إنّ القانون الذي وضعه البشر احتكامًا للعدالة في أرجاء الأرض كلها حوّله الواقع السياسي والاقتصادي إلى أداة إدارة تهدف إلى ضبط سلوك العامة، بينما تُعاد هندسته لأصحاب السلطة ليكون حصانة لهم تجنبهم عواقب اختراقه، كما أنّ التملّص من العقوبة والتموضع فوق القانون في حقل النفوذ والمال يبنى على وهم الاستثناء الذي يعيشه النافذين القادرين على شراء القائمين على القانون بأموالهم وعلاقاتهم التي إذا خالفها أفراد الأمن قد يدفعون كلفة تطبيق القانون غالية.
من هنا لا يسلط هذا المقال الضوء على جيفري أبستين باعتباره فردًا مجرمًا فحسب، إنّما يتخذه كعينة تفضح الشر النظامي الذي مهّد له سبيل الانحراف واستغلال البشر والاتجار بهم ورعى جرائمه بعدم محاسبته كمواطن عاديّ في البلاد، حيث إنّ إجرام أبستين تتداخل فيه مؤسسات قضائية وإعلامية وسياسية كانت معه في شراكة صامتة مطبعة لأفعاله ومنمية لها، ما جعل من فضيحة جزيرة أبستين صدمة للمواطنين الذين شاهدوا النخب في البلاد ماذا تمارس بالخفاء من انحلال أخلاقي مقابل الفضيلة التي كانت تصرح بها أمام الجماهير، وأفقدت الثقة بالقائمين على تسيير العدالة.
وهم الاستثناء
لا تُعدّ مخالفة القوانين عند أصحاب النفوذ والمال قرارًا واعيًا يقدِمون عليه بعد دراسة سُبل النفاذ من عواقبه، إنّما هو تحوّل نفسي تدريجي مبنيّ على اعتقاد لا واعٍ بالاستحقاق الأخلاقي؛ فهم ليسوا مخالفين هنا بل مختلفين عمن تسير عليهم الأنظمة؛ بسبب شعورهم بالاستثناء الذي بنوه بعلاقاتهم النافذة وأموالهم الكثيرة التي تقربهم من السلطات العليا وقد يكونون هم السلطة العليا، فيدركون أنّ القوانين صمِّمت للآخرين الذين هم دون مستواهم الاجتماعي والاقتصادي وليسوا ملزمين به.
يتغذى هذا الوهم من البيئة الاجتماعية التي تميل للقوي وتكافئه عوضًا عن محاسبته؛ لأنّها بكل وضوح تفسر النجاح على أنّه تفوق إنساني وأخلاقي لا كامتياز، ما يجعل معيار الصواب والخطأ مرهونًا بالمكانة والنجاح، مما يُبشِّر بالانفصال الأخلاقي لهذه الجماعة الناجحة عن الآخرين لتقف فوق القانون الذي لا يطال من يقف فوق عتبة المساءلة.
تبدو المقارنة بين قضية جيفري إبستين وما جرى ويجري في غزة مقارنة كاشفة لا على مستوى الحدثين في ذاتهما، بل على مستوى آليات الإنكار والحماية والتبرير التي حكمت التعامل معهما.
إبادة غزة وفضائح إبستين.. إلى متى نصدّق أستاذية الغرب الأخلاقية؟
✍️ @ahmedalmallah89…— نون بوست (@NoonPost) February 3, 2026
تطرح الدراسة النفسية المعنونة بـ(تأثير السلطة على التفكير الأخلاقي والسلوك الأناني) سؤالًا محوريًا وهو: هل تفسد السلطة العقل؟ لتجيب نتائج الدراسة بأنّ الأشخاص أصحاب النفوذ ميّالون أكثر من غيرهم إلى اتخاذ قرارات أقل اعتمادية على المبادئ الأخلاقية وأكثر ارتباطًا بالمصلحة الذاتية، فالشخص لا يرى نفسه كفاسد أو غير أخلاقي إنّما كحالة خاصة مختلفة تحتاج معاملة خاصة، وبالتالي فإنّ مفهوم ما هو أخلاقي نسبي لديهم وأعيد تشكيله، فهم لا يرفضون الأخلاق، بل يرون تعريفها الدارج اجتماعيا لا ينطبق عليهم بذات الطريقة التي تنطبق على الآخرين، ما يحوّل الأخلاق من معيار شمولي إلى مساحة مرنة قابلة للتعديل وفقا لنفوذ الفرد.
إنّ الجانب الأخطر في نتائج هذه الدراسة هي كشفها عن العلاقة بين السلطة والسلوك القائم على المصلحة؛ إذ تبيّن أنّ الأفراد أصحاب النفوذ والسلطة ميّالون لخدمة مصالحهم الشخصية حتى لو كانت على حساب الآخرين، إذ أنّ النفوذ يوفّر الأدوات اللازمة لعيش نرجسية الاستحقاق، ويكشف كيف تتحوّل القناعات الداخلية إلى ممارسة عملية، وتوفّر هذه الأدوات السلطوية غطاءً معنويًا للتمرد ووسيلة للإنكار والعمل ما يجعل التجاوز والمخالفات معزولة عن العواقب، ومع الاستمرار بالإفلات من العقاب، يكبر الوهم ويصبح جزءًا من لاوعي الفرد وشخصيته.
وهنا ندرك أنّ وهم الاستثناء الواضح عند النافذين ليس أمرًا عرضيًا، بل هو اطمئنان وتعالي سيكولوجي تتفاعل به السلطة التي يمتلكها الشخص مع وعيه وطبيعة النظام من حوله، وبهذا نفهم أنّ السلطة لا تفسد الأخلاق بشكل فوري أو بضربة واحدة، إنّما تعمل على تفكيك الروابط المشتركة التي تذّكر صاحبها بأنّه جزء من المنظومة الإنسانية الواحدة، وعندما يتآكل إحساس الفرد بهذه الرابطة الإنسانية ويعيش في برجه العاجي ينظر إلى البشر العاديين على أنّهم أقل منه، وما يخضعون له من قواعد ليس عليه الخضوع لها، ما يفسّر الانتهاكات التي قد تصدر منه بحق غيره، ويبرّر له قرارته الجائرة للقيم التي قد يدعو لها علنًا.
الفرق بين الشر الفردي والشر النظامي
إن قلنا أنّ وهم الاستثناء هو المرجع النفسي الذي يبرر فيه الفرد تجاوزه للقواعد، فإنّنا عندما ننظر إلى حالة أبستين نتساءل، هل كانت هذه الانتهاكات مقتصرة على رأس فرد واحد، أم أنّها امتداد لبنية نظامية تيسِّر لهذا الفرد التحرك خارج القانون؟ هل من الممكن أن ننظر إلى قضية أبستين كحالة مرضية فردية أم كشر نظامي رعى هذا الوهم وامتد ليصبح جريمة مؤسسية.
إنّ اعتبار جيفري أبستين حالة من الشر الفردي الناشئ عن اضطراب نفسي أو انحرافات جنسية يعطينا فهما ناقصًا للحالة؛ إذ إنّ هذا النوع من الانحرافات والرغبات المكبوتة موجود لدى الشرائح المختلفة بأفرادها داخل المجتمع إلّا أنّه يبقى كامنًا بفعل القانون وعواقبه، بينما أنّ اعتبار هذا الشر الفردي جزءًا من شر نظامي أكبر يدفع هذه الأفعال للظهور تحت ضوء الشمس باشتراك عدد ليس بالقليل من الشخصيات النافذة فيه تحت غطاء قانوني هو ما يجب النظر فيه.
كشفت تقارير وشهادات لضباط مخابرات سابقين، أنه كان عميلاً للموساد الإسرائيلي.. ماذا تعرف عن جيفري أبستين مؤسس شبكة الدعارة بالقاصرات في أميركا؟ pic.twitter.com/3RqAWZc8zo
— نون بوست (@NoonPost) February 3, 2026
لم يكن أبستين تاجر مخدرات أو قاتل متسلسل، بل رجل أعمال وصديقًا للنخبة من الدوائر السياسية والعلمية والملكية حتى، ما اشترى به مناعةً وتمكينًا قانونيًا صنع به عقدًا اجتماعيًا مختلًا مع هذه النخب قائمًا على وجود سوق أخلاقي للضعفاء الخاضعين لسلطتهم والقانون، وسوق للأقوياء الذين يتجاوزون القانون تحت مسمى الترويح عن النفس والحرية الشخصية مع عدم تدخل أحد بسلوكات الآخرين مهما كانت فداحتها، وقد خلق أبستين حاضنة لهذه الجرائم وهي الجزيرة موفرًا فيها كل ما يخدم هذا الترويح اللانساني للنخب. لكنّ إلقاء اللوم على أبستين لوحده يعد تطهيرًا للآخرين وللنظام من الذنب عبر اختزاله في وحش واحد، واعتبار موته وتحطيم جزيرته قد يحل المسألة، لأنّ الحقيقة الواضحة بأنّه لم ينجح لوحده لولا وجود نظام مكّنه وحماه على مدار سنوات، وهذا النظام ذاته الذي غذّى وهم الاستثاء لدى النخب، وجعل الانحرافات الجنسية المقترفة سلوكًا استحقاقيًا داخل شبكة من المصالح المشتركة على الجزيرة.
يتجلى الشر النظامي في قضية أبستين منذ الاتفاقية القضائية في 2008م التي كان متهمًا بها بالاتجار بالبشر، والاعتداء على القاصرات، وجلب الآخرين للاعتداء عليهن، مثل هذه التهم تودع الفرد السجن عشرات السنين في كل القوانين الدولية إن لم يحكم عليه بالمؤبد، لكن في قضية أبستين حينها قضى 13 شهرًا في سجن نخبوي مع السماح له بالذهاب إلى مكتبه ستة أيام في الأسبوع، جرت هذه الاتفاقية بفضل علاقاته النافذة التي وَشت أنّ القوانين تنطبق على المجرمين العاديين، لكن رجال الأعمال الكبار أصحاب العلاقات العميقة بالسلطة يمكنهم الإفلات من العقاب، كما أنّ المال الذي يملكه ساعد محاميه للوصول إلى هذا الاتفاق وشراء حريته بعدالة قانونية مشوّهة.
“يعيشون وفق قواعدهم الخاصة، ويستمرون في الإفلات من المحاسبة”.. السيناتور الأمريكي، بيرني ساندرز، معلّقًا على فضائح ملفات جيفري إبستين. pic.twitter.com/y8dHdvZCva
— نون بوست (@NoonPost) February 3, 2026
والشاهد الأكبر على هذا الخلل النظامي هو موت أبستين نفسه؛ حيث أعتقل للمرة الأخيرة عام 2019م بذات التهم ووجد بعدها منتحرًا في زنزانته، ولكن تقارير مفتش وزارة العدل الأمريكية أظهرت أمرًا مريبًا بشأن موته، ففي الوقت الذي كان على الحراس إجراء دوريات مراقبة لزنزانة شخص بهذه الأهمية، تم تجاهل بروتوكلات المراقبة وتعطيل الكاميرات وتزوير سجلات الزيارة، هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على خوف الشخصيات التي تورطت أسماؤها مع أبستين من الفضحية، فكان انتحاره –إن صدق أنّه انتحار- عملية تغطية على معلومات وأسرار يمكن أن يفضحها أبستين في المحاكم ويجر وراءه أسماء تقلق أن تُفضح وتحاسب.
ولا نغفل عن دور الإعلام والمجلات التي كانت تُظهر أبستين كشخصية اجتماعية نخبوية تجري لقاءات حوارية وتتصور على موائد أصحاب السلطة والسياسيين الكبار، ما صدّر عنه صورة حسنة تحظى بسيط وحفاوة اجتماعية، حيث لم يتوقع الضحايا والناس العاديون أنّ شخصًا بهذه المكانة والتقدير الرسمي والإعلامي من الممكن أن يكون مجرمًا منحرفا، هذا كله يدلّ على أنّ أبستين لم يكن فردًا منحرفًا فقط، بل إنّه جزء من شر نظامي كلي يبدأ من النخب الثقافية والسياسية وصولًا إلى القضاء، حيث كان النظام شريكًا في الجريمة إذ وفّر الملاذات الآمنة ومنحه الشرعية الاجتماعية، وبيّن بشكل ملتوٍ أنّ القواعد تسحق المجرمين الفقراء والمنسيين ولا تطال النخب مهما وصل الحد بوحشيتهم.
الصدمة الأخلاقية للمجتمع
لم يصبح خبر جزيرة أبستين ترندًا عابرًا يتداوله العالم كله عبثًا، ولا أظن تأثير هذه الفضيحة يمر كأي ترند انتشر على السوشال ميديا؛ لأنّ ملفات أبستين لم تكن مجرد فضيحة أخلاقية سياسية جنائية، إنّما صدمة نفسية تهز الثقة بين الجماهير والنخب، فإنّ العقد الاجتماعي القائم على أنّ القادة السياسيين هم حراس الجمهور تم كسره؛ لظهورهم متورطين داخل دائرة انحراف استغلت البشر العاديين وتلاعبت بالقُصّر وتاجرت بهم، مما جعل الجمهور ينظر إلى كل صورهم وإنسانيتهم التي يظهرونها على الملأ على أنّها مسرحية يعودون بعدها إلى الغرف الخلفية التي لا يخضعون فيها إلى أي ضوابط ويستغلون فيها نفوذهم بشهوانية ومادية منحلة.
هذه الملفات التي مازالت تكشف إلى اليوم أثبتت بالأدلة القاطعة أنّ النفوذ هو أكثر الآليات فعالية لتبييض صورة الشخصيات المنحرفة بل وحمايتها كذلك، وهنا يشعر المواطن أنّه تعرّض إلى خديعة عاطفية يدرك بها أنّ النظام الذي يُعوّل عليه بإدارة العالم هو منظومة منحرفة أخلاقيًا لديها حصانة لا يمتلكها أي فرد من الشعب، ما يخلق اغترابًا مؤسسي ينفصل فيه الفرد أخلاقيا عن النظام الذي يحكمه، ويرى نفسه مجرد رقم في معادلة مصالح تصب فائدتها في ساحة النخب وما هو إلا أداة للتصويت والاستهلاك.
“لدي مرآة جيدة”.. بهذا الكلمات أجاب جيفري إبستين عند سؤاله عما إذا كان يعتقد أنه الشيطان بنفسه، وذلك في مقابلة كانت من ضمن ملايين الملفات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية يوم الجمعة. pic.twitter.com/SrynsUUSGe
— نون بوست (@NoonPost) February 2, 2026
ومن جانب التحليل النفسي، فإنّ هذا الجمهور اعتقد أنّه كان مضلّلًا، وكل القصص التي رواها حول العدالة والكرامة التي يُعوّل على تطبيقها من هذه النخب ما هي إلا أوهام دفاعية استخدمها ليشعر بالأمان، وسقوط هذه الأوهام يترك فراغًا يملؤها شك وبارانويا مؤسسية تقوم على الإيمان بأنّ الخديعة هي القاعدة والصادق الشريف في النخب هو صدفة واستثناء.
وبالتالي فإنّ الخطر الاجتماعي الرئيس لملفات أبستين يتجاوز فقدان الثقة باسم أحدهم أو اسم آخر بل يصل إلى يأس سياسي، يجعل المجتمع يؤمن بأنّ هناك فجوة بين الخطاب والممارسة وهو أمام احتيال معقّد عليه أن يكتشفه ولا يسمح لمجموعة من المنحرفين الخارجين عن القانون من التحكم في شؤونه، مع رفض قاطع لفكرة أنّ القانون لا يسري على الجميع، فهذه الفكرة قد تسير على رعية مضلَّلة، لكن ما يحدث اليوم جعل المجتمع يخرج من ضلاله ليفهم أنّ هناك خلل فظيع في البنية القانونية والثقافية والإعلامية التي تُخضع المواطن للقانون وتجرّمه على مخالفته بينما تغض الطرف عن النخب والنافذين حتى حين يستغلون هذا المواطن وينتهكون إنسانيته.
