تتجه الأنظار إلى العاصمة الأردنية عمّان حيث تنطلق في 5 فبراير/شباط 2026 جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين، تحت رعاية الأمم المتحدة، لبحث ملف تبادل الأسرى المتعثر.
تأتي هذه المحادثات بعد اتفاق مبدئي أُبرم في مسقط نهاية العام الماضي لتبادل نحو 2,900 أسير ومعتقل من الطرفين -بينهم أسرى من جنسيات أجنبية- إلا أنّ تنفيذ ذلك الاتفاق واجه عراقيل ولم يرَ النور حتى الآن.
ويُعد ملف الأسرى أحد أكثر جوانب الصراع اليمني حساسيةً وتعقيدًا نظرًا لأبعاده الإنسانية من جهة وتداخله مع الحسابات السياسية والعسكرية من جهة أخرى، حيث ما زالت آلاف العائلات اليمنية تنتظر بقلق لقاء أحبّتها المحتجزين منذ سنوات.
حجم الملف وأعداد الأسرى
على امتداد سنوات الحرب اليمنية، تراكم آلاف الأسرى والمعتقلين لدى جميع الأطراف. ورغم صعوبة حصر العدد بدقّة، تُقدّر بعض المصادر إجمالي المحتجزين من الجانبين بما بين 15 و20 ألف شخص.
تشمل هذه الأعداد مقاتلين أسرى جرى أسرهم في ميادين القتال، إلى جانب مدنيين احتجزوا على خلفيات سياسية أو باتّهامات مختلفة، منهم نشطاء وصحفيون ومعارضون اعتُقلوا في مناطق سيطرة الحوثيين أو الحكومة على حد سواء.
هذا المزيج يجعل قضية الأسرى ملفًا إنسانيًا بامتياز يتجاوز كونه مجرد ورقة تفاوضية عسكرية، حيث تقبع خلف كل رقم قصة عائلة تعاني الانتظار.
في الوقت ذاته، يضم ملف الأسرى جنسيات متعددة وليس يمنيين فقط. فإلى جانب الآلاف من أبناء اليمن، يحتجز الحوثيون عددًا من الأجانب الذين قاتلوا ضمن قوات التحالف الداعم للحكومة الشرعية، أبرزهم سعوديون وسودانيون.
وقد نصّ اتفاق تبادل الأسرى الأخير (اتفاق مسقط ديسمبر/كانون الأول 2025) على إطلاق سراح 7 سعوديين و23 سودانيًا ضمن صفقة التبادل.
وسبق أن أكد الحوثيون أن بحوزتهم عشرات الأسرى من الجنود السعوديين – بعضهم ضباط كبار – ورفضوا الإفراج عنهم بشكل منفصل، مشترطين أن يكون إطلاق سراحهم ضمن صفقة شاملة “الكل مقابل الكل” تطلق جميع أسراهم لدى الطرف الآخر.
هذا الواقع أضفى بُعدًا إقليميًا ودوليًا على ملف الأسرى، وجعل منه ورقة ضغط إضافية في يد الأطراف اليمنية خلال المفاوضات.
عراقيل وتعثر منذ سنوات
رغم الاعتراف المتبادل بأهمية حل قضية الأسرى لدواعٍ إنسانية وبناء الثقة، فقد بقي الملف عالقًا منذ سنوات بسبب عراقيل تقنية وسياسية وتبادل للاتهامات بين الطرفين.
فالحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بالمماطلة واستخدام ورقة الأسرى للمساومة السياسية بدلًا من الالتزام بمعاملتها كملف إنساني بحت.
ويعبّر عن هذا الموقف مستشار الرئاسة اليمنية عبدالملك المخلافي الذي قال في تصريح حديث: “لا تتعامل جماعة الحوثي مع الاتفاقات باعتبارها التزامًا أخلاقيًا أو إنسانيًا، بل كورقة ابتزاز سياسي”.
ويرى مسؤولون حكوميون أن تراجع الحوثيين المتكرر عن وعودهم وتنصّلهم من تنفيذ اتفاقيات التبادل – وآخرها اتفاق مسقط – يؤكد غياب الجدية لديهم واستخفافهم بمعاناة الأسرى وذويهم.
على الجانب الآخر، ينفي الحوثيون تعطيلهم للاتفاقات ويلقون باللوم على الحكومة. فبحسب رئيس لجنة شؤون الأسرى في صنعاء عبدالقادر المرتضى، فإن “تأخير تنفيذ التبادل ليس من قبلنا” وإنما لتأخر الطرف الآخر في تقديم قوائم الأسرى ضمن المهلة المتفق عليها، وفق قوله.
هذا التبادل للاتهامات بين الطرفين أبقى الاتفاق الأخير معلّقًا حتى الآن، وعكس حالة انعدام الثقة المستحكمة التي كانت ولا تزال أكبر عائق أمام إغلاق هذا الملف بشكل نهائي.
تفاصيل الخلاف
الخلاف حول القوائم والأعداد شكّل عقبة جوهرية منذ البداية. ففي جولات التفاوض الأولى التي أعقبت اتفاق ستوكهولم 2018، تبادل الطرفان قوائم بأسماء الأسرى والمحتجزين لكن سرعان ما طعن كل منهما في صحة بيانات الطرف الآخر.

ويلفت محللون إلى أن هذه الممارسات خلقت حافزًا سلبيًا لدى الأطراف المتحاربة لاعتقال مزيد من المدنيين واستخدامهم كأوراق ضغط، مما فاقم المشكلة. وكشفت دراسات حقوقية أن اعتماد المدنيين كرهائن للمقايضة أصبح نهجًا متبادلًا، الأمر الذي يؤدي إلى إطالة أمد القضية وتعقيدها.
كما أن هناك قضايا رمزية بارزة عمّقت الفجوة بين الطرفين، أبرزها قضية السياسي محمد قحطان، وهو قيادي بارز اختطفه الحوثيون منذ 2015، يُعد أحد أربعة شخصيات طالبت قرارات دولية بالإفراج عنهم فورًا.
لكن مصيره حتى اليوم مجهول – لم تؤكد جماعة الحوثي إن كان على قيد الحياة أصلًا – ما جعل قضيته عقبة رئيسية في كل المفاوضات.
أصرّت الحكومة مرارًا على تضمين اسم قحطان في صفقات التبادل، فيما تهرّب الحوثيون من ذلك أو وضعوا شروطًا تعجيزية للإفراج عنه.
وكشفت مصادر تفاوضية أن الحوثيين طرحوا في إحدى الجولات مقايضة إطلاق سراح قحطان بإفراج الحكومة عن 30 أسيرًا من مقاتليهم إذا كان حيًا، أو 30 جثة لمقاتلين إذا ثبت أنه توفّي في معتقله.
مثل هذه الشروط أثارت صدمة لدى الوسطاء الدوليين واعتبرتها الحكومة دليلًا على عدم ثقة الحوثيين أنفسهم بمصير قحطان ورغبتهم في التنصل من مسؤوليته.
وليس مستغربًا أنّ انهيار عدد من جولات التفاوض السابقة ارتبط بفشل التوصل لحل بشأن قحطان وأمثاله من الأسرى “الثقيلين” سياسيًا.
وتؤكد الحكومة اليمنية أنه لا يمكن إنجاز أي تبادل شامل دون الكشف عن مصير هؤلاء وإطلاق سراحهم أو على الأقل تقديم ضمانات بشأنهم، معتبرة ذلك اختبارًا جوهريًا لمدى صدق نوايا الحوثيين والتزامهم بالقانون الإنساني.
محطات تبادل الأسرى
شهدت السنوات الأخيرة عدّة محطات بارزة نجح فيها الوسطاء في إبرام صفقات لتبادل الأسرى رغم التعثرات.
جاءت أولى تلك الاختراقات الكبيرة بعد نحو عامين من المراوحة، حين تمكنت الأمم المتحدة بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تنفيذ أضخم عملية تبادل في أكتوبر/تشرين الأول 2020.
يظهر الإنفوجراف التالي أبرز محطات تبادل الأسرى بين الحكومة الشرعية والحوثيين بوساطات أممية ومبادرات محلية.
وأدّت الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية دورًا محوريًا في إبقاء ملف الأسرى حيًا على طاولة البحث رغم تعثر الجولات السابقة.
وتمثلت الجهات التي أدت جهود للوساطة في هذا الملف بكل من:
- مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن – رعاية الاجتماعات الفنية وتنسيق القوائم
- سلطنة عُمان – استضافة جولات تفاوضية حاسمة وتسهيل التواصل بين الأطراف
- الأردن – توفير مساحة محايدة لاحتضان لقاءات لجنة الأسرى مرات عدة
- اللجنة الدولية للصليب الأحمر – الإشراف ميدانيًا على عمليات التبادل ونقل الأسرى
آفاق وتوقعات
رغم توقف المعارك الواسعة ونجاح الأطراف في الحفاظ على هدنة غير معلنة منذ أكثر من عام، ظلّت خطوات تنفيذ تبادل الأسرى بطيئة وتحوطها الشكوك.
فالاتفاق الكبير الذي وُقّع في مسقط بتاريخ 23 ديسمبر/كانون الأول 2025 -والقاضي بتبادل حوالي 2,900 أسير في أكبر صفقة من نوعها منذ اندلاع الحرب- لم يدخل حيّز التنفيذ ضمن الجدول الزمني المحدد (شهر من التوقيع) بسبب خلافات مستجدة.
ومع نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، برزت مؤشرات انتكاسة حين تبادل الطرفان الاتهامات علنًا بشأن المسؤول عن التأخير.
فالحكومة عبر مستشاريها اعتبرت “تنصّل الحوثيين من اتفاق مسقط دليلًا على غياب الجدية” لديهم، بينما رد الحوثيون بأن “الخلل في تأخر القوائم جاء من جانب الحكومة”.
وأمام هذا الوضع، كثّف الوسطاء الدوليون تحركاتهم، فسارع المبعوث الأممي إلى جمع الأطراف مجددًا في عمّان على أمل تذليل العقبات الأخيرة.
وتهدف هذه الجولة الجديدة إلى الاتفاق على قوائم نهائية للمبادلة ووضع جدول زمني محدد للتنفيذ المرحلي – يتضمن بدء الإفراج على دفعات متفق عليها ومتابعة ملف المفقودين وتبادل رفات القتلى عبر الصليب الأحمر.
ويعلّق اليمنيون آمالًا حذرة على أن تثمر مفاوضات عمّان الحالية تفاهمات نهائية تطوي صفحة معاناة الأسرى المستمرة منذ سنوات.
ورغم التجاذبات، هناك إجماع دولي وإقليمي على أن نجاح صفقة التبادل الشامل سيكون مكسبًا إنسانيًا بالغ الأهمية يمهّد الأرضية لإحراز تقدم في مسارات سلام أخرى.
وقد وصف المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إطلاق سراح الأسرى بأنه “تذكير بأن الحوار البنّاء والتنازلات المتبادلة أدوات قادرة على تحقيق نتائج عظيمة”، مشيرًا إلى أن حسن النوايا في هذا الملف يمكن أن ينعكس إيجابًا على جهود وقف إطلاق النار الشامل وإنهاء الحرب.