يُعد ملف السيطرة على المجال الجوي ومراكز الملاحة الجوية في اليمن أحد أخطر الملفات السيادية التي ما تزال عالقة دون معالجة حاسمة، رغم مرور سنوات طويلة على اندلاع الصراع، ورغم ما يحمله هذا الملف من أبعاد تمس جوهر الدولة اليمنية وأسس سيادتها، إضافة إلى ما ينطوي عليه من مخاطر مباشرة على أمن الطيران المدني وسلامة الملاحة الجوية الإقليمية والدولية.
فالمجال الجوي، بوصفه أحد أعمدة السيادة الوطنية، تحوّل في اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها الحسابات السياسية والأمنية مع المعاناة الإنسانية، في ظل غياب قرار سيادي موحد يعيد لهذا القطاع الحساس إدارته القانونية والمؤسسية، ويضع حدًا لاستخدامه كورقة ضغط وصراع بعيدًا عن المعايير المهنية والإنسانية المعمول بها دوليًا.
في الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة الشرعية، عبر مؤسساتها المختصة، جاهزية عدد من المطارات اليمنية للعمل وفق المعايير الدولية المعتمدة، كشفت الوقائع الميدانية عن فجوة خطيرة بين الجاهزية الفنية والقدرة الفعلية على التشغيل، نتيجة استمرار فقدان السيطرة على المجال الجوي ومراكز الملاحة الجوية.
وقد تجلت هذه الفجوة بوضوح حين منع الحوثيون هبوط طائرة الخطوط الجوية اليمنية القادمة من مدينة جدة، في أولى الرحلات المدنية المجدولة إلى مطار المخا الدولي، رغم إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد رسميًا منح المطار رخصة التشغيل، واستيفاءه لكافة المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة.
وفي أول ردّ فعل حكومي، قال مصدر مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية، إن “ما جرى في مطار المخا ليس حادثة طارئة، بل امتداد لسجل المليشيات الحوثية الأسود في تدمير الاقتصاد الوطني ومقدرات الشعب اليمني، من استهداف مطار عدن، ومنشآت تصدير النفط، إلى تهديد الموانئ، والملاحة البحرية، في سلوك يعكس ارتباطها العضوي بالمشروع الإيراني التخريبي لزعزعة أمن اليمن والمنطقة”.
وأضاف أن منع هبوط الطائرة “يمثل عملًا إرهابيًا مكتمل الأركان، وتهديد مباشر لسيادة الدولة، وانتهاك صريح لحقوق المدنيين… يكشف مجددًا الطبيعة الإرهابية لهذه المليشيات التي دأبت على استهداف المطارات والموانئ وخطوط الملاحة، وحرمان اليمنيين من أبسط حقوقهم الإنسانية والمعيشية”.
المنع لا علاقة له بأي خلل فني أو تشغيلي
وفي تصريح لـ”نون بوست”، أكد مدير عام مطار المخا الدولي، خالد عبد اللطيف، أن مطار المخا يمتلك الجاهزية الفنية والتشغيلية الكاملة لاستقبال الرحلات الجوية، وهو ما كانت الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد قد أعلنت في بيان يوم 5 أبريل/نيسان 2024، تضمن إصدار رخصة التشغيل الرسمية للمطار.
وأوضح عبد اللطيف أن ما حدث بتاريخ 1 فبراير/شباط 2026 من منع هبوط الطائرة في مطار المخا لا يعود إلى أي خلل فني أو تشغيلي في المطار، وإنما يرجع بشكل مباشر إلى استمرار سيطرة ميليشيات الحوثي على مراكز الملاحة الجوية لإقليم اليمن، وما يترتب على ذلك من تحكم غير قانوني في المجال الجوي اليمني.
وأشار إلى أن ميليشيات الحوثي دأبت على ابتكار أساليب ممنهجة لمعاناة وتعذيب وتجويع وإفقار المواطن اليمني، بهدف إبقائه منكسرًا وخاضعًا لسلطتها، وفرض الوصاية عليه تحت مسميات دينية، أبرزها ما يُسمى بالولاية، مصحوبة بممارسات عنصرية وسلالية مرفوضة.
وبيّن عبداللطيف أن الحوثي يعتمد في تنفيذ هذه السياسات على إرهاب الشعب اليمني برًا وبحرًا، ولم تسلم حتى سماء اليمن وأجواء الطيران المدني من هذا الإرهاب، حسب تعبيره، مشيرًا إلى أن منع هبوط الطائرة في مطار المخا، والتي كانت تقل مغتربين ومرضى وعائدين لزيارة ذويهم، يُعد دليلًا واضحًا على هذا النهج الإجرامي، ويطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذا السلوك وأهدافه.
وأضاف أن تدمير مطار صنعاء ومختلف مقدرات الشعب اليمني من قبل العدوان الإسرائيلي لا يمكن فصله عن النهج والفكر الذي تتبناه جماعة الحوثي الإرهابية، إذ إن الطرفين ينهلان من منبع فكري واحد قائم على أسس دينية عنصرية وسلالية في بناء السلطة وفرضها قسرًا على الشعوب، سواء في اليمن أو فلسطين.
في خدمة أجندة حوثية
على الرغم من أن مركز الملاحة الجوية اليمني يُفترض أن يكون جزءًا من البنية السيادية للدولة، فإن جماعة الحوثي ما تزال تتحكم عمليًا في هذا المركز ومرافقه، بما يشمل إدارة الإذن بالهبوط والإقلاع ومراقبة حركة الطيران داخل الأجواء اليمنية وترحيل بيانات الرحلات الجوية. ويُذكر أن الرئيس السابق عبدربه منصور هادي أصدر أوامر بنقل هذه الوظائف والجهات الإدارية إلى العاصمة المؤقتة عدن منذ سنوات، إلا أن السياسات الميدانية على الأرض حالت دون تنفيذ ذلك بشكل فعلي، مما أتاح للجماعة الاحتفاظ بالمركز في صنعاء واستخدامه في إدارة قطاع الملاحة الجوية حتى الآن.
وتشير الحكومة اليمنية إلى أن استمرار سيطرة الحوثيين على مركز الملاحة الجوية يشكّل خطرًا مباشرًا على سلامة وأمن الطيران المدني، إذ أن الجماعة تتحكم في تصاريح الطائرات وتدير عملياتها داخل الأجواء التي تشمل الأراضي والمجال البحري اليمني.
في هذا الإطار، قال المدير العام السابق لمركز تدريب الطيران المدني، والخبير الدولي السابق في أمن الطيران، يحيى الجماعي، في حديث مع “نون بوست “إن مركز الملاحة الجوية اليمني لا يزال يُستخدم بشكل مباشر لخدمة أجندة ميليشيات الحوثي ووفقًا لتوجيهاتها، في ظل غياب قرار سيادي حاسم من القيادة العليا بنقل المركز، رغم أن نقله ممكن وسهل من الناحية الفنية والتشغيلية.
وأوضح الجماعي أن مركز الملاحة الجوية يُعد الجهة المسؤولة عن إدارة الإقليم الجوي اليمني بالكامل، والذي يشمل جميع المناطق الجوية الواقعة فوق الأراضي اليمنية، بما فيها الإقليم البحري، وصولًا إلى الإقليم الجوي السيادي الممتد في المحيط الهندي بشكل كامل، ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية القصوى، إلا أن المركز لا يزال خارج سيطرة الحكومة الشرعية.
وأكد أن الملف الإداري والفني للمركز فشل على مدى عشر سنوات كاملة، حيث لم يتمكن القائمون عليه من اتخاذ خطوة نقله، رغم أن الحكومة الشرعية قامت بشراء جميع المعدات اللازمة، كما قامت المملكة العربية السعودية بتدريب طاقم كامل ومتخصص لإدارة مركز الملاحة الجوية وفق أعلى المعايير الدولية.
وأشار الجماعي إلى أنه رغم صدور قرار رئاسي من الرئيس عبدربه منصور هادي في 14 أغسطس/آب 2015 بنقل الهيئة العامة للطيران المدني وتعيين رئيس لها، وتم بالفعل نقل جميع الإدارات التابعة للهيئة، إلا أن مركز الملاحة الجوية استُثني من ذلك القرار وبقي في مكانه دون أي مبرر.
وحول التهديدات المترتبة على هذا الوضع، أوضح الجماعي أن التهديد الأول يتمثل في أن جميع الإيرادات المالية المتحصلة من المركز لا تزال تعود إلى ميليشيات الحوثي، ورغم أن هذه الأموال لا تصل إليهم حاليًا بشكل مباشر بسبب العقوبات الأمريكية، إلا أن الميليشيات نجحت في إيجاد وسطاء لتمرير هذه الإيرادات والحصول عليها.
وأضاف أن ميليشيات الحوثي تمتلك القدرة الكاملة على إغلاق أي مطار أو فتحه متى شاءت، ما يعني أن كامل الأجواء اليمنية تخضع لسيطرتها المباشرة، موضحًا أن التحكم في المجال الجوي السيادي اليمني، بما في ذلك طائرات العبور المدنية وطائرات النقل العسكري وجميع الطائرات التي تمر عبر الأجواء اليمنية، يخضع لسيطرة الحوثيين، باستثناء الطائرات العسكرية القتالية فقط.
إخفاق مزمن وغياب للإصلاح المؤسسي
مع استمرار الانقسام السياسي والأمني في اليمن منذ 2014، تواجه المؤسسات الحكومية تحديات هيكلية حادة تجعل من إدارة القطاعات الحيوية، بما فيها النقل والملاحة الجوية، أمرًا بالغ الصعوبة، حيث تشير تقارير إلى أن وجود مؤسسات موازية بين صنعاء وعدن أدى إلى تعدد الأجهزة الحكومية وتشتت السلطات، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، ما انعكس سلبًا على قدرة الدولة على اتخاذ قرارات إدارية فعّالة، وتنفيذ الإصلاحات المؤسسية، وضمان عمل الرقابة والمساءلة بشكل سليم داخل هياكل الدولة الرسمية.
ويشكل هذا الانقسام عائقًا مستمرًا أمام أي جهود لإصلاح مراكز الملاحة الجوية وإدارة خدمات النقل المدني، ويزيد من تعقيد إدارة الموارد والوظائف الأساسية للدولة، وهو ما أكده وكيل وزارة النقل لقطاع الشؤون المالية والإدارية، الدكتور الخضر علي محمد القفيش، في حديثه مع “نون بوست”، حيث قال إن القطاع الذي يترأسه يُعد أحد القطاعات الرئيسية في وزارة النقل، إلى جانب قطاعات أخرى من بينها قطاع الطيران المدني والأرصاد المختص بالجوانب الفنية والإشراف على المطارات وما يتصل بها من قضايا وإشكالات فنية وتشغيلية.
وأشار إلى أن قضية مركز الملاحة الجوية تُعد من أبرز الإشكالات المزمنة التي أخفقت الحكومات السابقة في معالجتها، حيث ظل تبرير عدم الحل مرتبطًا ببقاء المركز في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، إضافة إلى عدم موافقة المنظمة الدولية للطيران المدني، وغياب الأجهزة الملاحية، ونقص الكوادر المؤهلة والمتخصصة لإدارة المركز.
وأضاف أن هذه المعطيات كانت مطروحة منذ بداية عام 2021 عقب تشكيل حكومة المحاصصة، حيث جرى شراء أجهزة ملاحية ومعدات فنية، والانتهاء من تدريب الكادر المتخصص، إلا أن التنفيذ الفعلي لم يتم حتى اليوم، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا التعثر، وما إذا كان يعود إلى عدم قدرة قيادة الوزارة، وعلى رأسها الوزير، على إقناع المنظمة الدولية للطيران المدني، أو إلى عدم الوفاء بالشروط المطلوبة، أو العجز عن توفير الحماية الفعلية للمركز.
وأوضح القفيش أن اليمن تشهد منذ سنوات تراجعًا خطيرًا في المشاركة بصنع القرار، وغيابًا شبه كامل لأجهزة الرقابة والمحاسبة، فضلًا عن تعدد الجهات المسيطرة على الأرض في المناطق المحررة، وهو ما أدى إلى غياب وحدة القرار والهدف، وتحول بعض الوزارات إلى أدوات لتقاسم المناصب والمغانم.
وأضاف أن الوزراء المتعاقبين على وزارة النقل لم يسمحوا للقطاع بأداء مهامه القانونية والرئيسية في الإشراف والرقابة على الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، وهو ما أسهم في خلق بؤر للفساد المالي والإداري، لا سيما مع استمرار العمل باللائحة التنظيمية الصادرة عام 2002، رغم توسع هيكل الوزارة من قطاعين إلى أربعة قطاعات.
وأكد القفيش أن غياب الالتزام بمعايير الشفافية الدولية، وعدم وجود نية حقيقية لدى الحكومة للامتثال لهذه المعايير، أسهم في تراجع تصنيف اليمن لدى بيوت النزاهة والشفافية الدولية والمراكز العالمية، ووضعه في أدنى المستويات، نتيجة غياب المؤسسية وتخلف اللوائح والقوانين المنظمة وعدم مواكبتها للتطورات الدولية.
مصالح وفساد محتمل
تمكّنت جماعة الحوثي منذ سيطرتها على العاصمة صنعاء من تولي بعض وظائف مؤسسات الدولة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما يشمل قطاع الطيران المدني ومراكز الملاحة الجوية، وهو ما يجعلها تتحكم عمليًا في أحد أبرز مظاهر السيادة الوطنية، وتستغل الجماعة هذه السيطرة في تنظيم الخدمات الأساسية، والتحكم بمرافق الاتصالات، وإدارة القرارات الإدارية والأمنية داخل مناطق سيطرتها، ما يعكس قدرتها على أداء وظائف سيادية ضمن مناطق سيطرتها، رغم غياب الاعتراف الدولي بشرعيتها.
من جانبه، أكد الباحث الأول في مركز صنعاء، عبد الغني الإرياني، لـ”نون بوست” أن الحركة الحوثية، في حال تمكنها من تجاوز العقبات المرتبطة بالشرعية المستمدة من قرارات مجلس الأمن، ستكون في موقع متقدم على الصعيد الدولي، نتيجة ممارستها لمظاهر سيادية لم تتمكن الحكومة المعترف بها دوليًا من ممارستها خلال السنوات الماضية.
وأوضح الإرياني أن الحوثيين نجحوا في فرض أمر واقع من خلال التحكم بعدد من مظاهر السيادة، الأمر الذي أدى عمليًا إلى تساويهم مع الحكومة الشرعية من حيث الحضور السيادي، مشيرًا إلى أن الطرف الأقوى في مثل هذه الحالة هو من يحظى بالتعامل والدعم الدولي، وهو ما يصب في مصلحة الحوثيين.
وأضاف أن من أبرز مظاهر السيادة التي يسيطر عليها الحوثيون إدارة الطيران المدني والأجواء اليمنية، وهو اختصاص سيادي لم تسعَ الحكومة المعترف بها دوليًا إلى انتزاعه بشكل جدي طوال السنوات الماضية، إلى جانب السيطرة على الرقم الدولي للاتصالات والتحكم بقنوات الإنترنت.
واعتبر الإرياني أن استمرار السكوت عن هذه القضايا السيادية الحساسة لأكثر من أحد عشر عامًا لا يمكن تفسيره إلا بوجود مصالح أو فساد يقف خلف هذا الصمت، مؤكدًا أنه من غير المنطقي تجاهل هذه الملفات دون وجود أطراف مستفيدة.