في مسعى لكسر الهيمنة الصينية على موارد تعدّ شريانًا للتكنولوجيا الحديثة، استضافت الولايات المتحدة في 4 فبراير/شباط 2026 اجتماعًا لوزراء أكثر من 50 دولة في واشنطن.
الهدف المعلن هو تعزيز الوصول إلى ما يُسمى بالمعادن الحيوية – وهي معادن أساسية لصناعات متقدمة كصناعة الشرائح الإلكترونية والسيارات الكهربائية والتسليح – وذلك للحد من اعتماد العالم على مورد وحيد.
فقد مكّن احتكار الصين لكثير من هذه المواد الحيوية بكين من إحكام قبضتها على سلاسل الإمداد الصناعية العالمية، مما أثار قلقًا دوليًا متزايدًا ودفع الدول الغربية لسباق محموم لتأمين بدائل.
هيمنة صينية على معادن استراتيجية
تسيطر الصين على إنتاج العديد من المعادن الحيوية التي لا غنى عنها للصناعات الحديثة.
فهي تُنتج وتكرر النسبة الأكبر منها حول العالم، إذ تمثل نحو 70% من تعدين عناصر الأرض النادرة عالميًا، وتنفرد بحوالي 90% من عمليات معالجتها.
أكسبها ذلك نفوذًا هائلًا خوّلها التأثير على صناعات حسّاسة، بدءًا من مغانط التوربينات الهوائية في توليد الطاقة وصولًا إلى سبائك المعادن المستخدمة في الطائرات المقاتلة، فضلًا عن الكوبالت الداخل في بطاريات السيارات الكهربائية.
لم تأتِ هذه الهيمنة من فراغ، بل نتيجة عقود من الاستثمار الصيني في تقنيات التعدين والتكرير وبناء سلسلة توريد متكاملة.
وأحرزت الشركات الصينية آلاف براءات الاختراع في تكنولوجيا معالجة العناصر النادرة، كما لم تتردد بكين في تحمل التكلفة البيئية الباهظة لاستخراجها – إذ تتطلب عمليات تعدينها مواد كيميائية ثقيلة وتخلّف نفايات سامة – مقابل تأسيس قاعدة صناعية متفوقة.
إلى جانب ذلك، تستخدم الصين أدوات السوق لترسيخ تفوقها: بإمكانها إغراق السوق بالمعادن الرخيصة لكسر الأسعار وقتل المنافسين، أو فرض حصص وقيود على التصدير ترفع الأسعار عالميًا وتترك الصناعات المستوردة في مأزق.
سلاح في قلب الحرب التجارية
هذه السيطرة جعلت المعادن الحرجة سلاحًا جيوسياسيًا في يد بكين. ويرى الخبير الفرنسي في المواد الخام فيليب شالمين أن الصين “لم تتردد في استخدام سلاح المعادن” خلال النزاعات التجارية.
ففي خضم حرب الرسوم الجمركية عام 2024، شددت بكين القيود على تصدير معادن نادرة مثل الغاليوم والجرمانيوم والأنتيمون – وهي عناصر بالغة الأهمية لصناعة أشباه الموصلات والإلكترونيات – ما تسبب في إرباك سلاسل التوريد الغربية.
رغم رفع تلك القيود في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 مع بوادر تهدئة بين واشنطن وبكين، فإن الرسالة كانت واضحة: الصين قادرة على إيلام خصومها عبر خنق تدفقات المواد الخام الحيوية.
برزت العناصر الأرضية النادرة تحديدًا في صلب النزاع التجاري الأمريكي-الصيني، كونها تدخل في صناعات التقنيات المتقدمة من محركات الطائرات النفاثة إلى المركبات الكهربائية.
فحين فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوماً جديدة عام 2025، ردّت بكين بالتلويح بقطع إمدادات تلك العناصر.
بلغت قوة هذا الضغط حدًا دفع ترامب في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى التراجع عن بعض الرسوم مقابل تعهّد الصين بتأجيل تشديد قيودها على تصدير العناصر النادرة لمدة عام.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو خلال اجتماع واشنطن إن هذه المعادن “تتركز بكثافة في يد دولة واحدة”، مما جعلها أداة نفوذ في الجغرافيا السياسية.

سباق غربي لتأمين الإمدادات الحيوية
أمام هذا الواقع، أطلقت الولايات المتحدة وحلفاؤها سلسلة مبادرات لمحاولة تقليص الاعتماد على الصين في مجال المعادن المهمة.
- في 2 فبراير/شباط 2026، أعلن البيت الأبيض عن مشروع “Vault” (خزنة) لإنشاء احتياطي استراتيجي من المعادن الأرضية النادرة وغيرها، بتمويل يقارب 12 مليار دولار (قرض حكومي بـ10 مليارات إضافة إلى استثمارات خاصة بنحو 2 مليار). يهدف هذا المخزون الوطني إلى حماية مُصنّعي السيارات والإلكترونيات والتجهيزات العسكرية في الولايات المتحدة من صدمات نقص الإمداد.
- بالتوازي، تدرس واشنطن إجراءات تجارية لتصحيح اختلالات السوق؛ إذ اقترح جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي تشكيل تكتل تجاري تفضيلي يحدد سعرًا مرجعيًا أدنى للمعادن الحيوية، لمنع إغراق الأسواق بمواد رخيصة مدعومة حكوميًا تطيح بالمنافسين. وقال فانس في اجتماع الوزراء: “نريد القضاء على مشكلة تدفّق المعادن الحيوية الرخيصة إلى أسواقنا بهدف إخراج مصنّعينا المحليين من المنافسة”.
- لمواجهة النفوذ الصيني، تسعى واشنطن لحشد أكبر طيف ممكن من الشركاء. فقد حضر اجتماع واشنطن الوزاري ممثلون عن 55 دولة، من بينها قوى صناعية مثل ألمانيا واليابان ودول غنية بالموارد مثل أستراليا وجمهورية الكونغو الديموقراطية.
- أعلنت واشنطن على هامش الاجتماع توقيع اتفاق ثنائي مع المكسيك، وآخر ثلاثي مع الاتحاد الأوروبي واليابان، لتعزيز سلاسل توريد المعادن المهمة وتنويع مصادرها.

ويعلق محللون بأن الولايات المتحدة باتت تُدرك ضرورة العمل الجماعي بعدما خاضت وحيدةً مواجهات تجارية سابقة.
إذ اعتبر الخبير في اقتصاد الصين سكوت كينيدي أن هذه التحركات تعكس “إقرارًا بأن على أمريكا أن تعمل بالتنسيق مع الآخرين لتقليل ضعفها في المجالات التي تهيمن فيها بكين على الإمدادات”.
بالتوازي مع الجهد الأمريكي، تنخرط دول غربية أخرى في السباق لتأمين المعادن الاستراتيجية.
- تضخ أستراليا – التي تمتلك رابع أكبر احتياطي من العناصر النادرة عالميًا – استثمارات كبرى لتطوير طاقتها في معالجة تلك العناصر، وتتبنى بقوة مطلب تحديد سعر أدنى عالمي للمعادن لضمان جدوى مشاريعها الجديدة.
- شرعت اليابان وكوريا الجنوبية والاتحاد الأوروبي في إنشاء مخزونات استراتيجية من المعادن النادرة وتقديم حوافز لزيادة الإنتاج وتنويع الواردات.
- أواخر 2025، وقعت واشنطن وكانبيرا اتفاقًا تتيح بموجبه أستراليا للولايات المتحدة الوصول إلى معادنها النادرة مقابل استثمارات أمريكية في هذا القطاع، في خطوة ضمن استراتيجية “الصداقة المصنعية” الهادفة لاستقدام الإمدادات من الحلفاء بدل الاعتماد على خصم جيوسياسي.
عقبات أمام كسر الاحتكار الصيني
على الرغم من كل هذه الخطوات، لا يزال فكّ احتكار الصين للمعادن النادرة مهمةً بالغة الصعوبة. فإقامة مناجم جديدة ومصانع معالجة بديلة يحتاج إلى سنوات طوال واستثمارات ضخمة – وكما يقول الخبراء، “زمن المناجم طويل”، لذا لا يُرتقب تأثير سريع لجهود التنويع الحالية.
كذلك تواجه الشركات الغربية كلفة إنتاج أعلى ومعايير بيئية أكثر صرامة عند استخراج المعادن النادرة وتنقيتها، نظرًا لما تسببه هذه العمليات من نفايات سامة.
وفي المقابل، تستطيع الصين إجهاض أي منافسة ناشئة عبر إغراق السوق مجددًا بخامات زهيدة الثمن تُفقد المشاريع الجديدة جدواها الاقتصادية قبل أن تقف على قدميها.
إلى جانب عامل الزمن والتكلفة، هناك عقبة سعة الإنتاج. فالولايات المتحدة وأوروبا تفتقران حاليًا للبنية التحتية الكافية لتكرير الكثير من هذه المعادن محليًا.
فعلى سبيل المثال، ما زال المنجم الأمريكي الوحيد للعناصر النادرة (في كاليفورنيا) يرسل خاماته إلى الصين لمعالجتها. ورغم امتلاك دول حليفة كأستراليا وكندا والهند احتياطيات مهمة من المعادن الأرضية النادرة، فإن مخزون أستراليا – على ضخامته – لا يتجاوز سُبع الاحتياطيات الصينية.
وحتى مع التنقيب عن موارد جديدة في أفريقيا أو غرينلاند، تظل لبكين أسبقية عقود في هذا الميدان من خبرات وبنية تحتية، مما يعني أنها ستواصل التحكم بالجزء الأكبر من الإنتاج العالمي في المستقبل المنظور.
ويرى خبراء أن الصين ستظل المهيمن الأكبر على سوق المعادن الحيوية خلال السنوات المقبلة، بالرغم من كل محاولات الغرب لكسر احتكارها.
يقول فيليب شالمين إن الصين “ستبقى في قلب كل التوترات، محتفظةً بموقف القوة في معظم أسواق المعادن الحرجة، وستوظفه تباعًا في المفاوضات التجارية القادمة”.
بعبارة أخرى، فإن سباق تنويع الإمدادات وتوطين صناعات المعادن الاستراتيجية هو لعبة طويلة الأمد بالنسبة للغرب – بدأت بالفعل خطواتها الأولى – لكنها تتطلب أعوامًا من الاستثمار الدؤوب قبل أن تثمر وتغيّر موازين القوى في هذه الموارد الحيوية.