في ظلِ التحولات التي تشهدها الخريطة السياسية والعسكرية في الجزيرة السورية، تعيش محافظة الحسكة مخاضًا عسيرًا لولادة واقع جديد، محكوم بتفاهمات جديدة بين الحكومة السورية وبين ما تبقى من ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والتي عادت فعليًا لهيكلها الأساسي لما قبل العام 2015، وهي ميليشيا وحدات حماية الشعب الكردية YPG بعد الهزائم الكبيرة التي منيت بها في دير الزور والرقة مؤخرًا.
هذه التفاهمات، والتي جاءت برعاية دولية وإقليمية حثيثة، لمنع صدام عسكري، تهدف إلى إنهاء الفصل ما قبل الأخير لحالة الانقسام الإداري والعسكري الذي تعيشه سوريا الجديدة، والتي تمخضت عن اتفاقية 18 يناير/كانون الثاني، لكنها في المقابل تفتح الباب أمام تساؤلات أخرى حول احتمالية فشل هذا الاتفاقية وما سيليها من تداعيات، وعلى رأسها مستقبل التعايش بين المكونات المحلية في الجزيرة السورية، ونوعية السيادة فيها.
الحسكة والقامشلي: محور الحدث
عاشت مدينتا الحسكة والقامشلي يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين، 2 و 3 من فبراير/شباط الجاري، حالة من الترقب المشوب بالحذر الشديد، فقد تحولت شوارع القامشلي إلى مدينة أشباح عقب إعلان “قسد” عبر مكبرات الصوت حظرًا كليًا للتجوال، مع تحذيرات صارمة للأهالي بأن أي تحرك سيُقابل بـ”استهداف مباشر”، وبالذات في الأحياء العربية، حيث نشرت الميليشيا قناصتها فوق أسطح الأبنية العالية في حيي طي وزنود، إضافة إلى أسطح المدارس والمشافي.
بالتزامن مع قطع شبكات الإنترنت (الفضائي وشبكة Rcell المحلية) على عموم الحسكة، وقطع التيار الكهربائي عن أحياء واسعة في مدينة الحسكة، مع منع تشغيل الأفران في حي “غويران”، حيث شهدت مدينة الحسكة هي الأخرى يوم الاثنين 2 فبراير/شباط حملات اعتقال واسعة نفذتها قسد طالت العشرات من السكان العرب من بينهم أطفال بعد خروجهم لاستقبال أرتال قوى الأمن السوري التي دخلت المدينة، وتزامنت الاعتقالات مع إهانات عنصرية واعتداءات بحق المعتقلين، بحسب ما أفادت مصادر محلية.
وكانت أرتال تابعة لوزارة الداخلية السورية قد دخلت إلى مدينتي الحسكة والقامشلي (قرابة 15 مدرعة تضم 100 عنصرًا) في كل مدينة، حيث استقرت ببعض المقرات في المربعات الأمنية والمؤسسات الحكومية، كخطوة أولى لاستلام المسؤوليات الأمنية في المحافظة.
اتفاقات يناير: خارطة الطريق لدمج المؤسسات
تستند التحركات الحالية إلى سلسلة تفاهمات وُقعت بين الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع وقيادة “قسد” والتي أنفرط عقدها ولم يتبقَ في تشكيلها الحالي سوى عصبها الحقيقي (مقاتلو الوحدات الكردية YPG/YPJ)، ويمكن تلخيص أبرز بنود الاتفاق كالتالي:
- في الشق العسكري والأمني سيجري دمج عناصر “قسد” ضمن فرقة عسكرية تتبع للجيش السوري تضم 3 ألوية، بالإضافة إلى لواء رابع خاص بـ قوات عين العرب (كوباني) ضمن فرقة تتبع لمحافظة حلب إداريًا.
- دمج قوى الأمن (الأسايش) ضمن ملاك وزارة الداخلية السورية.
- استلام الحكومة السورية لجميع المؤسسات في مراكز المدن بما فيها المرور.
- إزالة المظاهر المسلحة وانسحاب الجيش إلى ثكنات عسكرية خارج المدن وإزالة الحواجز العسكرية من الأحياء السكنية.
- دمج مؤسسات ما يسمى بالإدارة الذاتية ضمن هيكلية مؤسسات الدولة مع ضمان حقوق الموظفين المدنيين وتثبيتهم.
- تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، بما يضمن اعتراف الدولة بالخصوصية الثقافية ضمن إطار السيادة الوطنية.
- تعيين محافظ للحسكة بترشيح من قسد، وكذلك نائب لوزير الدفاع.
“الله يوفقكم أحباب قلبي”.. سيدة تبكي فرحًا خلال مرور موكب للأمن الداخلي في مدينة القامشلي بمحافظة الحسكة. pic.twitter.com/qP3Cj6GgVC
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 4, 2026
يتسم اتفاق الحكومة السورية وقسد بأن الأخيرة نجحت بتصدير نفسها كممثلة عن الأكراد، وهذا أمر بديهي كونها تمكنت بالقوة من تحييد بقية الأحزاب الكردية بالترهيب وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي، والذي التقى يوم 3 فبراير/شباط الجاري بعض قادته بالرئيس الشرع في دمشق، لذلك كانت الترشيحات للمناصب كلها من ضمن دائرة وحدات حماية الشعب الكردية YPG/PKK ومن بينهم منصب محافظ الحسكة، ونائب وزير الدفاع.
إذ رشحت قسد لمنصب نائب وزير الدفاع السوري “آزاد سيمي” الملقب بـ جيا ڪوباني، وهو شخصية قيادية في حزب العمال الكردستاني “PKK” ومن المطلوبين للعدالة في تركيا، بسبب ضلوعه بعدة هجمات ضد الجيش التركي، تسببت بمقتل عدد كبير من الجنود الأتراك، على غرار الهجمات في مناطق “فان، وهكاري، وشرناق، تشوكورجا، داغليجا”، و شغل عدة مناصب كبيرة في التنظيم، كقائد عمليات في زاغروس بالعراق، وفي هكاري بتركيا. وفي عين العرب “كوباني” بسوريا، وبعد الثورة السورية تولى منصب مسؤول فرع الاستخبارات التابع لــ وحدات حماية الشعبية الكردية (YPG).
أما في منصب محافظ الحسكة فقد رشحّت المهندس نور الدين أحمد العيسى، المعروف بلقب “أبو عمر خانيكا“، من مواليد القامشلي 1969، وهو موظف سابق في مديرية اتصالات الحسكة، قبل أن يتحول ليصبح كادرًا قياديًا في “الإدارة الذاتية” ومسؤولًا عن العلاقات العامة في “قسد”، وينحدر من عائلة معروفة بموالاتها لـ حزب العمال الكردستاني “PKK”، بل إن أشقاء وأقارب نور الدين قتلوا بمعارك مع التنظيم ضد الجيش التركي.
كما أن ابنه الوحيد “عمر” قُتل مع قسد في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ورغم التوافق المبدئي على اسمه، يواجه “خانيكا” إرثًا ثقيلًا من الاتهامات المحلية؛ إذ ينسب إليه البعض تبني سياسات “إقصائية” وممارسات قمعية خلال فترة إدارته لسجن “علايا” وملف العلاقات العشائرية.
هل سيصمد الاتفاق؟
إن الاتفاق بين دمشق و”قسد” يمثل “زواج ضرورة” أملته الضغوط الدولية والانسحابات الأمريكية الوشيكة، وحساسية ملف سجناء تنظيم “داعش”، بالإضافة لحاجة دمشق لتوحيد البلاد واستعادة الموارد الاقتصادية في الجزيرة، ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على تفكيك العقبات الأمنية والسياسية المتراكمة، المتمثلة في اتهامات الإقصاء، والنزعات الانفصالية لـ قسد، والمخاوف الأمنية للمكون العربي في الحسكة.
إضافة إلى الثوابت التركية في المعادلة والهادفة إلى رفض أي كيانات عسكرية موازية خارج إطار الجيش السوري الموحد، وضمان عدم استغلال الاتفاق لتوفير غطاء لعناصر “حزب العمال الكردستاني” (PKK)، مع دعم أي خطوة تنهي مشروع “الدويلات” وتضمن استقرار الحدود البرية البالغة 911 كيلومترًا.
يبرز الاتفاق الجديد بين الحكومة السورية و”قسد” كخطوة مفصلية تهدف إلى تحويل الهدنة الهشة إلى مسار تنفيذي لاتفاق 18 يناير 2026، وبينما تسعى دمشق لتحقيق اختراق ميداني يواجه الضغوط السياسية الدولية، تظل التفاصيل اللوجستية والسياسية الشائكة حجر عثرة قد يحوّل هذا التقارب إلى مجرد “نسخة محدثة” من نماذج السيطرة القديمة.
طفل في القامشلي يصنع علم سوريا بيديه، ترحيبًا بوصول قوات الأمن الداخلي إلى المدينة. pic.twitter.com/FifZKqGYUu
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 3, 2026
وكما أسلفنا، يتمحور جوهر الاتفاق حول آلية دمج “قسد” في المؤسستين العسكرية والأمنية؛ حيث من المقرر تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد” في الحسكة، ولواءً رابعًا في عين العرب بريف حلب، وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أنها تعكس تراجعًا في النفوذ الميداني لـ”قسد”؛ فالمقترح الحالي يقدم “ألوية” بدلًا من “الفرق العسكرية الثلاث” التي عُرضت عليها في مارس/آذار الماضي ورفضتها آنذاك، مما أدى لخسارتها مساحات واسعة من نفوذها، وفي المقابل، نص الاتفاق على انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي.
ورغم الضجيج المحيط بالاتفاق، تبرز “ثغرات” قد تعيق استدامته، حيث لم يحسم الاتفاق مصير قوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية (الاسايش)، وسط تصريحات من مسؤولي “قسد” ببقائهم في مواقعهم، مما ينذر بتكرار نموذج “الحواجز المشتركة” الذي شهدته أحياء حلب سابقًا (الشيخ مقصود). وكذلك غاب عن الاتفاق أي بند تنفيذي لإخراج قيادات وعناصر حزب العمال الكردستاني “غير السوريين”، وهو ما كان يشكل ركيزة في التفاهمات السابقة وعائقًا مزمنًا أمام التطبيق.
فيما تبقى جزئية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية غامضة، مع تسليم المعابر الحدودية وحقول النفط لدمشق، مقابل الاحتفاظ بالاستقلالية في قطاعي التعليم والخدمات، وهو ما يوحي بتأجيل الصدام في هذه الملفات السيادية.
بين “المربعات الأمنية” والسيادة الكاملة
تتصاعد المخاوف من انزلاق هذا الاتفاق ليصبح نسخة مطورة من “المربعات الأمنية” التي كانت في عهد النظام السوري السابق، فبينما يختلف الوضع الحالي عن السابق لعدم وجود سيطرة أمنية حكومية مستقلة داخل مدن مثل عين العرب، إلا أن الضبابية في المواعيد الزمنية والمهام المشتركة تخلق جيوبًا أمنية متداخلة وغير مستقرة.
ويبدو أن دمشق تراهن على الوقت لاختبار الحلول السياسية، ودرء الحرب، وإغلاق ملف سجون تنظيم “داعش”، وصولًا إلى الهدف الأكبر وهو ترتيب انسحاب القوات الأمريكية بشكل كامل.
ولا تبدو الطريق معبدة بالورود؛ فالكوادر المرتبطة بـ”حزب العمال” تتعامل مع الاتفاق كـ”مناورة” للحفاظ على ما تبقى من مشروع الإدارة الذاتية بعد خسارة دير الزور والرقة. ومع ذلك، فإن عودة الحضور الأمني الحكومي ولو بشكل تدريجي قد يشجع الأمور نحو التصعيد رفضًا لسياسات وحدات حماية الشعب الڪردية (YPG)، مما قد يؤدي في النهاية إلى إخراجها من المنطقة، حتى في حال فشل الاتفاق سياسيًا.
تقبع على بحر من الثروات، لكن سكانها يعيشون واقعًا صعبًا.. لنتعرّف على مدينة الشدادي في محافظة الحسكة. pic.twitter.com/xUWvO9nQ7M
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 3, 2026
إلا أن المتابع لتصريحات قادة الميليشيات الكردية يلاحظ أنها تسير بخط مغاير عن خط الاندماج، فقد أعلنت “روكسن محمد“، المتحدثة باسم “وحدات حماية المرأة” (YPJ)، أن قواتها لن تتخلى عن سلاحها أو استقلاليتها. وأضافت: “نحن لا نرى في دمشق مجرد شريك سياسي، بل نرى تهديدًا وجوديًا لمكتسبات المرأة الكردية، نضالنا يتجاوز الأرض؛ إنه معركة من أجل الهوية وحقوق النساء التي انتزعناها بالدماء”.
تؤكد هذه التصريحات وجود “شرخ” في تفسير الاتفاق؛ فبينما تراه دمشق عودة كاملة لسيادة الدولة، تراه بعض التيارات الكردية “تفاهمات تكتيكية” يجب أن تضمن حكمًا ذاتيًا واسعًا وثقلًا موازنًا ضد أي تحركات محتملة من قبل القوات الحكومية.
أما الموقف التركي فما زال يراوح بين التحذيرات والرهان على “سوريا الواحدة”، وآخرها تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي وجه خلال خطاب له عقب اجتماع الحكومة الاثنين 3 فبراير/شباط الجاري، تحذيرًا مباشرًا لـ”قسد” من محاولة “نسف الاتفاقات”، معتبرًا أن أي تراجع سيعيد المنطقة إلى المربع الأول.