شهد الذهب منذ بداية عام 2026 ارتفاعًا متسارعًا وغير مسبوق قبل أن يدخل فجأة في موجة انخفاض سريعة ما جعله يتحرك صعودًا وهبوطًا بوتيرة أكثر حدّة مقارنة بالسنوات الماضية، لا سيما في ظل التوترات السياسية.
هذا التذبذب اللافت أثار تساؤلات واسعة لدى عامة الناس والمستثمرين وفتح باب الجدل حول مستقبل الذهب كملاذ آمن، فيما بدأ البعض يتساءل: ما العوامل التي دفعت الذهب للارتفاع والانخفاض؟ وماذا ينتظر أسعار الذهب في المستقبل القريب؟
يجيب عن هذه التساؤلات الخبير الاقتصادي وليد أبو هلال، الحاصل على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة اليرموك – الأردن (1988)، وهو كاتب مقالات رأي في الشأن الاقتصادي في عدد من المواقع العربية والإنجليزية المعروفة، ومعلّق متخصص في قضايا الاقتصاد العربي والعالمي والأسواق المالية الدولية، شارك بتحليلاته عبر محطات إعلامية مرموقة.
ما السبب الذي أدّى إلى انخفاض أسعار الذهب فجأة بعد فترة ارتفاع مستمر؟
يتأثر الذهب بعدة عوامل إلا أن ارتباطه الأكبر يبقى بالدولار الأمريكي، فعندما يزداد الطلب على الدولار ينخفض الذهب، والعكس صحيح.
أمّا العوامل التي أدّت إلى الارتفاع الكبير الذي شهده الذهب خلال أقل من عام حيث ارتفع بنحو 90%، فتعود بشكل رئيسي إلى الأوضاع غير المستقرة في المنطقة والحروب الدائرة، إذ يلجأ الناس في مثل هذه الظروف إلى ما يُعرف بالملاذ الآمن.
والمقصود بالملاذ الآمن هو التوجّه نحو استثمارات تبقى مضمونة مهما كانت الظروف من حروب، أو أمراض، أو جوائح، ولا يوجد ملاذ آمن أفضل من الذهب في الوقت الحالي.
وبالنسبة إلى الانخفاض الكبير والمتسارع الذي حدث على الذهب في 29 يناير واستمر لغاية إقفال 31 يناير وهو حديث الساعة، فيمكن النظر إليه من ناحيتين: الناحية الفنية والناحية الأساسية أو الموضوعية.
فنياً، يجب الإشارة إلى أنّ أي ارتفاع في أسعار الإدارة المالية وهنا نتحدث عن الذهب فإنّه لا بدّ من التصحيح للأسفل وهو تصحيح تأخّر كثيراً إذا تكلمنا عن موجة الصعود الكبرى التي انطلقت قبل عامين، لذلك كان لا بُدّ من هذا التصحيح لكن من غير المعتاد والطبيعي أن يكون التصحيحي الهبوطي في فترة قصيرة جداً كما شاهد الجميع، لذلك لا بدّ من وجود عوامل موضوعية، منها:
عمليات جني الأرباح خصوصاً من قبل المؤسسات والصناديق الاستثمارية الكبيرة وكذلك البنوك التجارية لا يلبث أن يتبعهم صغار المستثمرين، فمع الارتفاعات التاريخية لأسعار الذهب فإنّ شهية المستثمرين والمضاربين تزداد لجني أرباح مراكز الشراء التي قاموا بها بأسعار منخفضة، فمن الطبيعي أن يقوموا ببيع ما في حيازتهم من المعدن لجني الأرباح ومن ثمّ ترقب فرصة آخرى للدخول إلى السوق مجدداً بأسعار منخفضة نسبياً.
يرافق ذلك أيضًا قوة الدولار وظهور بعض المؤشرات التي ساعدت في تحول بعض المستثمرين إلى سندات الخزانة الأميركية أو حتى الأسهم الأميركية على حساب حيازتهم من الذهب.
والعامل الأخير فهو ترشيح الرئيس الأميركي محافظاً جديدًا للبنك المركزي الأميركي (الاحتياطي الفيدرالي) خلفاً للرئيس الحالي جيروم باول الذي تنتهي ولايته في مايو المقبل، وكذلك تصريح الرئيس الحالي الفدرالي بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تخفيض كما كان متوقع وكما هي رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأمر الذي كان سيخفض الدولار واستمرار ارتفاع مستويات أسعار الذهب.
وهناك نقطة أخرى تتمثل في وجود احتمالية لتلاعب من قِبل صُنّاع السوق، أو ما يُعرف بـ”الحيتان” وهم صناديق استثمارية كبيرة إلى جانب بعض البنوك، من خلال المضاربة على الذهب ورقياً من خلال ما يعرف بالخيارات وهي مضاربة قانونية في الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية بحيث يراهن المضاربون على ارتفاع/ انخفاض أسعار الذهب دون شراءه فعلياً، إلاّ أن هذه العمليات تُعتبر متاجرة تؤثر على منحنى الأسعار.
فلو افترضنا أنّ هناك احتيال من صُنّاع السوق (الحيتان) بضخ كميات كبيرة من البيع الورقي أدّت إلى انخفاض السعر المر الذي بالضرورة يقود لحالة هلع في الأسواق، خصوصاً لدى لصغار المستثمرين الذين ستخلصون من حيازاتهم الذهبية، فيحدث ما يُعرف بعمليات حُمًى بيعية، الأمر الذي ضاعف من هبوط السعر، لذلك إنْ صحّ سيناريو الاحتيال فسنشاهد عودة كبار المستثمرين وصناع السوق للشراء ما يقود الذهب إلى موجة ارتفاع جديدة قد تلامس مستوى تاريخي عند 6000 دولار للأونصة.
هل كان الانخفاض المفاجئ في أسعار الذهب متوقعًا؟
التصحيح يكون متوقعًا دائمًا، لكن ليس بالسرعة الكبيرة كما أشرنا، أي أن ينخفض من نحو 5600 دولار إلى قرابة 4500 دولار. فمثل هذا الانخفاض لم يحصل من قبل، ومع ذلك كان التصحيح متوقعًا حتى لدى عامة الناس لكن المفاجأة كانت في سرعة الانخفاض التي حدث بها.
هل كان للتوترات السياسية مثل تهديد الولايات المتحدة بضرب إيران علاقة بانخفاض أسعار الذهب؟
عادةً ما تؤدي التوترات السياسية إلى ارتفاع أسعار الذهب لأن الناس تلجأ إلى الملاذ الآمن ويُعدّ الذهب أفضل ملاذ آمن، فعندما تندلع حرب في دولة صغيرة أو تحدث مظاهرات، أو تنتشر أمراض، يتجه الناس إلى الذهب لأن الاستثمارات الأخرى تنضوي على مخاطرة كبيرة.
وقد أدّت التوترات في منطقة الشرق الأوسط عمومًا إلى ارتفاع أسعار الذهب لكن عندما تطول هذه الظروف الموضوعية يعتاد الناس عليها وتستقر الأوضاع نسبيًا فينخفض التوجّه نحو الملاذ الآمن، كما حدث في الحرب الروسية الأوكرانية مثلاً.
هل تذبذب أسعار الذهب بين الارتفاع والانخفاض تجعل الاستثمار بالذهب غير آمن؟
الذهب كأداة مالية لا يُسمّى استثمارًا، إذ إن أي أداة استثمارية يجب أن تكون قادرة على تحقيق عائد دوري سواء كان سنويًا أو نصف سنوي أو ربع سنوي، بينما الذهب لا يدرّ ربحًا فالذهب يُعد مخزنًا للقيمة ويلجأ الناس إليه للحفاظ على قيمة أموالهم.
على سبيل المثال، قد يقوم المستثمر بتقسيم أمواله بين العقارات والأسهم والسندات، ويضع جزءًا منها في الذهب للظروف الطارئة بحيث إذا حدثت مشكلات في باقي الاستثمارات يكون الذهب قد حافظ على قيمة أمواله.
لذلك فإن الذهب ليس أداة استثمارية لكنه في الوقت نفسه لا يُعد خيارًا مقلقًا عند شرائه على المدى الطويل إذ يبقى محافظًا على قيمته.
ما تأثير قوة الدولار على أسعار الذهب؟
العلاقة بين الدولار والذهب علاقة عكسية، إذ يُعدّ السوق الأمريكي أكبر سوق في العالم، فعندما يرغب المستثمرون بالاستثمار في السوق الأمريكي يزداد الطلب على الدولار الأمريكي لأن أي مستثمر يريد شراء أسهم أو سندات خزانة أميركية يحتاج إلى الدولار وعندما يكون الاقتصاد الأمريكي قويًا ومربحًا وجاذبًا للاستثمار يعزف المستثمرون عن الذهب ويتجهون نحو السوق الأمريكي، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار ونتيجة لذلك ينخفض الطلب على الذهب وينخفض سعره بالضرورة.
ويمكن النظر إلى الذهب على أنه جزء من محفظة استثمارية، حيث يقوم المستثمر بتحويل جزء من حصته من الذهب للاستثمار في السوق الأمريكي من خلال الدولار الأمريكي.
ما التغيير المتوقع على أسعار الذهب في المستقبل القريب؟ هل تتوقع ارتفاع أم سيستمر بالانخفاض؟
من الناحية الفنية إذا صحّ الكلام المتداول عن وجود تلاعب بين حيتان الاستثمار وصنّاع السوق وبعض البنوك، فهذا يعني أن الذهب مرشّح للارتفاع وقد يصل إلى عتبة 6000 دولار، أمّا عن التصحيح الحالي فيمكن أنّه لم ينتهِ بعد.
ومن الممكن أيضًا أن نشهد وصول السعر إلى 4200 دولار. وبغضّ النظر عمّا حدث للذهب مؤخرًا، يُنصح المستثمر العربي بتحديد حدٍّ للخسارة والخروج من السوق إذا تأكّد وقوع انهيار — وهو ما لم يحدث حتى الآن — وإن حدث، فإن مستوى 3000 دولار يُعدّ سعرًا طبيعيًا للأونصة.
