارًا”.
وعود بكشف المستور في حملة العودة
عندما خاض ترامب حملته الرئاسية للعودة إلى البيت الأبيض في 2024، حرص على استغلال قضية إبستين لتعزيز صورة المحارب ضد دولة الظل (Deep State) في أعين أنصاره، واعدا برفع السرية عن كافة ملفات وزارة العدل المتعلقة به.
وبالفعل، بعد فوز ترامب وتنصيبه رئيسًا مطلع 2025، بادر إلى تعيين بام بوندي – المدعي العام السابق في فلوريدا – وزيرة للعدل (النائب العام)، وهي شخصية جمهورية معروفة ومن الدائرة المقربة للرئيس.
وفي 21 فبراير/شباط 2025، خلال مقابلة مع فوكس نيوز، سُئلت بوندي عن قائمة عملاء إبستين وما إذا كانت الوزارة ستنشرها، فردّت بالقول: “إنها جاثمة على مكتبي الآن للمراجعة”، مما رفع سقف التوقعات بعمل وشيك لكشف المحتوى السري لقضية الملياردير المدان.
وبعد أيام قليلة، في 27 فبراير/شباط، دعت وزارة العدل مجموعة من المدوّنين والنشطاء المحافظين إلى البيت الأبيض، حيث سلّمتهم مجلدات معنونة بـ”ملفات إبستين: المرحلة الأولى”. لكن تبيّن لاحقًا أن معظم ما فيها كان عبارة عن مواد سبق نشرها للجمهور.
تغيّر مفاجئ بعد ظهور اسم ترامب
مع دخول الربيع، بدأت نبرة الإدارة تتغيّر على نحو ملحوظ من الحماسة إلى التحفظ. ففي 8 مايو/أيار 2025، وجهت لجنة مهام مجلس النواب المعنية برفع السرية رسالة إلى المدعي العام بوندي تطالبها رسميًا بالإفراج عن كافة ملفات إبستين، وحددت السادس عشر من نفس الشهر مهلة نهائية.
مرّ الموعد دون استجابة من الوزارة وبلا أسباب واضحة. لكن تقريرًا نشرته وول ستريت جورنال كشف عن اجتماع جرى بالبيت الأبيض خلال مايو/أيار، أخبرت فيه بوندي ونائبها تود بلانش الرئيسَ ترامب بأن اسمه يظهر مرارًا في ملفات إبستين التي راجعتها وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي.
وحسب التقرير، أوضح المسؤولان لترامب أن هذه الملفات تحوي أيضًا مواد إباحية خاصة بالأطفال ومعلومات شخصية عن ضحايا، وبالتالي قررا بموافقة الرئيس عدم نشر أي وثائق إضافية منها. وافق الرئيس، وفق الصحيفة.
وجاء الإعلان الرسمي عن هذا التحوّل في 7 يوليو/تموز 2025، عندما أصدرت وزارة العدل ومكتب الـFBI بيانًا مشتركًا أفاد بأن المراجعة التي أجرياها لم تسفر عن أي دليل لوجود “قائمة عملاء” لدى إبستين أو أي معطيات تستوجب ملاحقة قانونية لأطراف أخرى غير متهمة وأنه أنهى حياته منتحرا.
لكن سُرعان ما تبيّن أن تسجيلات الفيديو تلك لم تكن كاملة، وأن ثمة لقطات مفقودة من اللحظات الحرجة قبيل وفاة إبستين، ما أثار حنق الكثير من المؤثرين اليمينيين الذين اتهموا بوندي ووزارة العدل علنًا بمحاولة التستّر.
وفي 12 يوليو/تموز، اضطر ترامب للتدخل والدفاع عن نفسه وتوجيه توبيخ ضمني لمؤيديه الغاضبين بالزعم أن هذه الملفات من صنع “خصومه السياسيين”.
وخلال يومي 24 و25 يوليو/تموز 2025، التقى تود بلانش نائب وزير العدل في السجن الفيدرالي، غيزلين ماكسويل، الشريكة الرئيسية لإبستين. وبعد نحو شهر نشرت وزارة العدل نص المقابلة لطمأنة الرأي العام بأن ماكسويل نفسها تُقرّ بعدم وجود قائمة سرية.
المثير أنه في الأول من أغسطس/آب 2025، أعلنت الوزارة نقلها من سجن فيدرالي في فلوريدا إلى مركز تأهيل مفتوح في تكساس، فيما فسر بانه ترقية في ظروف الاحتجاز ربما جاءت كمكافأة ضمنية لها على تعاونها.
الديمقراطيون يكشفون المزيد
على الجانب الآخر، استغل خصوم ترامب السياسيون كل فرصة لإبقائه في موقف دفاعي عبر تسليط الضوء على صلاته الماضية بإبستين.
في 8 سبتمبر/أيلول 2025، نشر الديمقراطيون في لجنة الرقابة بمجلس النواب ملفًا من 238 صفحة تضمن مقدمة كتبها إبستين بنفسه وإهداءات من أصدقائه، وأبرزها صفحة يُعتقد أن ترامب كتبها.
خلال جلسة في اللجنة القضائية يوم 17 سبتمبر/أيلول، أبرز النائب الديمقراطي جيمي راسكين هذه الصفحة أثناء استجوابه لمدير الـFBI كاش باتيل. وقد أنكر ترامب بشدة أن يكون هو من كتب أو وقع تلك الرسالة، معتبرًا أنها مزورة.
ثم في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، صعّد الديمقراطيون جهودهم فكشفوا دفعة من رسائل البريد الإلكتروني مصدرها ممتلكات إبستين المصادرة.
كشفت بعض هذه الرسائل تواصلًا بين إبستين وأطراف مختلفة، وفي إحداها قال الملياردير المدان إن ترامب “أمضى ساعات في منزلي” بصحبة إحدى الضحايا اللاتي وقع استغلالهن جنسيًا.
الكونغرس يتدخل لإجبار الإفصاح
بحلول منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بلغت الضغوط ذروتها مع نجاح تحرك نواب في جمع التوقيعات اللازمة لإرغام قيادة مجلس النواب على طرح قانون للإفراج عن الملفات للتصويت، وهو سيناريو كان رئيس المجلس الجمهوري مايك جونسون قد حاول تجنبه.
وفي 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أقر المشروع بأغلبية كاسحة (427 صوتًا مؤيدًا مقابل صوت معارض وحيد). وكان ترامب نفسه قد عارض بشدة هذا التشريع في الكواليس، وكشفت مصادر أنه حاول ثني بعض النواب الجمهوريين عن دعم عريضة إجبار التصويت.
لكن أمام تنامي الدعم داخل حزبه وانضمام عشرات النواب الجمهوريين للديمقراطيين في تأييد الخطوة، غيّر ترامب موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع السابقة للتصويت. فخرج في 17 نوفمبر/تشرين الثاني معلنًا أنه يطلب من الجمهوريين التصويت لصالح نشر الملفات “لأنه ليس لدينا ما نخفيه”.
تضمن التشريع النهائي إلزام وزارة العدل بنشر جميع السجلات والوثائق والمراسلات والأدلة غير المصنفة المرتبطة بالتحقيقات.
وقد لفت البعض إلى أن المفارقة هي أن ترامب، بصفته رئيسًا، كان يمتلك سلطة إصدار أمر تنفيذي فوري بنشر الملفات دون انتظار الكونغرس، لكنه اختار عدم استخدامها، الأمر الذي لم يغب عن بال منتقديه.
توقيع القانون وتغيير السردية
في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وبعد يوم واحد من تمرير التشريع، وقع ترامب قانون شفافية ملفات إبستين، ليصبح نافذًا، وأعلن الحدث بوصفه انتصارًا للحقيقة، محاولًا قلب الطاولة سياسيًا.
واتهم ترامب خصومه من الحزب الديمقراطي بأنهم استغلوا فضيحة إبستين كسلاح لتشتيت الانتباه عن إنجازاته وتشويه سمعته، زاعمًا أن الملياردير المدان كان “حليفًا” للديمقراطيين وأن ما سيُنشر من وثائق “سيفضح ارتباطاتهم به”.
غير أن هذه الاحتفالية لم تُخف حقيقة الشهور التي أمضاها ترامب محاولًا منع هذا المنعطف.
فقد كشفت وكالة رويترز أن مساعدي البيت الأبيض كانوا حتى اللحظات الأخيرة يمارسون ضغطًا على أعضاء مجلس الشيوخ لتعديل مشروع القانون أو تأجيله بحجة إدخال تنقيحات لحماية الضحايا.
إفراج محدود عن الوثائق
في ديسمبر/كانون الأول 2025، بدأت وزارة العدل نشر ما وُصف بأنه دفعة أولى من ملفات إبستين استجابةً للقانون الجديد. وأُفرج عن ما يقرب من 300 ألف صفحة من المستندات والصور وغيرها مما جمعه المحققون خلال تحقيقاتهم المطولة في قضية إبستين.
ومثّل الجزء المنشور جزءًا ضئيلًا من إجمالي البيانات التي أقرت وزارة العدل والـFBI بحيازتها. الأسوأ من ذلك أن الوثائق جاءت مثقلة بعمليات تنقيح (حجب)، حيث وُجدت صفحات يبلغ طولها مئات السطور سوداء تمامًا دون أي معلومة مقروءة.
وقد أثار هذا الأمر انتقادات حتى من بعض الجمهوريين الذين أيّدوا إفشاء المعلومات واعتبروا أن ما نشر غير كاف. ولاحظ متابعون مفارقة لافتة في مضمون ما كُشف: غياب شبه تام لأي ذكر لترامب مقابل حضور مكثف لأسماء خصومه السياسيين مثل الرئيس الأسبق بيل كلينتون.
واعتبر بعض المعلقين ذلك انتقائية متعمدة تتوافق مع سردية ترامب التي سعى لترسيخها بأن القضية ستدين “معسكر الديمقراطيين” فقط.
وردًا على الانتقادات، ظهر تود بلانش (نائب الوزير) ليبرر التقصير قائلاً إن عدم الالتزام التام بالموعد جاء بسبب “الحجم الهائل للبيانات” وضرورة إجراء تنقيحات دقيقة لحماية الضحايا.
هكذا وجد ترامب نفسه مجددًا عرضة لنيران صديقة وخصمة معًا: الديمقراطيون يتهمونه علنًا بمخالفة القانون، وبعض رفاقه الجمهوريين يشككون في نزاهة إدارته ويتخوّفون من أثر القضية السلبي على الحزب في الانتخابات المقبلة.
في المحصلة، كشفت طريقة تعامل ترامب وإدارته مع ملفات إبستين عن تعارض بين اعتبارات الشفافية ومقتضيات الحفاظ على السمعة السياسية.
وبينما يحاول ترامب المضي قدمًا والتركيز على ملفات أخرى، ستظل الطريقة التي أدار بها إرث إبستين تطارده سياسيًا وإعلاميًا، خاصة إذا تكشّفت لاحقًا أي معلومات إضافية كان قد سعى لحجبها.