ترجمة وتحرير: نون بوست
استقال عمر شاكر، مدير ملف إسرائيل–فلسطين في منظمة هيومن رايتس ووتش، اعتبارًا من يوم الإثنين، بعد نحو عقد من العمل في المنظمة، احتجاجًا على قرار اتخذته القيادة العليا بتجميد تقرير وصف الحملة الإسرائيلية الممتدة منذ عقود لحرمان الفلسطينيين من حق العودة إلى منازلهم وأراضيهم بأنها “جريمة ضد الإنسانية”.
وخضع التقرير، المؤلف من 43 صفحة، لكامل مراحل المراجعة الداخلية في هيومن رايتس ووتش، بما في ذلك تقييمات الأقسام المعنية باللاجئين والعدالة الدولية وحقوق المرأة والطفل، إلى جانب الفريق القانوني، على مدى سبعة أشهر. وبعد استكمال هذه العملية، أوقف المدير التنفيذي الجديد، فيليب بولوبون، التقرير قبل نحو أسبوعين من موعد نشره المقرر في 4 ديسمبر/ كانون الأول، وأُبلغ شاكر بالقرار عبر مكالمة هاتفية.
ويستند التقرير إلى مقابلات مع 53 لاجئًا فلسطينيًا، ويتضمن عملًا ميدانيًا في مخيمات اللاجئين في الأردن وسوريا ولبنان، كما يربط بين عمليات الطرد عام 1948 والواقع الراهن، بما في ذلك تفريغ المخيمات في غزة والضفة الغربية خلال العامين الماضيين. وكان شاكر يأمل أن يفتح التقرير “مسارًا نحو العدالة للاجئين الفلسطينيين”.
وجاء قرار بولوبون عقب إثارة مسؤول رفيع في المنظمة مخاوف بشأن نشر التقرير. وقال شاكر في رسالة استقالته إن أحد القياديين الكبار أخبره بأن التقرير سيُنظر إليه باعتباره دعوة إلى “إلغاء الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية ديموغرافيًا”.
وقال شاكر لموقع “دروب سايت”: “لقد كرّست كل ما لديّ لهذا العمل طوال عقد من الزمن، ودافعت عنه في ظروف صعبة للغاية”، وأضاف: “فقدت الثقة في التزام قيادتنا العليا بالطريقة الأساسية التي نعمل بها وبنزاهة عملنا، على الأقل في سياق إسرائيل وفلسطين”. كما استقالت ميلينا أنصاري، الباحثة الفلسطينية المساعدة والعضو الآخر الوحيد في فريق إسرائيل وفلسطين في المنظمة.
وأضاف شاكر: “اللاجئون الذين أجريت معهم مقابلات يستحقون أن يعرفوا لماذا لا تُروى قصصهم”.
وردًا على استفسار من “دروب سايت”، قالت هيومن رايتس ووتش في بيان مكتوب: “التقرير المعني أثار قضايا معقدة وذات تبعات كبيرة. وخلال عملية المراجعة، خلصنا إلى أن بعض جوانب البحث والأساس الوقائعي لاستنتاجاتنا القانونية بحاجة إلى تعزيز لتلبية المعايير العالية لهيومن رايتس ووتش. ولهذا السبب، تم تعليق نشر التقرير ريثما تُستكمل التحليلات والأبحاث الإضافية، ولا تزال هذه العملية مستمرة”.
قضايا استراتيجية
وفي أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني، قدّم شاكر، إلى جانب نائب مدير لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومراجع قانوني، إحاطة أولية لبولوبون بشأن التقرير المرتقب. وخلال المكالمة، ضغطت القيادة العليا لتأجيل نشر التقرير.
وبحسب رسائل إلكترونية داخلية حصل عليها موقع “دروب سايت”، تأثر بولوبون في نهاية المطاف برأي قيادات عليا أخرى بأن التقرير لا ينبغي نشره، رغم استكماله عملية المراجعة الداخلية وحصوله على دعم غالبية العاملين في المنظمة.
وكان من بين المعارضين للتقرير مدير قسم اللاجئين والمهاجرين، بيل فريليك، فقد أُبلغ المانحون والصحفيون وشخصيات خارجية مسبقًا بموعد نشر التقرير في 4 ديسمبر/ كانون الأول، كما أن القسم الذي يرأسه فريليك كان قد وافق رسميًا على التقرير ضمن عملية المراجعة. غير أنه في 25 نوفمبر/ تشرين الثاني تجاوز مسار المراجعة الرسمي وأعرب عن مخاوفه مباشرة لبولوبون في رسالة إلكترونية.
وحصل “دروب سايت” على الرسالة الأصلية التي أرسلها فريليك إلى بولوبون، والتي أشار فيها إلى “قضايا قانونية وإستراتيجية جوهرية”.
وكتب فريليك: “للتوضيح، لا أعترض على موقفنا بأن حق العودة هو بالفعل حق من حقوق الإنسان، وأن حرمان هذا الحق يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان”. وأضاف: “لكنني لا أعتقد أننا نملك أسسًا قوية للقول إن حرمان هذا الحق يشكل جريمة ضد الإنسانية”.
كما كتب فريليك: “أتساءل أيضًا عن القيمة الإستراتيجية لدعوة هيومن رايتس ووتش في عام 2025 إلى تمكين اللاجئين الفلسطينيين وذريتهم من استعادة منازلهم في إسرائيل الحالية التي فقدوها عام 1948”.
وطرح فريليك أسئلة قانونية قال إن التقرير لم يجب عنها بما يكفي، من بينها ما إذا كانت إسرائيل تنوي إلحاق الضرر بحرمان الفلسطينيين من حق العودة. وكتب: “وفقًا لمتطلبات التسبب المتعمد في معاناة كبيرة، هل تتمثل نية إسرائيل من منع العودة في إحداث معاناة كبيرة، أم أن الدافع هو اعتبارات الأمن القومي الإسرائيلي أو الهندسة الديموغرافية أو دوافع أخرى، بحيث تكون أي معاناة تنتج عن ذلك عرضية أو نتيجة لهذه الأهداف، وليست مقصودة بذاتها؟”.
وأوضح شاكر لـ”دروب سايت” أن الأساس القانوني لاعتبار حرمان حق العودة جريمة ضد الإنسانية هو منطق استخدمته هيومن رايتس ووتش سابقًا في تقارير عن دول أخرى، بما في ذلك تقرير صدر عام 2023 حول التهجير القسري لسكان تشاغوس من منازلهم في أرخبيل تشاغوس قبل أكثر من 60 عامًا على يد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
وفي الرسالة، شكك فريليك في جوانب أساسية من معاناة الفلسطينيين، وكتب: “هل تضعف معاناة (ومطالب) أبناء اللاجئين الذين فقدوا منازلهم عام 1948 بمرور الوقت؟ كيف تقيم هيومن رايتس ووتش ما إذا كان أبناء لاجئي 1948 قد حافظوا على روابط تجعل مطالبهم قابلة للاستمرار؟ هل يؤثر الحصول على جنسية دولة أخرى في تلك المطالب؟ وهل هذه المطالب خاصة بأبناء اللاجئين الفلسطينيين، أم أنها تنطبق على أبناء جميع اللاجئين في مختلف أنحاء العالم عبر التاريخ؟”.
وقال شاكر إن من الطبيعي أن يختلف موظفو هيومن رايتس ووتش حول الأساس القانوني لأي تقرير، وأن الفريق القانوني في المنظمة هو الذي يحسم في النهاية ما إذا كانت الحجج القانونية الواردة في التقرير قائمة على أسس سليمة.
وفي حالة هذا التقرير، وافق مراجعان قانونيان على التقرير في جولات المراجعة الأولية. وأحدهما، جيم روس، كتب مذكرة بعد سحب التقرير بعنوان: “تعزيز العرض الوقائعي لتقرير حق العودة/الجريمة ضد الإنسانية”. وفي المذكرة، التي حصل عليها موقع “دروب سايت”، بدا روس وكأنه يسعى إلى موقف وسط، إذ رأى أن التقرير بحاجة إلى تضمين مزيد من الأمثلة على معاناة اللاجئين الفلسطينيين لتعزيز استنتاجاته القانونية.
وكتب روس: “نريد أن نكون قادرين على عرض حالات مقنعة للغاية لمعاناة كبيرة أو لإصابات جسدية أو نفسية خطيرة. ومن المرجح أن تكون هذه الحالات أقوى عندما يعيش الناس في فقر مدقع أو ظروف قاسية مماثلة، أو عندما يعانون بوضوح من أذى نفسي شديد نتيجة حرمانهم من حق العودة”. وأضاف: “وبعيدًا عن مجرد سرد الأضرار التي يواجهها كثيرون، كيف يمكننا ربط ذلك، بوصفه مسألة جنائية، بعدم السماح لهم بالعودة إلى مناطق منازلهم العائلية؟ … إسرائيل تحرم جميعهم من حق العودة، لكن التقرير ينبغي أن يُظهر بشكل مقنع أن إسرائيل تتسبب لبعضهم في “معاناة كبيرة” بوصفها جريمة ضد الإنسانية”.
وقال روس في المذكرة أيضًا إن توم بورتيوس، الذي كان حينها رئيس البرامج في هيومن رايتس ووتش، “لم يكن يرى أن مجرد الاستماع إلى اللاجئين أمرًا كافيًا”، وأضاف: “إلى جانب المعايير القانونية، نحتاج إلى تقديم قضية مقنعة للقراء المتشككين. وربما يعني ذلك التركيز في ادعاءاتنا بشأن الجريمة ضد الإنسانية على أنواع معينة من الحالات، مثل الأشخاص في المخيمات أو في ظروف مشابهة حيث تكون الأدلة البصرية والسردية أكثر وضوحًا”.
وقدّم شاكر وميلينا أنصاري، التي أسهمت بقدر كبير من البحث في التقرير، استقالتيهما في 15 يناير/ كانون الثاني، وكتب شاكر في رسالة إلكترونية أرسلها إلى قيادة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإدارة الموارد البشرية: “طوال فترة عملي، كانت عملية المراجعة تضمن أننا ننشر الحقائق كما وثقناها والنتائج التي استُخلصت من تطبيقنا المبدئي والمتسق للقانون؛ لكن لم يعد بإمكاني القول ذلك”.
أزمة مؤسسية
زطوعقب سحب التقرير، حاول باحثون من أقسام مختلفة داخل المنظمة إعادة طرحه للنشر، وجاء في رسالة إلكترونية داخلية: “لقد ضمنت عمليات المراجعة لدينا، إلى جانب ثقافة الشفافية التي نعتمدها، حتى الآن أن تستند نتائجنا إلى تطبيق مبدئي ومتسق للقانون. إن تجاوز المدير التنفيذي لعملية المراجعة يضع نزاهة أبحاثنا موضع تساؤل، وهي الركيزة التي تقوم عليها منظمتنا”.
غير أن القيادة العليا رفضت هذا التوجه، وأبلغت الموظفين بأن السبيل الوحيد للمضي قدمًا في التقرير يتمثل في حصر نتائجه بالفلسطينيين الذين شُرّدوا منذ عام 2023 داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع استبعاد اللاجئين الفلسطينيين منذ عامي 1948 و1967 المقيمين حاليًا في دول أخرى والمحرومين من حق العودة إلى منازلهم فيما يُعرف اليوم بإسرائيل.
ووقّع نحو 200 موظف رسالة منفصلة، بعضهم بشكل مجهول، احتجاجًا على القرار في الأول من ديسمبر/ كانون الأول.
وفي 20 يناير/ كانون الثاني، بعد خمسة أيام من استقالة شاكر وأنصاري، عقد قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث كان يعمل شاكر، اجتماعًا عامًا لموظفيه لمناقشة القرار. وشارك في الاتصال أكثر من 300 موظف، عبّروا عن غضبهم من تجاوز القيادة للإجراءات المعتادة. وجاء في إحدى الرسائل عبر الدردشة الجماعية: “نحن نفقد المنظمة التي نحبها ونؤمن بها بشغف”.
وفي رسالة أخرى: “سيتضرر عملنا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشدة إذا خرجت هذه الأزمة إلى العلن”، وأضافت: “لن أكون أنا ولا أي شخص قادرًا على الدفاع عن المنظمة”.
وبعد يومين، عقد بولوبون لقاءً عامًا لمناقشة القرار، غير أن الموظفين لم يُمنحوا سوى نحو عشر دقائق في نهاية الاجتماع لطرح الأسئلة أو تقديم الملاحظات، كما تم تعطيل خيار الدردشة.
وقال بولوبون للموظفين خلال الاجتماع: “مسار العمل ليس مقدسًا”، في إشارة إلى عملية المراجعة الداخلية في هيومن رايتس ووتش.
وأوضح بولوبون، الذي تولّى قيادة المنظمة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أنه لم يكن يرغب في بدء ولايته بمثل هذا الوضع، وقال، وفق تسجيل حصل عليه موقع “دروب سايت”: “كان رأيي الشخصي أن لديّ مخاوف بشأن هذا الاستنتاج القانوني، لكنني أعتمد على نصائح الأشخاص الأكثر خبرة في الفريق وأولئك الذين يمتلكون الخبرة القانونية لاتخاذ هذا القرار”، وأضاف: “كانت هناك خلافات حول ما إذا كانت الوقائع تدعم الاستنتاجات بدرجة كافية من الصرامة”.
وأشار بولوبون إلى أن الخلاف لم يكن بشأن حق الفلسطينيين في العودة، وهو موقف معتمد لدى هيومن رايتس ووتش، بل حول ما إذا كان الحرمان من حق العودة يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بالنسبة للاجئي عامي 1948 و1967، وقال: “لست محاميًا، لكن هذا هو جوهر الخلافات”.
وأضاف أنه لم يشعر “بإلحاح” لنشر التقرير، موضحًا: “لم يكن هناك دافع فوري للدفاع الحقوقي، لذلك فإن فوائد الانتظار بالنسبة لي تفوق بكثير مخاطر نشر التقرير”.
وأعلن بولوبون لاحقًا أن هيومن رايتس ووتش ستستعين بمكتب المحاماة “جينر آند بلوك” لإجراء مراجعة لآليات عملها.
وكتب بولوبون في رسالة إلكترونية إلى الموظفين في يناير/كانون الثاني، عقب اللقاء العام: “التقارير التي تحدد جرائم خطيرة أو تنطوي على تحليلات قانونية جديدة تتطلب دعمًا قويًا وتوافقًا داخليًا قبل النشر. ولم يكن هذا متوفرًا في هذا التقرير”.
سابقة مقلقة
وقال أحد موظفي هيومن رايتس ووتش — طلب عدم الكشف عن هويته خوفًا من الانتقام، ويعمل في المنظمة منذ أكثر من عقد — إن حجب هذا التقرير يمثل “لحظة مفصلية” في مسار المنظمة ويؤسس سابقة مقلقة.
وأضاف: “لا تقتصر المسألة على سحب التقرير، بل إن أحدًا لم يتمكن من الحصول على إجابة واضحة عن السبب، لأشهر”. وتابع، طالبًا عدم الكشف عن هويته خوفًا من تبعات مهنية: “ربما خشيت القيادة من العواقب، وظنت أنها سحبت التقرير لصالح المنظمة”.

وقال موظف آخر، مُنح أيضًا صفة مجهولية، إن تعليق التقرير كان محبطًا للموظفين، وأضاف: “يأتي ذلك بعد سبع سنوات من التراجع داخل هيومن رايتس ووتش”، في إشارة إلى تغييرات القيادة، وتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، والزيادة العامة في البيروقراطية داخل المنظمة، وأضاف: “تُهمَّش مدخلات الموظفين أو يتم استبعادها بشكل نشط”.
ودافع كين روث، المدير التنفيذي السابق للمنظمة، عن بولوبون يوم الثلاثاء، قائلًا إن الأخير كان محقًا في حجب التقرير. وكتب روث على منصة “إكس”: “كان المدير الجديد لهيومن رايتس ووتش محقًا في تعليق تقرير يستخدم نظرية قانونية جديدة وغير مدعومة للقول إن حرمان حق العودة إلى مكان معين يشكل جريمة ضد الإنسانية”. وأضاف: “تم تمرير التقرير بسرعة خلال عملية المراجعة أثناء مرحلة انتقال القيادة”.
وأجرى شاكر اتصال وداع افتراضي حضره أكثر من 130 شخصًا يوم الإثنين. وكانت المديرة السابقة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، سارة ليا ويتسون، قد وظّفت شاكر عام 2016 وكانت مشرفته حتى مغادرتها المنظمة عام 2020، وهي تشغل حاليًا منصب المديرة التنفيذية لمنظمة “الديمقراطية للعالم العربي الآن”.
وقالت ويتسون لـ”دروب سايت”: “نواجه مرة أخرى ما يمكن تسميته بـ”استثناء إسرائيل” المنهجي في هيومن رايتس ووتش، حيث تخضع الأعمال الناقدة لإسرائيل لمراجعة استثنائية وإجراءات تعسفية لا تواجهها أعمال أي دولة أخرى”. وأضافت: “الصراعات الداخلية اللازمة لإنتاج هذا التقرير كانت قاسية بشكل استثنائي ومؤلمة بشكل فريد للموظفين المعنيين”.
وكتب شاكر في رسالته الأخيرة في هيومن رايتس ووتش: “كانت إسرائيل/فلسطين بمثابة اختبار حاسم لكل مؤسسة كبرى”. وأضاف: “وهناك أمر يتعلق بـ”استثنائية فلسطين” — فهي غالبًا ما تفتح الباب أمام تنازلات أخرى غير مبدئية”.
المصدر: دروب سايت