نقلت الزيارة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، يوم الأربعاء 4 يناير/كانون الثاني الجاري، العلاقات المصرية–التركية إلى مستوى متقدم من الشراكة، بعد سنوات طويلة من الجمود امتدت قرابة عقد كامل، لتعلن بشكل برغماتي تدشين مرحلة جديدة من التعاون والتنسيق، لا سيما على الصعيدين اللوجستي والاستراتيجي، في ظل ظرف إقليمي ودولي بالغ الحساسية.
وعلى الرغم من أن الزيارة لم تتجاوز يومًا واحدًا، فإنها تُعد الأهم في مسار العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط من حيث طبيعة التفاهمات والاتفاقيات التي أسفرت عنها، بل أيضًا لما تحمله من دلالات سياسية ورمزية عميقة، في توقيت يشهد فيه الشرق الأوسط إعادة تموضع شاملة على خريطة موازين القوى والنفوذ، ومحاولات لإعادة هندسة الإقليم بما يتوافق مع الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية.
ويعكس حجم وطبيعة الوفد المرافق لأردوغان المكانة الخاصة التي حظيت بها الزيارة؛ إذ ضم إلى جانب عقيلته، وزراء الخارجية والدفاع والخزانة والأسرة والطاقة والصناعة والشباب والصحة، فضلًا عن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية وكبير مستشاري الرئيس لشؤون السياسة الخارجية والأمن، بما يؤشر إلى أجندة شاملة تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى مقاربة استراتيجية متكاملة.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يصل العاصمة المصرية القاهرة، بعد استكمال لقاءاته الرسمية في المملكة العربية السعودية.
وكان في استقباله في مطار القاهرة الدولي، نظيره المصري عبد الفتاح السيسي وعقيلته انتصار عامر، بالإضافة إلى السفير التركي لدى مصر صالح موطلو شن.… pic.twitter.com/MnRuhYFjjM
— Anadolu العربية (@aa_arabic) February 4, 2026
واكتسبت الزيارة زخمًا إضافيًا، إذ جاءت عقب زيارة مماثلة أجراها الرئيس التركي إلى السعودية، التقى خلالها ولي العهد، محمد بن سلمان، وأسفرت عن حزمة من الشراكات والاتفاقيات، إلى جانب تجديد التفاهم حول أبرز الملفات الإقليمية الساخنة، من إيران إلى غزة واليمن، مرورًا بسوريا وليبيا والسودان، وصولًا إلى القرن الإفريقي.
وفي ضوء هذه التحركات المتسارعة، تساؤلات عدة أطلت برأسها حول دلالات الجولة: هل نحن بصدد تشكّل محور إقليمي جديد يضم تركيا ومصر والسعودية؟ أم أن المسار قد يتطور إلى ترتيبات أوسع، على غرار ما يصفه البعض بـ”الناتو الإسلامي” مع احتمالات انضمام دول أخرى كباكستان وإندونيسيا؟
ظرف إقليمي استثنائي
لا يمكن قراءة الزيارة في إطارها البروتوكولي الضيق أو فصلها عن مجمل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، في ظل حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية والأمنية. فاختزالها في كونها زيارة تقليدية يتجاهل أبعادًا جوهرية يفرضها السياق الإقليمي العام، ولا سيما أنها جاءت ضمن جولة محسوبة بدأت بالرياض وانتهت في القاهرة، بما تحمله العاصمتان من ثقل سياسي واستراتيجي.
وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ التعقيد، تتصاعد فيه التوترات الإقليمية إلى مستويات تنذر بانفجار واسع، في ظل احتمالات متزايدة لمواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب جملة من التهديدات المتشابكة التي تطال الأمن القومي العربي والإقليمي. ويضاف إلى ذلك المخاطر المحدقة بالمصالح العربية والإسلامية، واحتمالات الانزلاق إلى دوامات من الفوضى وعدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
وفي هذه اللحظة المفصلية، تبدو المنطقة وكأنها تقف على أعتاب إعادة تشكيل شاملة لخريطتها الإقليمية، بما يتلاءم مع التحولات المتسارعة التي فرضتها التطورات الأخيرة. وهو ما يدفع مختلف الفاعلين، دون استثناء، إلى إعادة النظر في تموضعهم، والتوقف لإعادة تقييم المشهد من زوايا جديدة، سعيًا إلى حجز موقع مؤثر على الخريطة الإقليمية الآخذة في التشكل.
من إعادة التطبيع إلى شراكة شاملة
تعكس حفاوة الاستقبال التي حظي بها أردوغان والوفد المرافق له، إلى جانب نبرة التصريحات الإيجابية المتبادلة بين الرئيسين المصري والتركي خلال المؤتمر الصحفي المشترك، فضلًا عما تم توقيعه من اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت مجالات عسكرية واستثمارية وطبية ورياضية واقتصادية، تحولًا نوعيًا واضحًا في مسار العلاقات بين أنقرة والقاهرة، إذ لم تعد العلاقات تقتصر على مرحلة إعادة التطبيع بعد سنوات من الفتور، بل انتقلت إلى مسار بناء شراكة شاملة ذات أفق طويل المدى.
وتعكس هذه النقلة المحورية قدرًا كبيرًا من البراغماتية التي باتت تحكم تحركات الطرفين؛ فبرغم بقاء بعض الخلافات الأيديولوجية دون حسم نهائي، فإن تشابك المصالح وتنامي التحديات المشتركة شكّلا دافعًا كافيًا لتجاوز تلك الخلافات مؤقتًا، وإفساح المجال أمام تحقيق مكاسب متبادلة، مع ترسيخ خطاب المصالح بوصفه لغة سياسية أكثر عقلانية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
ومن هذا المنطلق، تتجاوز الزيارة إطارها البروتوكولي المرتبط بانعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، لتؤسس لما هو أعمق وأبعد أثرًا، إذ تمثل خطوة متقدمة نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تمتد إلى مختلف المجالات، وتسير بوتيرة متسارعة قد تفوق حتى توقعات أكثر المتفائلين بشأن مستقبل العلاقات المصرية–التركية.
الاقتصاد.. الدافع والهدف
يشكّل البعد الاقتصادي المحرّك الأساسي لتوجه كل من القاهرة وأنقرة نحو الانتقال من مسار التنسيق المحدود إلى أفق الشراكة الكاملة، في ظل ما يمتلكه الطرفان من موارد وإمكانات قادرة، إذا ما جرى توظيفها ضمن إطار تعاوني منظم، على تحقيق عوائد متبادلة تسهم في التخفيف من الضغوط المعيشية والتحديات الاقتصادية التي يواجهها البلدان.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة السريعة لتتوج بتوقيع حزمة واسعة من اتفاقيات ومذكرات التعاون الثنائي، شملت اتفاقية عسكرية إطارية، إلى جانب مذكرات تفاهم في مجالات تنظيم الأدوية والمستلزمات الطبية، والحجر النباتي، والخدمات البيطرية، والتجارة الخارجية والاستثمار، والخدمة الاجتماعية، فضلًا عن مجالي الشباب والرياضة، بما يعكس توجهًا نحو شراكة متعددة الأبعاد.
ويأمل أردوغان في رفع حجم التبادل التجاري مع مصر التي تُعد الشريك التجاري الأكبر لتركيا في القارة الإفريقية، من نحو 9 مليارات دولار حاليًا إلى 15 مليار دولار خلال المرحلة المقبلة، معربًا عن ارتياحه لاقتراب حجم الاستثمارات التركية في مصر من 4 مليارات دولار، معتبرًا ذلك مؤشرًا واضحًا على تنامي الثقة المتبادلة وجاذبية السوق المصرية.
تنسيق إقليمي في مواجهة أزمات المنطقة
تتلاقى الرؤى المصرية والتركية إزاء عدد واسع من الملفات الإقليمية التي باتت تتطلب قدرًا عاليًا من التنسيق المشترك لمواجهة ما تفرضه من تحديات متشابكة، ويأتي ملف غزة في مقدمة هذه القضايا، حيث يتمتع البلدان بثقل سياسي مؤثر في ترتيبات “اليوم التالي” للحرب، سواء على صعيد إعادة الإعمار أو متابعة تنفيذ مراحل الاتفاق الموقع في شرم الشيخ، في ظل محاولات إسرائيلية متكررة للالتفاف على بنوده وتوظيفه بما يخدم سرديتها التوسعية على المستوى الإقليمي.
ويمتد هذا التقارب إلى الملف السوري، إذ يتفق الطرفان على أولوية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ودعم استعادة دمشق لدورها وثقلها الإقليمي، في مواجهة ما يُحاك ضدها من ضغوط ومخططات داخلية وخارجية، مع التأكيد على ضرورة التصدي للتغول الإسرائيلي المتصاعد في الجنوب السوري.
وفي السياق الليبي، وصلت التفاهمات بين القاهرة وأنقرة إلى مستويات متقدمة بعد سنوات من التباين الحاد، حيث يؤكد الجانبان التزامهما بوحدة الأراضي الليبية، وضرورة إنهاء حالة الانقسام، والعمل على إعادة الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة الليبية على أسس جامعة.
بحث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره التركي رجب طيب أردوغان تطورات الأوضاع الإقليمية، وأكدا رفضهما أي محاولات للالتفاف على اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة أو تقويضه.
أكد أردوغان أن القضية الفلسطينية تتصدر جدول الأعمال المشترك مع مصر، مشيرًا إلى استمرار المأساة الإنسانية… pic.twitter.com/uDaH7klOQ0
— نون بوست (@NoonPost) February 4, 2026
وتنسحب المقاربة ذاتها على الملف السوداني، حيث يتقاطع موقف البلدين حول أهمية الحفاظ على وحدة السودان ومواجهة النزعات الانفصالية ذات الطابع الميليشياوي، المدعومة من أطراف إقليمية، مع دعم مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، لا سيما في ضوء التطورات الميدانية الأخيرة وسيطرتها على مدينة الفاشر ذات الأهمية اللوجستية.
ويمتد هذا التنسيق جنوبًا ليشمل منطقة القرن الإفريقي، في ظل تنامي النفوذ الإسرائيلي هناك، وتغذية النزعات الانفصالية، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي والإسلامي في خاصرته الجنوبية، بعد أن تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة لتنافس القوى الكبرى، الأمر الذي يستدعي مقاربة جماعية للتصدي لتلك المخططات واحتوائها.
ومن هذا المنطلق، بات التنسيق المصري–التركي يُمثل أحد عوامل الاستقرار الإقليمي، وصمام أمان يحد من احتمالات انفلات الأوضاع والانزلاق نحو الفوضى الشاملة. وهو ما يفسر في الوقت ذاته مساعي البلدين للإسهام في خفض حدة التوتر بين واشنطن وطهران، تجنبًا لانفجار عسكري واسع من شأنه خلط الأوراق وإرباك موازين القوى والحسابات في الإقليم بأسره.
هل نحن على أعتاب محور إقليمي جديد؟
أعادت زيارة أردوغان إلى القاهرة، عقب زيارته للرياض مباشرة، إحياء النقاش حول إمكانية تدشين “محور إقليمي جديد” قوامه مصر والسعودية وتركيا، يقوم على مقاربة أكثر هدوءًا في إدارة الإقليم، بعيدًا عن مناخ الاستقطاب والتوترات المتصاعدة.
ويستهدف هذا المسار المحتمل مواجهة التحديات المشتركة في الساحات الإقليمية الملتهبة، إلى جانب إعادة ضبط التوازنات الجيوسياسية في مواجهة السياسات الإسرائيلية المتوترة، والنفوذ الإيراني، فضلًا عن أدوار إماراتية فاعلة في بعض الملفات.
ويمثل هذا التحالف، الذي تلوح ملامحه في الأفق، منعطفًا مهمًا في تاريخ المنطقة، إذ يتجاوز البعد الاقتصادي إلى آفاق أوسع ذات طابع أمني وسياسي ولوجستي، ويمكن توصيفه بوصفه “تحالف الضرورة” الذي تفرضه تعقيدات المرحلة الراهنة، حيث إن الجمع بين الثقل العسكري والسياسي التاريخي لكل من مصر وتركيا، من جهة، والقدرات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها السعودية، من جهة أخرى، من شأنه أن يؤسس لتكتل إقليمي وازن، قادر على التحول إلى رقم صعب في معادلات التوازن الإقليمي والدولي.
وذهب بعض المراقبين إلى آفاق أكثر اتساعًا في قراءة هذا التقارب، متحدثين عن احتمالات تطوره إلى ما يُعرف بـ”الناتو العربي–الإسلامي”، لا سيما في حال انضمام قوى وازنة مثل باكستان بما تمتلكه من قدرات نووية، وإندونيسيا بثقلها الديموغرافي، وهو سيناريو، إن تحقق، سيكون له أثر بالغ في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي برمته.
غير أن مثل هذه التحالفات، على الرغم من وجاهة دوافعها وموضوعية أسبابها، تظل مشروطة بتوافر إرادة سياسية كاملة، كما تتطلب وقتًا أطول لبحث التفاصيل المعقدة وتجاوز التحديات المحتملة. فالتكتل، بما يحمله من رؤى وأجندات، من شأنه أن يثير قلقًا بالغًا لدى إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، بطبيعة الحال.
ويرى البعض أن تقارب العواصم الثلاث، أنقرة والقاهرة والرياض، مع واشنطن قد يشكل نافذة مناسبة لتمرير مثل هذا التحالف أو على الأقل تحييد الاعتراضات الأمريكية، غير أن الصدام المتوقع مع إسرائيل يبقى التحدي الأبرز، والذي قد يعرقل قيام مثل هذه الترتيبات، أو يدفع باتجاه تفريغها من مضمونها الاستراتيجي.
في المحصلة، يبدو أن التحذيرات التي أطلقها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال كلمته في منتدى دافوس الأخير، بشأن أفول النظام العالمي القديم وبروز نظام دولي جديد تحكمه اعتبارات البراغماتية والمصلحة قبل أي مقاربات أخرى، باتت تجد ترجمتها العملية على أرض الواقع، فالعالم يشهد لحظة انتقالية تعيد رسم قواعد التفاعل بين القوى، بعيدًا عن المسلمات التي حكمت العقود الماضية.
وقد نبّه كارني القوى المتوسطة والنامية إلى أن عدم انخراطها في تكتلات فاعلة خارج الأطر التقليدية، تضمن لها موقعًا على طاولة صنع القرار إلى جانب القوى الكبرى، سيجعلها عرضة للتهميش وربما “جزءًا من قائمة الطعام”.
وفي هذا السياق، تحركت أوروبا شرقًا باتجاه بكين، فيما تحاول القوى العربية بدورها إعادة تموضعها عبر التفكير في بناء تحالفات ذات مهام واستراتيجيات إقليمية واضحة.
غير أن هذا التحول اللافت في مستوى التقارب بين القاهرة والرياض وأنقرة، على الرغم مما يحظى به من زخم ودعم، يظل مرهونًا بتوافر إرادة سياسية صلبة قادرة على تحويله من مجرد تقارب براغماتي فرضته تحديات اللحظة الراهنة، إلى تكتل عربي–إسلامي فاعل يشكل رقمًا مؤثرًا في موازين الإقليم، وتبقى المسألة مشروطة بالإجابة عن هذا السؤال الحساس: هل تنضج هذه الإرادة بما يكفي لترجمة الفرصة إلى واقع مستدام، أم يظل هذا التقارب أسير الحسابات المؤقتة؟
