يُفترض بمعبر الكرامة، المعروف أيضًا باسم “جسر الأردن”، أن يكون شريان حياة للفلسطينيين، لكنه تحوّل عمليًا إلى بوابة إذلال يومي واختبار قاسٍ للكرامة الإنسانية، فلم يعد مجرد نقطة عبور بين ضفتين، بل فضاء مفتوحًا للانتظار الطويل والتفتيش المذل والضغط النفسي المتواصل، في ظل ساعات عمل محدودة وإجراءات صارمة تجعل المرور عبره تجربة شاقة تكاد تكون مستحيلة.
في هذا السياق، أجرى “نون بوست” حوارًا خاصًا مع حلمي الأعرج، مدير مركز الدفاع عن الحريات، لتفكيك الواقع المأساوي على معبر الكرامة. ووفقًا لوصفه، لم يعد الجسر إجراءً أمنيًا أو إداريًا عابرًا، بل أداة ممنهجة بيد الاحتلال لإذلال الفلسطينيين وخنق حركتهم وحقوقهم الأساسية، في وقت يواصل فيه العالم مراقبة المشهد من بعيد، دون أي تحرك فعلي للمساءلة أو حماية الكرامة الإنسانية.
وتكشف المعاناة اليومية على المعبر، كما يوضح الأعرج، أن ما يجري يتجاوز حدود الإرباك الإداري أو القيود المؤقتة، ليصل إلى سياسة متعمدة تستهدف كسر الإنسان الفلسطيني، وتحويله إلى أسير لكل قرار يصدر عن منظومة الاحتلال.
كيف يمكن تفسير استمرار المعاناة الفلسطينية على جسر الأردن (جسر الكرامة)، رغم مرور سنوات طويلة على وجوده كمعبر مدني؟
يمكن تفسير هذه المعاناة المستمرة والمتواصلة منذ عقود بوجود الاحتلال وممارساته وسياساته التي تهدف إلى فرض عقوبات جماعية محرّمة دولياً على الشعب الفلسطيني، والمسّ بكرامة أبنائه وبناته، نساءً ورجالاً، أطفالاً وشيوخاً ومرضى، إذ يتعرض المسافرون للتفتيش المهين، بما في ذلك التفتيش العاري، ولسوء المعاملة اللاإنسانية، فضلاً عن احتجازهم لساعات طويلة على المعبر بحجة التفتيش والإجراءات الأمنية.
لقد كانت، وما زالت، رحلة العبور عبر جسر الكرامة رحلة عذاب ومعاناة وامتهان للكرامة الإنسانية. وفي الآونة الأخيرة، ولا سيما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تفاقمت هذه المعاناة بشكل ملحوظ، حيث عمد الاحتلال إلى تقليص ساعات وأيام العمل على الجسر لفترات طويلة، ما جعل المعبر غير قادر على استيعاب أعداد المسافرين الفلسطينيين، علماً بأن معبر الكرامة هو البوابة الوحيدة لهؤلاء المواطنين للخروج إلى العالم الخارجي.
إن فتح المعبر لساعات عمل محدودة، في ظل إجراءات أمنية شديدة ومعقدة، يعكس قصداً متعمّداً لامتهان كرامة الإنسان الفلسطيني. ويبرر الاحتلال هذه السياسات بادعائه السيادة الكاملة على معبر الكرامة، في مقابل نفي أي سيادة للسلطة الوطنية الفلسطينية، في محاولة لإنكار كرامة الإنسان الفلسطيني، بل وإنكار وجود الشعب الفلسطيني ذاته.
ويجري كل ذلك على مرأى ومسمع من العالم، بالصوت والصورة، حيث تدرك الممثليات الدبلوماسية حقيقة ما يحدث، وترى تفاصيله، لكنها لم تحرّك ساكناً، الأمر الذي يفاقم حجم المعاناة. وتتضاعف هذه المعاناة خلال فترات الأعياد والمناسبات الدينية ومواسم السفر، مثل الحج والعمرة، والأعياد السنوية، وأعياد الميلاد، والعطل المدرسية والإجازات، إذ يكتظ المعبر بآلاف المسافرين الذين تتعثر إمكانية سفرهم، فيضطرون إلى الانتظار أياماً طويلة، ذهاباً وإياباً، ليلاً ونهاراً.
ويعود ذلك إلى إمعان الاحتلال في تنفيذ قراره بممارسة العقوبات الجماعية على الشعب الفلسطيني إلى أبعد مدى، علماً بأن القرار بيده، وأن بإمكانه فتح هذا الجسر، كما سائر معابر الأرض، على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع.
إلى أي حد يُستخدم جسر الأردن كأداة عقاب جماعي وليس مجرد إجراء أمني؟
في الواقع، يُستخدم جسر الكرامة بالفعل كأداة عقاب جماعي بامتياز، وليس كإجراء أمني فحسب، فالمعاناة التي يفرضها تمثل شكلاً واضحاً من الاستنزاف الاقتصادي للمواطنين الفلسطينيين، إذ إن تكلفة السفر مرتفعة جداً، فالمواطن يغادر بلده وهو تحت الاحتلال، ويدفع رسوم سفر وضرائب باهظة، وإذا كان السفر لعائلة كاملة، تصبح الأعباء المالية مضاعفة ومرهقة بشكل كبير.
إلى جانب ذلك، هناك إذلال للكرامة الإنسانية من خلال إجراءات أمنية معقدة، وتفتيش مهين، ومعاملة قاسية، فضلاً عن الانتظار لساعات طويلة، سواء في فصل الصيف أو الشتاء. وتزداد المعاناة مع حالات الاكتظاظ الشديد، ما يترك آثاراً نفسية وصحية خطيرة على المواطنين، إذ تُستنزف أعصابهم، وتُهدر أوقاتهم، وتُسرق أموالهم، وتُضاعف معاناتهم اليومية.
وفوق كل ذلك، يتحكم الاحتلال بكل تفاصيل حركة السفر، ففي كثير من الأحيان يكون لدى المواطنين حجوزات مسبقة في المطارات، أو مواعيد عمل، أو مواعيد علاج، أو حجوزات مرتبطة بالعبادة، إلا أن جميعها تتعرض للضرر والخسارة الكبيرة، بسبب عدم تمكنهم من الوصول في الوقت المحدد إلى المطار، نتيجة تقليص ساعات وأيام العمل على المعبر.
وتتفاقم هذه المشكلة بشكل خاص أيام الجمعة والسبت، حيث تكون ساعات العمل مقلّصة إلى أقصى حد، ما يجبر المواطن الفلسطيني على تحمّل مصاريف إضافية، فبدلاً من أن يعبر عبر جسر الكرامة ويتجه مباشرة إلى المطار، يضطر للوصول إلى عمّان وحجز فندق ليوم أو يومين. ففي حال السفر يوم الخميس، مثلاً، قد يضطر لحجز فندق لليلتَي الجمعة والسبت حتى يتمكن من اللحاق برحلته يوم الأحد، وكل ذلك يشكّل أعباء مالية باهظة ومعاناة مضاعفة.
وفي ظل هذه الظروف، يبقى المواطن في حالة توتر دائم: هل سيتمكن من عبور المعبر؟ هل سيسمح له بالسفر؟ هل ستُعرقل رحلته؟ ويضاف إلى ذلك سياسة المنع الأمني التي يمارسها الاحتلال، والتي تُستخدم أيضاً كشكل من أشكال العقوبات الجماعية، حيث يُمنع المواطنون من السفر بذريعة “أسباب أمنية”، دون توضيح أو مسوغ قانوني واضح.
قانونياً، كيف يمكن تقييم ممارسات الإرجاع والمنع من السفر دون إبداء أسباب واضحة؟
قانونيًا، تُشكّل ممارسات الإرجاع والمنع من السفر دون إبداء أسباب واضحة انتهاكاً صارخاً للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وللعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما الحق في حرية الحركة والتنقل والسفر. فهذا المنع لا يقتصر على انتهاك هذا الحق بحد ذاته، بل يفضي إلى المساس بجملة من الحقوق المدنية الأساسية الأخرى المرتبطة به.
فهدف السفر بالنسبة للمواطن الفلسطيني الواقع تحت نير الاحتلال لا يكون ترفاً أو خياراً ثانوياً، بل غالباً ما يكون مرتبطًا بالعمل في الدول العربية أو الأجنبية، أو بالتعليم، أو بالعلاج، خاصة في ظل القيود التي يفرضها الاحتلال على وصول الفلسطينيين إلى فلسطين المحتلة أو إلى مدينة القدس. وكثيراً ما يُحرم المواطن من العلاج في القدس، أو في مستشفيات مثل “هداسا” في الداخل المحتل وغيرها، ثم يُمنع في الوقت ذاته من السفر للعلاج خارج البلاد، ما يُشكّل مساساً مباشراً وخطيراً بحق الإنسان في الصحة والحياة.
إن الحق في العمل يُعد من الحقوق المقدسة التي كفلتها دساتير الدول، وأكدت عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات حقوق الإنسان المختلفة، فالإنسان له حق أصيل في الحياة، وحق في العمل، وحق في الحرية، وحق في التنقل والسفر. وعندما تُصادر هذه الحقوق أو تُنتهك بقرار إداري تعسفي، ودون قرار قضائي، ودون تقديم أسباب أو مبررات قانونية واضحة، فإن ذلك يُلحق ضرراً فادحاً بحياة المواطن، وبحياة أسرته، وببنية المجتمع ككل.
فإذا كان المواطن مريضاً، يُنتَهك حقه في العلاج، وإذا كان طالباً، يُحرَم من حقه في التعليم، وإذا كان خريجاً، يُمنَع من ممارسة حقه في العمل، وإذا كان متديناً، يُحرَم من أداء مناسك العمرة أو الحج. كما يُمسّ حقه في التواصل مع عائلته وأبنائه وبناته المقيمين في الولايات المتحدة أو أوروبا أو دول الخليج أو الدول العربية أو الأردن، وهو ما يشكّل اعتداءً مباشراً على الحق في الحياة الأسرية.
وعليه، فإن المسألة لا تقتصر على منع فرد بعينه من ممارسة حقه الطبيعي والأصيل في السفر، بل تتعدى ذلك إلى إلحاق أضرار واسعة بالعائلة والمجتمع والاقتصاد، فضلاً عن الأذى النفسي والمعنوي الذي يلحق بالمواطن نفسه، ما يجعل هذه الممارسات شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور قانونياً بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
برأيك، ما هي المسؤوليات الواقعة على كل من الاحتلال والسلطة الفلسطينية والجانب الأردني لتحسين ظروف السفر عبر جسر الأردن، ومن يتحمل العبء الأكبر؟
كل ما يُقال حول التقصيرات الإدارية، سواء من جانب السلطة الفلسطينية أو الإدارة الأردنية، هو أمر مهم، لكنه يبقى غيضاً من فيض إذا ما قورن بالمسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق الاحتلال، فجوهر المشكلة يتمثل في سيطرة الاحتلال على المعبر، وتقليصه المتعمد لساعات وأيام العمل، في حين أن الحل الجذري يكمن في فتح الجسر على مدار 24 ساعة. وحتى لو استمرت بعض الإجراءات الإدارية أو البيروقراطية الفلسطينية والأردنية، فإنه يمكن التعايش معها، لكن لا يمكن التعايش مع الإجراءات القمعية والانتهاكات السافرة التي يمارسها الاحتلال بشكل يومي، وعلى امتداد شهور وسنوات.
إن تقنين ساعات السفر لعدة ساعات فقط يومياً يفاقم الأزمة، ويجعل أي إصلاح إداري محدود الأثر. ومع ذلك، تبقى الجوانب التنظيمية والإدارية لدى السلطة الفلسطينية، بالتنسيق مع السلطات الأردنية، في غاية الأهمية، لا سيما لمنع أي مظاهر فساد، أو استغلال المواطنين من خلال فرض مبالغ إضافية، أو ما يُعرف بخدمات “VIP”، أو الرشاوى، خاصة مع الأعداد الكبيرة من المسافرين.
وكل ما يمكن أن تقوم به السلطة الفلسطينية لتسهيل حركة المرور ذهاباً وإياباً يُعد واجباً أساسياً، وكذلك كل ما هو مطلوب من الجانب الأردني لتحقيق هذا الهدف، غير أن دور السلطة الفلسطينية يبقى الأهم، بوصفها الجهة الرسمية الأولى المسؤولة عن تأمين هذه الآليات، وهي الجهة التي تتواصل بشكل مباشر مع السلطات الأردنية. وأي تقصير في هذا المجال، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، تكون كلفته عالية، إذ يوجّه غضب المواطنين نحو جلد السلطة الفلسطينية والأردن معاً، وهو أمر لا يخدم أحداً.
نحن بحاجة إلى علاقة إيجابية وبنّاءة وصادقة ومتبادلة بين الشعبين والنظامين، والحفاظ على هذه العلاقة التاريخية، وعدم السماح لأي شركات خاصة باستغلال معاناة المواطنين باسم النظام أو الشعب الأردني، فهذه الشركات ليست سوى كيانات رأسمالية همّها الربح، وتستغل المواطنين دون اعتبار للبعد الإنساني، وهو أمر يجب أن تدركه السلطات السياسية الأردنية، وأن تعمل على معالجته بشكل جدي وعميق وفوري.
كما يتوجب البحث عن كل الإجراءات الإدارية والتنظيمية التي من شأنها تسهيل عملية العبور، وإزالة التعقيدات البيروقراطية، سواء من حيث تنظيم القاعات، أو زيادة أعداد طواقم العمل، أو توسيع ساعات الدوام، أو تسريع إجراءات الجوازات. ومع التأكيد على أن الاحتلال يتحمل المسؤولية الأساسية، فإن الأزمة الخانقة التي باتت تمسّ كل بيت فلسطيني تفرض ألّا يكون هناك أي تقصير من جانب السلطة الفلسطينية أو السلطات الأردنية.
فكل طرف يعرف ما هو المطلوب منه، ومن خلال العلاقة المشتركة يمكن للطرفين تقديم اقتراحات عملية وملموسة تخفف من معاناة الفلسطينيين على معبر الكرامة، مع إبقاء الكرة كاملة في ملعب الاحتلال، وتحميله المسؤولية الكاملة عن هذه المعاناة المستمرة.
من خلال متابعتكم في مركز “حريات”، ما هي أخطر الانتهاكات التي يتعرض لها المسافرون الفلسطينيون على جسر الأردن من منظور قانوني و حقوقي؟
وفقًا لمتابعتنا في مركز “حريات”، فإن أبرز وأخطر الانتهاكات التي يتعرض لها المسافرون الفلسطينيون على جسر الكرامة تتمثل في الانتهاك المنهجي والمتعمد لحق الإنسان في حرية الحركة والتنقل والسفر. فهذا الحق مكفول صراحة في القانون الدولي الإنساني، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات حقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يؤكد حق كل إنسان في التنقل، والسفر، والعودة من وإلى وطنه متى شاء.
وعندما يُنتهك هذا الحق بكل عناوينه وأبعاده، فإن ذلك يعني أن الاحتلال الإسرائيلي ينتهك حقوق الإنسان مع سبق الإصرار والترصد، ويخرق قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات حقوق الإنسان بشكل متعمد، وهو ما يشكّل الانتهاك الأبرز والأخطر، فحرمان المواطن الفلسطيني من حرية الحركة والتنقل والسفر يفتح الباب أمام المساس بسلسلة واسعة من الحقوق المدنية الأساسية الأخرى، مثل الحق في العمل، والحق في العبادة، والحق في التعليم، والحق في العلاج، والحق في التواصل الاجتماعي والأسري، إذ تصبح جميع هذه الحقوق غير مأمونة وغير مضمونة في ظل هذا المنع القسري.
وإلى جانب ذلك، يفاقم الاحتلال من معاناة المسافرين، ويمسّ بشكل مباشر بالكرامة الإنسانية، من خلال إخضاع المواطنين للإذلال والمعاملة المهينة على المعبر. وعندما تكون هذه الممارسات متعمدة وصادرة عن جهة رسمية، كما هو حال سلطة الاحتلال، فإنها ترتقي قانونياً إلى مستوى التعذيب بشقيه النفسي والجسدي.
فإبقاء المرضى لساعات طويلة على الجسر، واحتجاز النساء الحوامل، والأطفال، وكبار السن في ظروف قاسية، وتحت أشعة الشمس الحارقة ولساعات طويلة، يشكّل بحد ذاته تعذيباً ومعاملة لا إنسانية ومهينة. وعندما يصدر هذا السلوك عن سلطة رسمية بقرار واعٍ ومقصود للمساس بالكرامة الإنسانية، فإنه يندرج ضمن تعريف جريمة التعذيب الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب.
وتنص هذه الاتفاقية بوضوح على أن المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، القائمة على التمييز، والصادرة عن جهة رسمية، تُعد تعذيباً، سواء وقعت في الشارع، أو على المعابر، أو في مراكز الاحتجاز والتوقيف، أو في مراكز التحقيق التابعة للاحتلال، فجميعها سيّان من حيث الطبيعة القانونية والخطورة.
وعليه، فإن ما يجري على جسر الكرامة لا يمكن اعتباره مجرد إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل هو نمط ممنهج من الانتهاكات الخطيرة التي ترقى إلى جرائم لا تسقط بالتقادم، وتشكل مساساً مباشراً بحقوق الإنسان الأساسية وكرامته، وهو أمر بالغ الخطورة قانونياً وإنسانياً.
كيف تؤثر ظروف الانتظار الطويلة وإجراءات التفتيش القاسية على الفئات الأكثر هشاشة بين المسافرين الفلسطينيين مقارنة بغيرهم؟
في الواقع، حتى المواطنون الشباب الذين يتمتعون بصحة جيدة يعانون بشكل كبير عندما يضطرون لقضاء يوم كامل، ذهاباً أو إياباً، على معبر الكرامة. فهذا الزمن المستنزف يُقتطع من وقتهم وجهدهم وحياتهم، ويضاف إليه عبء نفسي ومعاناة مستمرة، في إطار تمييز واضح بحق الإنسان الفلسطيني. وفي المقابل، يسافر المواطنون اليهود عبر المطارات دون التعرض لمثل هذه الظروف القاسية، ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: هل توجد مثل هذه المعاناة في أي مكان آخر في العالم؟
السبب في ذلك واضح وجلي، وهو الاحتلال وسياساته المتعمدة التي تُنفَّذ بقرار سياسي. ولهذا، فإن معاناة جميع المواطنين الفلسطينيين على الجسر شديدة، لكنها تصبح أكثر وطأة وحدّة على الفئات الأكثر هشاشة، مثل المرضى، والأطفال، وكبار السن، والنساء، ولا سيما النساء الحوامل.
فطول فترات الانتظار، في ظل اكتظاظ شديد، وحالة ترقّب وقلق دائم بشأن إمكانية العبور في اليوم ذاته، سواء في الذهاب أو الإياب، يضع المسافر في حالة توتر عصبي مستمرة. فالمواطن لا يعرف إن كان سيتمكن من اجتياز الجسر أم لا، ويبقى معلّقاً على أمل أن تفضي كل هذه المعاناة الشديدة في النهاية إلى فرج، وأن يُسمح له بتجاوز هذه الحدود، حتى يتمكن من إنجاز الغاية التي دفعته إلى اتخاذ قرار السفر، سواء كانت للعمل، أو الدراسة، أو العلاج، أو لأي سبب إنساني آخر.
وبينما يعاني الجميع، فإن هذه المعاناة غير متساوية في آثارها، إذ تتحول بالنسبة للفئات الضعيفة إلى عبء صحي ونفسي خطير، قد يهدد سلامتهم الجسدية، ويضاعف معاناتهم، ويجعل تجربة السفر نفسها تجربة قاسية تمسّ بكرامتهم الإنسانية بشكل مباشر.
هل تُستخدم القيود المفروضة على جسر الاردن كأداة سياسية وأمنية تتصاعد حدّتها في فترات التوتر، وكيف ينعكس ذلك على حياة الفلسطينيين؟
نعم، هناك تصاعد واضح وملحوظ في القيود المفروضة على جسر الكرامة خلال فترات سياسية أو أمنية معيّنة.،ففي كثير من الأحيان، يلجأ الاحتلال إلى الإغلاق الشامل للضفة الغربية، أو لإغلاق محافظة بعينها، ولفترات طويلة. وقد شهدنا ذلك خلال الانتفاضة الأولى والثانية، وفي عام 2014، وكذلك بشكل واسع بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، حيث فُرضت قيود قاسية واغلاقات شاملة شكّلت عقوبات جماعية واضحة بحق الفلسطينيين.
وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر تحديداً، ازدادت المعاناة بشكل كبير، سواء من حيث تشديد الإجراءات، أو قسوة المعاملة، أو تقليص ساعات وأيام العمل على الجسر. وأصبح واضحاً أن هذا المعبر يُستخدم كسلاح بيد الاحتلال للتنكيل بالمواطنين، وفرض الحصار الاقتصادي، وانتهاك الحق في حرية الحركة والتنقل والانفتاح على العالم الخارجي، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المدنية الأساسية، مثل الحق في العمل، والعلاج، والتعليم، والحج، ولمّ شمل العائلات.
وهذه المعاناة ليست لحظية ولا عابرة ولا مؤقتة، بل هي معاناة ممتدة منذ وجود الاحتلال عام 1967 وحتى اليوم، تتزايد حدّتها ووحشيتها تبعاً للظروف السياسية والأمنية التي يستخدمها الاحتلال ذريعة لتشديد إجراءاته، فالشعب الواقع تحت الاحتلال يُستخدم دائماً الظرف السياسي أو الأمني ذريعةً لمعاقبته، بل إن الاحتلال في كثير من الأحيان يفتعل هذه الذرائع.
ويظهر ذلك بوضوح على الحواجز، كما على الجسور. فكم من مرة تقف مئات أو آلاف السيارات لساعات طويلة على حاجز ما، دون وجود جنود، ثم فجأة يُفتح الحاجز، دون أي تغيير حقيقي في الواقع الأمني. فما الذي تغيّر؟ لا شيء، سوى القرار. وهذا القرار بحد ذاته ينطوي على عنصرية وعقاب جماعي مقصود، هدفه إذلال الناس، وإبقاؤهم لساعات طويلة في الانتظار، ثم فتح الطريق لمن يأتي بعدهم، وكأن معاناة من انتظروا لا قيمة لها.
إن هذا النمط من السلوك يهدف إلى كسر الإنسان الفلسطيني نفسياً، وإبقائه أسير فكرة الحواجز والجسور، بحيث لا يفكر بالحرية، ولا بالاستقلال، ولا حتى بتأمين لقمة العيش. فحياة الفلسطيني اليومية تبدأ وتنتهي بسؤال: كيف الحواجز اليوم؟ هل الطريق مفتوحة أم مغلقة؟ ولماذا؟ والجواب دائماً واحد: لأن هذا هو الاحتلال.
وبعيداً عن أي سلوكيات تفصيلية، فإن وجود الاحتلال بحد ذاته يُعد أكبر جريمة مستمرة في التاريخ الحديث، وتتجلى هذه الجريمة بأشكال متعددة. ولعلّ أكثر ما يعانيه الفلسطيني، بعد الاعتقال، وإطلاق النار، والقتل، والاغتيال، هو هذه المعاناة اليومية على الحواجز والجسور، فهما وجهان لعملة واحدة: العقاب الجماعي، والسيطرة على الفلسطيني، وإذلاله، والمسّ بكرامته الإنسانية.
ما أسباب الصمت الدولي وغياب المساءلة الفعلية تجاه الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون على جسر الكرامة رغم وضوحها قانونياً وإنسانياً؟
الصمت الدولي تجاه ما يحدث على جسر الكرامة يشكّل عاملاً رئيسياً في تشجيع الاحتلال على الاستمرار في انتهاكاته. طالما بقي هذا الصمت قائماً دون مساءلة أو محاسبة، يدفع الشعب الفلسطيني ثمنه المباشر. يأتي ذلك في ظل الحماية والدعم السياسي غير المحدود لدولة الاحتلال في المحافل الدولية كافة، سواء أمام القانون الدولي، أو في مجلس الأمن، أو الجمعية العامة، أو مختلف المنظمات الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية.
العديد من الدول، حين تواجه الحقائق التي تمس كرامة الإنسان الفلسطيني وحقوقه الأساسية، تختار الصمت. هذا الصمت يسمح للاحتلال بالتصرف بحرية، ويؤدي إلى استمرار الإجراءات القاسية على المواطنين على الجسور والمعابر، بما في ذلك القيود على حرية الحركة والسفر وامتهان الكرامة الإنسانية.
ورغم أن الشرعية الدولية تقرّ بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وأن اتفاقيات جنيف واتفاقيات حقوق الإنسان تكفل حماية الفلسطينيين، وتضمن حقهم في الحرية والتنقل والعمل والحياة والكرامة، فإن هذه الحقوق لا تُطبَّق على أرض الواقع على المعابر.
في ظل هذا الصمت الدولي، يجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين، أفراداً ومؤسسات، للقيام بدورهم في حماية حقوقهم، رغم محدودية الإمكانات. الجرائم المرتكبة، بما فيها جرائم الحرب والانتهاكات اليومية على المعابر والجسور، لا تجد طريقها إلى محاسبة حقيقية بسبب شلل القضاء الدولي، وعلى رأسه المحكمة الجنائية الدولية، وتقاعس القضاء الوطني في بعض الدول.
تبقى بعض المبادرات الفردية، التي يقودها نشطاء ومحامون من أحرار العالم، محدودة التأثير، في حين يفترض أن تتحمل الدول المتعاقدة على اتفاقيات جنيف مسؤولياتها القانونية والأخلاقية كاملة.
باختصار، المجتمع الدولي يمتلك الأدوات القانونية والسياسية والأخلاقية لتغيير هذا الواقع، لكنه لا يريد استخدامها، خوفاً من المساءلة على مصالحه. ونتيجة لذلك، تستمر الانتهاكات على جسر الكرامة بشكل يومي، ويظل الفلسطينيون يعانون من القيود، الإذلال، وانتهاك كرامتهم الإنسانية دون أي حماية فعلية.
ما المطلوب اليوم من الإعلام لتفكيك الصورة التي يحاول الاحتلال تسويقها عن جسر الأردن؟
معاناة الفلسطينيين على جسر الكرامة يومية وتمثل انتهاكاً مستمراً، يصل إلى حد جرائم الحرب، لذلك من الضروري الحديث عنها بشكل دائم، وملاحقة المسؤولين عنها، وفضح سياسات الاحتلال.
الإعلام هو المرآة الحقيقية للواقع، إذ إن عرض الحقائق بالصوت والصورة يعطي تأثيراً أكبر من مجرد الأخبار أو المقالات المكتوبة، وينقل الرسالة بوضوح إلى العالم. هذه المهمة لا تهم الصحفي فقط، بل تهم كل إنسان فلسطيني، سواء أكان مواطناً عادياً، أو طالباً، أو طبيباً، أو سياسياً، أو رجل أعمال، أو امرأة، أو طفلاً، فهي مسؤولية فلسطينية أساسية لنقل الواقع كما هو.
يجب أن يعمل الإعلام الفلسطيني على فرض هذه القضية على الأجندة الإعلامية والدولية، وإظهار المعاناة اليومية الهائلة التي يتعرض لها الفلسطيني على المعابر والجسور، بما في ذلك الإغلاق الطويل للجسر، في وقت تكون فيه المعابر في دول العالم الأخرى مفتوحة على مدار الساعة.
هذا الحصار والقيود المفروضة على حركة المواطنين، مع عدم وجود أي بديل للسفر، يؤدي إلى نتائج سلبية على جميع الصعد، ويجعل الدفاع عن حقوق الفلسطينيين مسؤولية مباشرة لهم، قبل أي جهة دولية أخرى.
من خلال الإعلام، يمكن فضح الاحتلال وإظهار تناقض ادعاءاته بشأن احترام حقوق الإنسان، والتأكيد على أنه لا يلاحق المقاومة فحسب، بل يستهدف المواطن الفلسطيني بكل فئاته، بما في ذلك الأطفال، والنساء الحوامل، وكبار السن، ويؤثر على حياتهم وكرامتهم اليومية.
إذا أردت توجيه رسالة واحدة للمجتمع الدولي حول ما يحدث يومياً على جسر الأردن، ما هي؟
تحملوا مسؤولياتكم القانونية والسياسية والأخلاقية تجاه معاناة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، واحترموا حقه الطبيعي في تقرير المصير وإقامة دولته، وإنهاء الاحتلال وفقاً للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة والعدالة الدولية.
على المجتمع الدولي أن يتحرك بشكل ملموس، وليس مجرد إصدار بيانات إدانة، وأن يمارس المساءلة الفعلية للاحتلال، ويطبق مبدأ المعاملة بالمثل كما تتعامل الدول الغربية في حالات مماثلة، وأن يقوم بدوره الإنساني والقانوني الدائم فيما يتعلق بالحواجز في الضفة الغربية والقدس. هذه الحواجز تحول الأرض الفلسطينية المحتلة إلى سجون صغيرة، وتجعل الضفة الغربية، بما فيها القدس، سجناً كبيراً.
كما يجب أن يشمل الضغط الدولي جميع أشكال الانتهاكات، من امتهان الكرامة والإذلال على المعابر إلى العقوبات الجماعية المحرمة دولياً على جسر الكرامة. المجتمع الدولي قادر على القيام بذلك، وعليه أن يتحمل مسؤوليته القانونية والسياسية والأخلاقية كاملة.
