ترجمة وتحرير: نون بوست
عندما افتتحت شركة “كيلا” الإسرائيلية الناشئة أبوابها عام 2024، كان موظفوها يخدمون كجنود احتياط في ساحات القتال.
بمجرد افتتاح مكاتبها، بدأ موظفو شركة التكنولوجيا العسكرية بتجربة حلول للتغلب على أنواع المشاكل التي تواجهها الطائرات المسيّرة في مناطق الحرب مثل لبنان، بما في ذلك التشويش الإلكتروني وفقدان الإشارة، وهي مشاكل شاهدوها بأنفسهم خلال المعارك.
صمّم الموظفون نماذج أولية لطائرات مسيّرة تعمل بالألياف الضوئية، وتم إرسالها بسرعة إلى القوات على الخطوط الأمامية، بالإضافة إلى عرضها على جيوش أجنبية تبحث عن تكنولوجيا مجرّبة في ساحات القتال.
تقول هاموتال ميريدور، رئيسة شركة كيلا: “كان الأمر بمثابة اختبار تحت النيران”، في إشارة إلى عملية اختبار المنتجات التقنية وتصحيح عيوبها. وأضافت أن مثل هذه التكنولوجيا يمكن أن تساعد الجيوش على مواكبة “ساحة المعركة التي تتحرك بسرعة البرمجيات”.
في العام الماضي، دخلت الشركة التي تطور أيضًا منصة لدمج المنتجات العسكرية والتجارية، في شراكة مع شركة الطائرات المسيّرة الأمريكية “نيروس” التي تورّد لأوكرانيا، ولديها أيضًا صفقة بقيمة 17 مليون دولار مع قوات مشاة البحرية الأمريكية.
تُعد شركة “كيلا” واحدة من بين مجموعة من شركات التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية التي نشأت أو توسعت خلال الحرب مع حماس في غزة، وعلى امتداد الحملة العسكرية الإسرائيلية في لبنان وإيران وأماكن أخرى في المنطقة.

يقول مؤسسو بعض الشركات الناشئة إن الإدانات الدولية للانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في غزة، والتحقيقات بشأن ارتكاب عمليات إبادة جماعية في القطاع، لطخت سمعة إسرائيل. سعى بعض العملاء إلى إخفاء ارتباطه بالشركات الإسرائيلية، خاصة العملاء من الدول الأوروبية التي أوقفت شحنات الأسلحة إلى إسرائيل أو أعربت عن قلقها إزاء ارتكاب المجازر.
لكن المسؤولين التنفيذيين في الشركات الإسرائيلية يقولون إن الطلبات الأجنبية لشراء أسلحتهم وأنظمتهم ارتفعت بشكل حاد. وقد أدى نجاح إسرائيل في تنفيذ هجمات مدمرة عبر أجهزة البيجر عام 2024 ضد حزب الله في لبنان، والعمليات الاستخباراتية في إيران خلال حرب الـ12 يومًا العام الماضي، وعمليات الكوماندوز لإنقاذ الرهائن في غزة، إلى زيادة الطلبات الأجنبية على الأسلحة والمعدات التكنولوجية التي استخدمتها القوات الإسرائيلية.
جذبت الشركات الناشئة الإسرائيلية استثمارات قياسية بقيمة 15.6 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ12 مليار دولار في 2024، وفقاً لـ”ستارت آب نيشن سنترال”، وهي منظمة تُعنى برصد قطاع الشركات الناشئة في إسرائيل.
ويتوقع خبراء القطاع أن يستمر هذا الاتجاه في الارتفاع مع زيادة ميزانيات الدفاع في الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى، وإعلان شركات تصنيع الأسلحة الإسرائيلية -في القطاعين الحكومي والخاص- عن المزيد من الشراكات مع الجيوش حول العالم.

يقول هاغاي بالشاي، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة روبوتيكان الناشئة، المتخصصة في تطوير الروبوتات التي يتم التحكم فيها عن بُعد، إن هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أيقظت الجيش الإسرائيلي وجعلته يسارع إلى الاستعانة بشركات التكنولوجيا الخاصة في ساحة المعركة الرقمية المتنامية.
على وجه السرعة، تم استخدام أنظمة مثل الطائرات المسيّرة والروبوتات وأجهزة الاستشعار المتطورة. أصبحت هذه الأنظمة ضرورية في عمليات البحث عن 251 رهينة محتجزين في غزة، والتصدي لطائرات حزب الله المسيّرة التي عبرت الحدود إلى داخل إسرائيل.
قُتل نحو 1200 إسرائيلي في هجمات حماس، وتم إجلاء سكان البلدات الإسرائيلية القريبة من غزة والحدود اللبنانية. ووفقا لمسؤولي الصحة في غزة، قُتل أكثر من 71000 فلسطيني خلال الحرب، وتم تهجير معظم سكان القطاع بشكل متكرر.
وقال بالشاي: “إذا كانت تقنياتنا في السابق حكراً على فئة معينة، ومقتصرة على أقسام تطوير محددة في جيش الدفاع الإسرائيلي، فإن كل القادة الآن يحتاجون إلى طائرة مسيّرة للدخول، أو كاميرات روبوتية يعتمد عليها في عمليات المحاكاة العسكرية”.

لطالما استندت صناعة التكنولوجيا الإسرائيلية إلى خبرات المهندسين والمبرمجين ورواد الأعمال الذين تخرجوا من وحدات الاستخبارات الإسرائيلية النخبوية، والذين يتقنون ثقافة وادي السيليكون.
انتقل العشرات من موظفي شركة بالشاي – وبعضهم من سكان بلدات حزام غزة الذين احتُجز أفراد عائلاتهم وأصدقاؤهم كرهائن في الحرب الأخيرة- مرارا وتكرارا بين الخدمة في الجيش الإسرائيلي والعمل في مجال التكنولوجيا العسكرية.
وقال بالشاي إنهم استخدموا – أثناء الخدمة العسكرية – الروبوتات التي طوروها بأنفسهم لمسح المباني المفخخة، والكشف عن الغازات السامة، وإطلاق النار على الطائرات المسيّرة أو المسلحين.
وعندما أصاب صاروخ إيراني مركز سوروكا الطبي خلال حرب يونيو/ حزيران، جهّز بالشاي روبوتاته بمستشعرات حرارية للبحث عن ناجين في المبنى المدمر، ثم اعتمدت القوات الخاصة الإسرائيلية تلك المستشعرات خلال عملياتها “في غزة ولبنان وسوريا وغيرها”، على حد قوله.
وأضاف: “هذه حرب كنت أتمنى ألا تندلع أبدًا، لكنها منحتنا قدرةً تجعلنا الآن جزءًا من كيان عالمي”.
في ذروة الحرب في غزة، ومع سعي المحاكم الدولية العليا إلى توجيه اتهامات بالإبادة الجماعية ضد إسرائيل، وإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف غالانت، أعلنت عدة حكومات أوروبية فرض حظر على صادرات وواردات الأسلحة مع إسرائيل.
وفي سبتمبر/ أيلول، منعت بريطانيا وفداً من وزارة الدفاع الإسرائيلية من حضور معرض دولي للأسلحة. وقبل ذلك بشهر، علّقت ألمانيا جزئياً عمليات نقل الأسلحة التي قالت إن إسرائيل قد تستخدمها في حربها على غزة، لكنها رفعت الحظر في نوفمبر/ تشرين الثاني، بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

قال بالشاي إن الحكومة الإسبانية علّقت العام الماضي عقدها مع شركته، وطلبت دول أخرى في أوروبا الغربية التكتم على تفاصيل طلباتها. وأضاف أن ممثلين عن جيوش أجنبية يزورون مكاتبه بانتظام، وأن الصفقات تشهد ارتفاعًا ملحوظًا.
وقال آرون كابلوفيتز، مؤسس “1948 فينتشرز”، وهي شركة رأس مال مغامر مقرها ميامي، تأسست بعد اندلاع الحرب وتستثمر في التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية: “هناك حكومات تتظاهر علنًا بالفضيلة تجاه غزة، لتهدئة الشارع، بينما ترسل قياداتها الدفاعية للتفاوض مع شركات إسرائيلية لحماية هذا الشارع نفسه”.
وقال آرون كابلويتز، مؤسس شركة “1948 فينتشرز”، وهي شركة رأس مال استثماري مقرها ميامي أُنشئت بعد اندلاع الحرب وتستثمر في التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية: “هناك حكومات تُظهر علنًا فضائلها بشأن غزة، لترضية الشارع، بينما ترسل في الوقت نفسه قياداتها الدفاعية للتحدث مع الشركات الإسرائيلية لحماية ذلك الشارع نفسه”.
وقال إران توخ، أستاذ الهندسة في جامعة تل أبيب، إن تطوير الأنظمة العسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي مكّن إسرائيل من إعداد قوائم أهداف بسرعة ونطاق غير مسبوقين، مما منح الجيش الإسرائيلي القدرة على ضرب مقاتلي حماس في غزة بشكل لم يسبق له مثيل.
لكنه أضاف أن هذه الأنظمة أظهرت حدود الحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إذ فشلت في تقدير المخاطر التي يتعرض لها المدنيون بشكل كافٍ، أو مراعاة التأثيرات واسعة النطاق للحملة العسكرية.
وأضاف: “العقبة اليوم ليست المشكلة التقنية في إيصال القنابل أو القوة النارية، لأنّ اتخاذ مئات الآلاف من القرارات في وقت واحد هو ما صُمّم الذكاء الاصطناعي لأجله”، لكنه أوضح أن الوفيات في صفوف المدنيين والأزمة الإنسانية الناتجة عن العمليات “ليست بالضرورة أموراً يمكن إدخالها في الخوارزمية”.

تقول ميخال مور، الرئيسة التنفيذية لـ”سمارت شوتر”، وهي شركة إسرائيلية ناشئة طورت ملحقًا للبنادق يعمل بالذكاء الاصطناعي، إن هذا الجهاز يساعد على رصد الأهداف وإطلاق النار، سواء كان قناصًا يركض على سطح مبنى أو طائرة مسيرة صغيرة تحلّق في السماء. وأضافت أن تقنية شركتها تنقذ أرواح الجنود والمدنيين الأبرياء من خلال تحسين دقة إطلاق النار.
وقالت مور إن هذه التكنولوجيا كانت حاسمة عندما اندفع جنود الاحتياط الإسرائيليون إلى المعركة في بداية حرب غزة، بينهم جنود لم يتلقوا تدريبًا منذ سنوات و”لا يعرفون حقًا كيف يضعون خطة، أو ما سيرونه بمجرد إطلاق الرصاصة الأولى وبدء المعركة”.
وأضافت أن الشركة وقّعت عقداً بقيمة 13 مليون دولار مع الجيش الأمريكي العام الماضي، وهي تدير فروعا في فرجينيا وألمانيا وأستراليا.
رغم سحب الاستثمارات الأجنبية من بعض الشركات الإسرائيلية الناشئة في السنوات الأخيرة، إلا أن العديد من هذه الشركات قالت إنها وجدت طرقًا للتحايل على عمليات الحظر والقيود الأجنبية، مثل التسجيل في الولايات المتحدة، أو إرسال وفود من مكاتبها في الولايات المتحدة وأوروبا إلى معارض الأسلحة، أو للتفاوض على الصفقات.
وبعد أن حظرت فرنسا على الشركات الإسرائيلية حضور معارض الدفاع في عامي 2024 و2025، أوضحت مور أن شركتها باتت تُجدول اجتماعاتها مع العملاء في مواعيد لا تتزامن مع معارض الأسلحة الدولية.
وأضافت أنه رغم وجود ضغط دولي على شركات التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، فإن شركتها واصلت العمل كالمعتاد، مؤكدة أن “الحرب في النهاية هي الواقع الوحيد”
المصدر: واشنطن بوست