ترجمة وتحرير: نون بوست
شيء بالغ الخطورة يُوشك أن يحدث هذا الخميس (اليوم)، في غضون يومين، ستنتهي صلاحية معاهدة “نيو ستارت“، آخر ما تبقّى من حقبة اتفاقيات الحدّ من الأسلحة النووية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي. وقد قرّر دونالد ترامب، الرئيس الذي يزعم أنه شديد القلق بشأن “النووي”، وهو مصطلح غريب يستخدمه لوصف كل ما يتعلّق بالأسلحة النووية، أن يترك المعاهدة تنقضي دون تجديد، ففي يوليو/ تموز، قال ترامب إن “نيو ستارت” ليست اتفاقًا ترغب في أن ينتهي، لكنه تراجع الشهر الماضي قائلًا: “إذا انتهت صلاحيتها، فهي ستنتهي”.
تضع اتفاقية “نيو ستارت” السارية منذ عام 2011 بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، حدودًا لعدد الأسلحة “الاستراتيجية” الأمريكية والروسية، أي الصواريخ والقاذفات بعيدة المدى القادرة على قطع آلاف الأميال بين أمريكا الشمالية وأوراسيا.
وهي آخر اتفاقية في سلسلة من المعاهدات التي ساعدت على استقرار العلاقة بين القوتين العظميين خلال سنوات التوتر في الحرب الباردة، ثم وفّرت إطارًا لتخفيضات جدّية في الأسلحة النووية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. يوم الخميس، ستصبح أكبر قوتين نوويتين في العالم حرّتين لبدء سباق تسلّح جديد، منافسة غير ضرورية تمكّن البلدان من تجنّبها لعقود.
في الواقع، يرى الروس أن المعاهدة ينبغي تجديدها. علّقت موسكو مشاركتها في العمليات الروتينية ضمن المعاهدة (مثل تبادل المعلومات) عام 2023 بسبب المناوشات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، لكنها عرضت الالتزام بالقيود على عدد الأسلحة لعام إضافي. أما إدارة ترامب فلم تبدِ مثل هذا الحد الأدنى من الاهتمام بالحفاظ على المعاهدة. وقد أشار الباحث في شؤون الأسلحة النووية بافيل بودفيغ الأسبوع الماضي إلى أن “الخبراء والطبقة السياسية في الولايات المتحدة توصّلوا عمليًا إلى توافق على ضرورة توسيع الترسانة الاستراتيجية الأمريكية.”
بودفيغ ليس محقًّا بشكل كامل في هذه النقطة: المؤسسة النووية الأمريكية، أي شبكة مراكز الأبحاث والمقاولين والقطاع الصناعي التي تنتج الأسلحة النووية وتدعمها، تميل في معظم الأحيان إلى الدفع نحو إنتاج المزيد من الأسلحة وتطوير نسخ أحدث منها، (عملتُ لدى أحد هؤلاء المقاولين قبل عقود)، لكن هناك الكثير من الخبراء والسياسيين الذين يرون أن صنع المزيد من الأسلحة النووية فكرة سيئة للغاية، لكنهم لا يقدّمون المشورة للإدارة الحالية.
وكما في ولايته الأولى، يحيط ترامب نفسه بأشخاص يعارضون معظم المعاهدات، ويعتبرونها مجرد قيود مزعجة للقوة الأمريكية، ويرون في اتفاقيات الحد من التسلّح علامة على الضعف، حتى أن وزير البحرية يريد وضع أسلحة نووية على البوارج الجديدة التي يقترح ترامب بناءها، وهي سياسة خطيرة من حقبة الحرب الباردة كان جورج بوش الأب قد تخلّى عنها قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
“نيو ستارت” معاهدة جيّدة، لكنها لم تظهر فجأة عندما تم التصديق عليها عام 2010. أصل هذه المعاهدة هي محادثات الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية التي بدأها ريتشارد نيكسون. وقد شكّلت معاهدة “الحد من الأسلحة الاستراتيجية” التي تم توقيعها عام 1972 خطوة مهمّة، إذ وضعت قيودًا على أبحاث الدفاع الصاروخي. (أما المعاهدة اللاحقة “الحد من الأسلحة الاستراتيجية 2″، فقد تعثّرت في ظلّ التوترات أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات).
ومع اقتراب نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، أطلق جورج بوش الأب وميخائيل غورباتشوف على المعاهدة “ستارت” بدلا من “سالت”، واستبدلوا كلمة “الحدّ” بكلمة “تخفيض”، وهي فكرة طرحها رونالد ريغان عام 1982.
كانت التخفيضات اللاحقة دراماتيكية: في ثمانينيات القرن الماضي، امتلكت القوتان العظميان نحو 20 ألف رأس نووي موجّهة نحو بعضهما البعض عبر أنظمة الإطلاق الاستراتيجية. كما نُصبت آلاف أخرى على الطائرات والصواريخ قصيرة المدى في أنحاء أوروبا، إضافة إلى السفن الحربية. وقد قلّصت معاهدة “ستارت” هذه الأعداد بشكل كبير، محدِّدة سقفًا لكل طرف يبلغ 6,000 رأس نووي على ما لا يزيد عن 1,600 منصة إطلاق. غير أن العملية وصلت إلى طريق مسدود عندما انسحب جورج بوش الابن من الجزء المتعلق بالدفاع الصاروخي في اتفاقية “سالت” القديمة، وتردد الروس في توقيع نسخة محدّثة من “ستارت”.
لكن بوش اقترح بدلًا من ذلك اتفاقية أخرى: معاهدة “تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية” (سورت). تم توقيع المعاهدة عام 2002 بين بوش الابن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكنها لم تتضمّن أي آليات للتحقق، واكتفت بوضع هدف تقريبي لكل طرف لتقليص ترسانته إلى ما بين 1,700 و2,200 رأس نووي استراتيجي منتشر بحلول عام 2012، وهو العام الذي انتهت فيه صلاحية معاهدة تخفيض الأسلحة الهجومية الاستراتيجية “سورت”.
في عام 2010، قدّم باراك أوباما إلى مجلس الشيوخ بديلًا لمعاهدة “سورت”، وهي “نيو ستارت”. اعترض صقور الحزب الجمهوري عليها إلى أن وافق أوباما على إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على برامج لتحديث الأسلحة النووية، وهو ما مثّل عمليًا ابتزازًا لصالح صناعة الأسلحة النووية مقابل التصديق على المعاهدة.
لكن الصفقة كانت تستحق ذلك التنازل: كانت “نيو ستارت” معاهدة أفضل، إذ تضمّنت إجراءات تحقق أقوى وحدًّا جديدًا يبلغ 1,550 رأس نووي لكل طرف. كما شملت قواعد عدٍّ مبسّطة جعلت من السهل على الجانبين الالتزام بها. فالقاذفة القادرة على حمل أسلحة متعددة، على سبيل المثال، تُحتسب رأسًا نوويًا واحدًا، لأن المهم لم يكن وسيلة الإطلاق بل إبقاء العدد الإجمالي تحت سقف 1,550، وهو مستوى حقّقه البلدان بالفعل.
درستُ الأسلحة النووية في منتصف الثمانينيات، بل إنني التحقت بدورة في التكنولوجيا النووية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لأتمكّن من فهم التفاصيل التقنية. (كنتُ أستطيع حساب أمور مثل القدرة التفجيرية بالميغاطن، لكنني نسيت تلك المعادلات منذ زمن طويل). لو قيل لي عام 1985 إن الترسانتين الاستراتيجيتين الأمريكية والسوفييتية ستنخفضان يومًا إلى 1,550 رأسًا نوويًا لكل منهما، لكنتُ – ومعظم من عاش حقبة الحرب الباردة – ضحكنا بصوت عالٍ. لكن هذا هو الحال اليوم بفضل الجهود التي بُذلت للتفاوض على “نيو ستارت” وما سبقها من معاهدات.
يزعم ترامب الآن أنه يريد معاهدة “أفضل” تشمل أيضًا الجيش الصيني، رفضت الصين الفكرة، لكن يبدو أن مطالبة ترامب بإشراكها تهدف إلى التملص من تجديد المعاهدة القائمة مع روسيا. إبرام معاهدات ثنائية في مجال الحدّ من التسلّح أمر صعب، أما إبرام معاهدات متعددة الأطراف فهو أصعب بكثير.
ما سيحدث لاحقًا، قد يعتمد -كما هو الحال في كثير من الأمور داخل هذا البيت الأبيض- على ما يراه ترامب فكرةً صائبة. قد يكتفي الطرفان بترك الأمور على حالها مؤقتًا، وهو الخيار الأقل ضررا في الوقت الراهن. لكن السيطرة على الأسلحة النووية تتجاوز مجرد الالتزام بقيود العدد. فالاجتماعات الدورية وعمليات التفتيش وتبادل المعلومات تبني الثقة والعلاقات التي قد تلعب دورًا حاسمًا في أوقات عدم اليقين أو الأزمات. المعاهدات وحدها لا تحفظ السلام. (على سبيل المثال، في العام الموالي لتوقيع معاهدة “الحد من الأسلحة الاستراتيجية”، نشبت أزمة خطيرة بين السوفييت والأمريكيين خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 انتهت بوضع الولايات المتحدة قواتها النووية في حالة تأهّب).
النتيجة الأرجح هي أن يوافق ترامب على تخصيص المزيد من الأموال لمزيد من الأسلحة النووية. مثل هذا التوسع سيكون بلا جدوى، إذ تمتلك الولايات المتحدة بالفعل ما يكفي من القوة النووية لردع بكين وموسكو معًا.
بصيغة أخرى، لدى أمريكا القدرة على تدمير الحكومتين الروسية والصينية ومعظم بنيتهما التحتية باستخدام عدد محدود نسبيًا من الأسلحة، المزيد من القنابل لن يجلب مزيدًا من الأمن. وكما أوضحت إيما بيلتشر، رئيسة منظمة “بلاوشيرز” للحد من التسلّح، في رسالة وجهتها لي بالبريد الإلكتروني، فإن الفشل في تجديد معاهدة “نيو ستارت” سيؤدي إلى “مزيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي، وتصاعد التوترات في أنحاء العالم، وزيادة احتمال وقوع كارثة نووية في عصرنا”.
الردع والاستقرار على الصعيد الدولي، كما تعلمناه من الحرب الباردة، لا يتعلّقان بالتكنولوجيا وعدد الرؤوس النووية وحدهما، بل بالإرادة والالتزام وقوة التحالفات، والأهم من ذلك الخوف من كارثة نووية، قال ترامب خلال إحدى المناظرات عام 2015: “أعتقد أن النووي بالنسبة لي هو القوة. الدمار مهم جدًا بالنسبة لي”، إذا كان الرئيس يهتم بالفعل بما وصفه يومًا بـ”أكبر مشكلة” في العالم، فإن أمامه فرصة لفعل شيء حيالها قبل يوم الخميس.
المصدر: ذي أتلانتيك