شهد المغرب في الأيام الأخيرة (شباط/فبراير 2026) فيضانات في مدينة القصر الكبير وقبلها مدينة آسفي، وذلك بعد سنوات طويلة من الجفاف. هذه الأمطار الغزيرة أدت إلى امتلاء غير عادي للسدود، وأودت بحياة بعض المواطنين، مما طرح تساؤلات حول قدرة البلد على التعامل مع هذا التحول المناخي المفاجئ ومعالجة الاختلالات التي برزت في البنية التحتية للمدن الأكثر تضررا بالسيول.
بين نجاح المغرب في تجهيز ملاعب بمواصفات تقنية عالية وصيانة دقيقة استطاعت الصمود أمام الأمطار العاصفية خلال كأس أفريقيا (نسخة 2025) الأخيرة التي احتضنها، وفشل السياسات الحضرية في تحاشي فاجعة آسفي واستباقها، رغم كثرة المؤشرات المقلقة، تفرض الأمطار الغزيرة على البلد منعطفا تاريخيا، يتنقل فيه من التعامل مع سنوات طاحنة من الجفاف، إلى تدبير قريب وطويل الأمد لما بعد هذه التساقطات غير المسبوقة منذ سنة 1996.
ومع تأهب المغرب لاحتضان كأس العالم سنة 2030، تبدو التساؤلات مشروعة أيضا حول أولويات الاستثمار العمومي و ضرورة تسريع تجهيز البنية التحتية استعداداً لاستضافة العرس المونديالي، لأن الأمر لم يعد يقتصر على البنية الرياضية فحسب، بل يشمل الحاجة إلى تطوير شامل للبنى التحتية، يضمن من جهة، نجاح هذا الحدث العالمي و، ويحمي من جهة أخرى المواطنين من تداعيات التقلبات المناخية المتطرفة.
قبل السيول.. سنوات من الجفاف
صنف تقرير رسمي صادر في يوليوز تموز سنة 2025 المغرب كبؤرة جفاف ساخنة، لذلك فرغم ما أفرزته الفيضانات الأخيرة في البلد من خسائر مادية وبشرية، استبشر المغرب خيرا بالأمطار الغزيرة على امتداد أشهر. ويرى مصطفى العيسات، خبير في مجال البيئة والتنمية المستدامة والمناخ، أن المغرب شهد أطول موجة جفاف في تاريخه الحديث، امتدت لسبع سنوات متتالية (2018-2024)، إذ كانت سنة 2023 الأكثر جفافاً منذ ثمانية عقود.
وقال العيسات في حديثه لـ”نون بوست” إن الجفاف ليس ظاهرة عابرة، بل يعبّر عن تغيّر مناخي جذري. وتؤكد الدراسات أن متوسط درجات الحرارة ارتفع بمعدل 0.2 درجة مئوية كل عشر سنوات منذ الستينيات، فيما انخفضت معدلات التساقطات بنسبة 20% منذ عام 1980.
واستطرد الخبير البيئي: “سجّل المغرب عجز التساقطات بنسبة 29.22% مقارنة بالمعدل الطبيعي، بمجموع لم يتجاوز 134 ملم خلال الموسم الفلاحي 2022-2023. وقد أدى ذلك إلى انخفاض مخزون السدود إلى مستويات حرجة (أقل من 30% مطلع 2025)، وتراجع الموارد المائية الطبيعية من 12 مليار متر مكعب سنوياً إلى 5 مليارات متر مكعب فقط في 2023”.
📌حسب المسؤولين فإن أسباب القرار ترتبط بشكل مباشر بموجة جفاف قاسية تضرب #المغرب منذ 7 سنوات متتالية pic.twitter.com/0QNgGCWyPi
— نون بوست (@NoonPost) June 4, 2025
وللتعامل مع هذه الجفاف، أطلقت الحكومة المغربية “البرنامج الوطني للتزود بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027″ بميزانية تتجاوز 115 مليار درهم، من أجل تأمين الموارد المائية وتعزيز الأمن المائي للبلاد. وتركز الخطة حسب الحكومة على ترشيد استهلاك المياه في القطاع الفلاحي، وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، وتشجيع الزراعات الموفرة للمياه.
غير أن هذه الجهود واجهت واقعاً قاسياً لأزمة أعمق من المتوقع، وفي هذا الصدد، قال أيوب كرير، باحث في المجال والتنمية المستدامة، في حديثه لـ”نون بوست” أن المغرب عرف سبع سنوات عجاف متتالية من 2016 إلى 2024 وبداية 2025، إذ تراجع العجز المطري بنحو 35% خلال هذه الفترة، مما انعكس مباشرة على المخزون المائي في السدود، والفرشة المائية، والإنتاج الزراعي، والتشغيل في العالم القروي.
37 قتيلًا في أقل من ساعة.. فيضانات آسفي تفضح هشاشة البنى التحتية وتعيد طرح سؤال المسؤولية والتخطيط في بلد يواجه كوارث متكررة دون استعداد كافٍ. pic.twitter.com/K1d901DrIW
— نون بوست (@NoonPost) December 21, 2025
وأضاف كرير: “تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة بشكل حاد ووصل إلى نحو 565 متر مكعب سنوياً، ويُتوقع انخفاضه إلى 480 متر مكعب في أفق 2030 إن استمر الضغط الحالي على الموارد المائية. دفع هذا الوضع إلى تحول السياسة المائية من الاعتماد على الموارد التقليدية فقط إلى تسريع برامج بديلة، منها: مشاريع تحلية مياه البحر، والنقل المائي بين الأحواض، وإعادة استعمال المياه العادمة، واستغلال مياه الأمطار”.
ما أسباب تضرر مدن بعينها بالأمطار الغزيرة؟
في الأشهر الأخيرة، تكررت مشاهد الفيضانات في عدد من المدن المغربية والأودية من بينها وادي “سبو” و “ورغة” ، وبرزت مدينتي القصر الكبير وآسفي كنموذجين لمدن تدفع ثمن موقعها الجغرافي الهش وغياب التخطيط الحضري المستدام، إذ شهدت مدينة آسفي في ديسمبر/كانون الأول 2025 فيضانات مفاجئة أسفرت عن مقتل 37 شخصاً على الأقل، فيما تعرضت القصر الكبير لفيضانات في يناير/كانون الثاني 2026 أدت إلى ترحيل سكانها إلى مدن مجاورة ومنع الدخول إلى المدينة.
وقال سعيد شكري، خبير في قضايا البيئة والتغيرات المناخية، إن أغلب المدن المغربية، وبالخصوص مدينتي القصر الكبير وآسفي، تعاني من الفيضانات أكثر من غيرها بسبب وضعها الجغرافي الهش وتاريخ طويل من التعايش مع الخطر.
وأضاف الخبير في حديثه لـ”نون بوست”: “مدينة القصر الكبير تقع في سهل فيضي منخفض داخل حوض واد اللوكوس، أحد أغزر الأحواض المائية بالمغرب وأكثرها تقلباً. وتؤكد الوثائق التاريخية تسجيل كوارث متكررة في المدينة سنوات الستينات والتسعينات، وأيضاً في سنوات 2001، و2013، و2014، وأخيراً يناير/كانون الثاني 2026.
مشاهد تظهر عمليات إجلاء مرضى من مستشفى بالقصر الكبير في المغرب بعد أن حاصرته الفيضانات. pic.twitter.com/FmJUaxuLoa
— نون بوست (@NoonPost) January 30, 2026
واستطرد الباحث: “يعود ذلك إلى تراكم الترسبات في مجرى واد اللوكوس بسبب تعرية التربة في أعالي الحوض، وتجفيف المناطق الرطبة الطبيعية التي كانت تمتص مياه الفيضانات، والترمل عند المصب بسبب المدّ البحري ما يبطئ تصريف المياه، بالإضافة إلى التوسع العمراني داخل المناطق المنخفضة القابلة للغمر”.
وتابع: “أما في آسفي، فتكمن الهشاشة في موقعها بين الأودية الساحلية والمحيط الأطلسي، حيث تتقاطع مياه السيول مع المدّ البحري، فيحدث ما يشبه “الانسداد الهيدروليكي”، فتتراكم المياه داخل الأحياء المنخفضة. ويزيد الوضع سوءاً مع ضعف شبكات تصريف المياه، وتوسع الأحياء داخل المجاري القديمة للأودية”.
بعد الجفاف.. كيف يدبر المغرب آثار الأمطار الغزيرة؟
رغم طابعها المأساوي، شكلت الأمطار الغزيرة وما تلاها من فيضانات ومآسٍ إنسانية إنذارا للمغرب لاتخاذ خطوات استباقية من شأنها التقليل من الخسائر في حال تكرر هذه الأمطار. بعد سبع سنوات من الجفاف القاسي، يواجه المغرب تحدياً مزدوجاً: كيفية تحويل الوفرة المائية الظرفية إلى احتياطي استراتيجي، والحيلولة دون تكرار الكوارث الإنسانية التي خلّفتها الفيضانات
وحسب الخبير سعيد شكري، يستوجب نهج تدبير استباقي يعتمد على تقوية الرصد والإنذار المبكر، مع اعتماد سيناريوهات مطرية متطرفة، كما يجب إعادة ضبط تشغيل السدود من خلال لتفادي بلوغ 100% من حقينتها (المخزون المائي الإجمالي المتوفر في السدود) قبل ذروة التساقطات، واعتماد التفريغ التدريجي المبكر عندما تشير التوقعات إلى فيضانات.
سيول وفيضانات تجتاح شمال المغرب وتغمر الشوارع وسط تحذيرات من ارتفاع منسوب الأنهار. pic.twitter.com/jZp2qMhAFC
— نون بوست (@NoonPost) January 29, 2026
وأضاف: “على المستوى البيئي والعمراني، يجب تشجير الأحواض العليا ومحاربة الانجراف لتقليل الترسبات ورفع قدرة الأودية على التصريف. وتتطلب التهيئة العمرانية منع البناء في المناطق القابلة للغمر ووضع مناطق عازلة حول الأودية، مع إصلاح شبكات تصريف الأمطار في المدن من حيث السعة والصيانة وفتح المجاري”
واستطرد: “أما المحور الاستراتيجي لتدبير ما بعد هذه الأمطار فيكمن في تحويل الفائض المائي إلى رصيد استراتيجي عبر توسيع التخزين الذكي من خلال أحواض تنظيمية، وتغذية الفرشات المائية، وربط تدبير الفيضانات بإعادة تعبئة الموارد المائية للسنوات الجافة، بما يحول التحدي إلى فرصة لتعزيز الأمن المائي الوطني”.
البنية الرياضية والأمطار.. أي استعدادت لكأس العالم سنة 2030؟
يراهن المغرب على جعل كأس العالم 2030 فرصة للبناء الذكي مناخياً، عبر تصميم جميع المشاريع من طرق ومطارات وفنادق لتكون مقاومة لأقصى سيناريوهات التغير المناخي، وتحويل استثمارات المونديال من مجرد حدث رياضي إلى إرث دائم للتكيف المناخي يستفيد منه المواطنون بعد انتهاء البطولة.
وقال الباحث سعيد شكري إن المدن المضيفة الرسمية لكأس العالم 2030 هي: الدار البيضاء، والرباط، وطنجة، ومراكش، و فاس، ومكناس، وأغادير، و الملاعب المضيفة فيها تخضع لمعايير “الفيفا” الصارمة، إذ تم تأهيلها بمواصفات مقاومة للكوارث، وقد اتضح ذلك بالملموس في تنظيم كأس أفريقيا 2025 حيث صمدت الأرضيات أمام الأمطار الغزيرة أثناء المباريات”.
لكن الباحث استدرك: “المخاطر الحقيقية تكمن في البنية التحتية الداعمة، إذ قد تتأثر شبكات الطرق والكهرباء والاتصالات التي تربط المدن المضيفة بفيضانات في مناطق عابرة كالطريق السيار بين الدار البيضاء ومراكش. مؤكداً الحاجة إلى معايير مناخية صارمة في جميع مشاريع 2030 وليس الملاعب فقط، بما يشمل قنوات تصريف متطورة”.
وتشير انتقادات، ومن بين أبرز داعميها الخبير الاقتصادي المغربي نجيب أقصبي، إلى تباين في أولويات الاستثمار العمومي في المغرب، إذ توجه مليارات الدولارات للبنية التحتية الرياضية تأهب لاحتضان كأس العالم سنة 2030، فيما تعاني بعض المدن مثل القصر الكبير وآسفي، من ضعف شبكات الصرف الصحي التي ساهمت في الفيضانات الأخيرة
وفي هذا الصدد، يرى الباحث أيوب كرير أن البنية التحتية الرياضية لا تُقاس بجودة الملاعب فقط، بل بمنظومة المدينة الكاملة من طرق وجسور وأنفاق وصرف أمطار ونقل وخدمات مدنية مستمرة، إذ أن التحضير لكأس العالم سنة 2030 يتطلب تحديد معايير هندسية للصرف الصحي مبنية على سيناريوهات الأمطار الشديدة، مع صيانة مستمرة قبل الشتاء، وتعزيز قدرة المنشآت على الصمود، داعياً إلى إجراء محاكاة مشتركة تشمل الوقاية المدنية والجماعات والمواطنين لتدريبهم على التعامل مع السيناريوهات الطارئة قبل وقوعها، حتى يكتسبوا الخبرة اللازمة للاستجابة الفعّالة.