لسنين طويلة، لم تلبث الصهيونية، ومعها دولة إسرائيل، تعتمد على الترهيب كاستراتيجية منظمة لقمع النقد.
وفي هذا السياق يتم تصنيف أي تحد للأيديولوجيا الصهيونية أو للسياسات الإسرائيلية، بغض النظر عن مدى دقة ذلك وصحته وعن مدى توازنه واعتماده على الأدلة، بأنه معاداة للسامية.
تصاعدت هذه الوسيلة على مدى العامين الماضيين بشكل دراماتيكي، حتى وصل الأمر الى توجيه تهم معاداة السامية إلى ما لا يحصى عدده من الفلاسفة والمؤرخين والمفكرين والسياسيين والصحفيين والفنانين اليهود، لمجرد أنهم ينتقدون الصهيونية أو ينددون بالفظائع التي ترتكبها إسرائيل، بما في ذلك حرب الإبادة الجماعية المدمرة التي لم تزل ترتكبها منذ مدة طويلة في غزة.
وفي الأيام الأخيرة تحولت أنا نفسي إلى هدف لهذه الحملة، وذلك بعد نشري مقال رأي في صحيفة الجزيرة السعودية، بحثت فيه ووثقت المخططات السياسية الإماراتية والإسرائيلية الموجهة ضد المملكة العربية السعودية وضد العالم العربي بشكل عام.
تجاوز الرد مهاجمتي شخصيا، وامتد بكل وقاحة مذهلة ليصل حد اتهام المملكة العربية السعودية نفسها بمعاداة السامية.
لم يأت مقالي من قريب أو بعيد على ذكر اليهودية أو اليهود، بل كان مقالا تحليليا منظما يستند إلى أدلة موثقة، ويعتمد على دراسات أكاديمية أجراها باحثون مرموقون، وعلى تقارير نشرتها وسائل إعلام معترف بها دوليا، بما في ذلك يورونيوز وذي نيويوركر.
لم يكن قائما على التكهنات، ولم يكن خطابيا في صياغته، بل كان نقدا مستندا إلى الأدلة للسلوك السياسي والتخطيط الاستراتيجي.
الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية
على الرغم من ذلك، قام باراك رافيد، وهو معلق صهيوني يكتب في وسيلة الإعلام الأمريكية آكسيوس، بنشر تغريدة على موقع إكس (تويتر سابقا) زعم فيها أن وسائل الإعلام السعودية تروج لنظريات المؤامرة المعادية لإسرائيل، وتعارض اتفاقيات أبراهام، وتستخدم لغة معادية للسامية، مستدلا بمقالي نموذجا.
تبعت ذلك ردود فعل منسقة من قبل معلقين صهاينة ومنظمات صهيونية، بما في ذلك رابطة مكافحة التشهير، التي أصدرت بيانات تزعم فيها حدوث ارتفاع في الخطاب المعادي للسامية في النقاش العام السعودي.
يمثل هذا الاحتجاج المدبر نمطا مألوفا: المبالغة، تحريف الحقائق، والخلط المتعمد بين النقد السياسي من جهة والكراهية العنصرية أو الدينية من جهة أخرى.
والغاية من ذلك واضحة: صرف الانتباه عن التدقيق، وإخفاء الحقائق الموثقة، وترهيب أولئك الذين يكشفون السياسات المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.
بغض النظر عن حجم وكثافة مثل هذه الاتهامات، فإنها لا تغير من الحقيقة شيئا: لم يشتمل مقالي على أي لغة معادية للسامية، ولا ترهب المملكة العربية السعودية حملات الضغط ولا توجهها الإملاءات الخارجية، وإنما تتشكل مواقفها باستقلالية تامة، بناء على المصالح الوطنية، والمبادئ الأخلاقية، والمسؤولية الدولية.
تُعرّف معاداة السامية من منظور أكاديمي على أنها العداء أو التحيز أو التمييز ضد اليهود كيهود – أي كجماعة دينية أو عرقية أو عنصرية.
من خلال هذا التعريف المقبول عالميا، فإن انتقاد الأيديولوجية الصهيونية وسياسات الدولة الإسرائيلية أو توثيق المؤامرات السياسية لا يشكل معاداة للسامية. إن الخلط بين الاثنين عمل غير نزيه فكريا ولا يمكن الدفاع عنه تحليليا.
خيانة جوهر اليهودية
تاريخيا، لطالما تعرضت الصهيونية للنقد من قبل السلطات الدينية اليهودية والمفكرين اليهود باعتبارها انحرافا عن القواعد الأخلاقية والروحية لليهودية.
فقد قال الحاخام سامسون رفائيل هيرش، المفكر اليهودي الأرثوذكسي الرائد في القرن التاسع عشر، إن اليهودية رسالة أخلاقية ودينية وليست قومية سياسية، محذرا من أن تحويلها إلى مشروع قومي يشكل خيانة لجوهرها.
وتقدم بانتقادات مشابهة الحاخام شولوم دوفبر شنيرسون من حركة تشاباد، وكذلك عالم التلمود الحاخام جوزيف روسين، الذي رفض إقامة دولة يهودية بفعل القوة البشرية كون ذلك يتناقض مع مبادئ التوراة.
ومن بين أبرز نقاد الصهيونية اليهود المفكر الأمريكي موشيه مينوهين، الذي يرى في كتابه “انحطاط اليهودية في عصرنا” أن الصهيونية اختزلت اليهودية إلى أيديولوجيا سياسية علمانية، فاصلة إياها عن جوهرها الأخلاقي، ومفاقمة بذلك الصراع في فلسطين. ولقد انعكس إرثه الإنساني في أعمال ابنه، الموسيقي العالمي الشهير يهودي مينوهين، الذي تشرفت بمعرفته عن كثب في أواخر الثمانينيات.
أعربت شخصيات يهودية مؤثرة أخرى عن مخاوف مماثلة. فقد حذر الباحث مارتن بوبر من أن الصهيونية ستولد صراعا أخلاقيا دائما. وشبه نعوم تشومسكي السياسات الإسرائيلية بنسخة أسوأ من نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ورفض ألبرت أينشتاين فكرة الدولة اليهودية المسلحة، واصفا الصهيونية بأنها خطر أخلاقي يهدد اليهود أنفسهم.
في الدراسات المعاصرة، وثّقت أصواتٌ مثل إيلان بابي، ونورمان فينكلشتاين، وعاموس غولدبرغ، وآفي شلايم، عمليات تهجيرٍ ممنهجة، وهياكل شبيهة بنظام الفصل العنصري، وانتهاكاتٍ جسيمة للقانون الدولي، بما في ذلك أعمالٌ وصفوها بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية. حتى الصهاينة السابقون، مثل الكاتب آرثر كوستلر، تحوّلوا في نهاية المطاف إلى منتقدين لاذعين لإسرائيل، كاشفين عن التناقضات الأيديولوجية والأخلاقية للمشروع الصهيوني.
كما صدرت معارضة الصهيونية عن حركات يهودية منظمة، بما في ذلك جماعة ناطوري كارتا الهريدية الأرثوذكسية، ومجتمع ساتمار الحسيدي الذي يرى في الصهيونية انحرافا لاهوتيا، وكذلك عن الحركات اليهودية العلمانية مثل البوندية ومنظمات مثل الصوت اليهودي من أجل السلام، التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين وترفض الفصل العنصري الإسرائيلي.
دعم التعايش السلمي
في هذا السياق، لا تُعدّ الاتهامات الموجهة إلى السعودية بمعاداة السامية مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة، بل هي مثيرة للسخرية. فالسعودية هي مهد الشعوب السامية، وسكانها في غالبيتهم العظمى من أصول سامية. كما كانت المملكة من أشدّ الداعين إلى السلام والتعايش السلمي بين العرب واليهود.
وبالفعل، كانت المملكة هي من تقدم بأبرز مبادرتين للسلام في فلسطين: الأولى من قبل الراحل الملك فهد، والثانية من قبل الراحل الملك عبد الله عندما كان وليا للعهد في عام 2002. وقد تم إقرار المبادرة الثانية من قبل جميع الدول العربية، وصارت تعرف باسم المبادرة العربية للسلام.
اشترطت المبادرتان إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967، وعاصمتها القدس، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين. ولم يزل الملك الحالي وولي عهده يؤكدان مرارا وتكرارا على الموقف السعودي الراسخ حول فلسطين، والذي ينسجم تماما مع العديد من قرارات الأمم المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، لقد وفر الإسلام والمسلمون تاريخيا ملاذا لليهود عندما تعرضوا للاضطهاد في أجزاء أخرى من العالم. وفي ظل الحكم الإسلامي ازدهرت الحياة الفكرية اليهودية.
في كتابه “العصر الذهبي للعلاقات اليهودية الإسلامية: الأسطورة والحقيقة”، كتب مارك كوهين، الأستاذ الفخري لدراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون: “في القرن التاسع عشر، كان هناك إجماع شبه عالمي على أن اليهود في العصور الوسطى الإسلامية – مع اعتبار الأندلس، أو إسبانيا الإسلامية، نموذجا – عاشوا في “عصر ذهبي” من الانسجام اليهودي الإسلامي، وهو يوتوبيا بين الأديان من التسامح والتعايش”.
أشار كوهين إلى أنه “كان يرى بأن اليهود كانوا يختلطون بحرية وراحة مع المسلمين، منغمسين في الثقافة العربية الإسلامية، بما في ذلك اللغة والشعر والفلسفة والعلوم والطب ودراسة الكتب المقدسة – وهو مجتمع، علاوة على ذلك، استطاع فيه اليهود، وقد فعل الكثيرون، أن يتبوؤوا أعلى مراتب السلطة السياسية في الحكم الإسلامي”. وأضاف: “لم تقتصر هذه الصورة المثالية على إسبانيا فحسب، بل شملت العالم الإسلامي بأكمله، من بغداد إلى قرطبة، وامتدت على مدى قرون طويلة من الزمن”.
وكما هو موثق من قبل علماء مثل ماريا روزا مينوكال، كانت إسبانيا الإسلامية في العصور الوسطى نموذجا للتعايش والتبادل الثقافي بين المسلمين واليهود والنصارى – وتلك حقيقة تاريخية تتناقض مع المساعي المعاصرة لتصوير النقد الموجه للصهيونية باعتباره معاداة للسامية بالسليقة.
في المقابل، قامت إسرائيل منذ تأسيسها بتفعيل نظام حكم قبيح من الفصل العنصري داخل فلسطين، فاضطهدت الفلسطينيين وجردتهم من حقوقهم الإنسانية الأساسية، ولم تقدم في أي يوم من الأيام مبادرة واحدة للسلام، ولا أعلنت بتاتا عن حدودها السياسية. بدلا من ذلك، ردت إسرائيل على مبادرة السلام السعودية بمزيد من العدوان وتوسيع المستوطنات وارتكاب المجازر والفظائع، والتبجح بطموحاتها في إقامة إسرائيل الكبرى.
في نهاية المطاف، يخدم توظيف معاداة السامية غاية واحدة، ألا وهي حماية إسرائيل من المساءلة، ومحاولة الضغط على دول مثل السعودية للتخلي عن مواقفها المبدئية بشأن فلسطين. وتعكس هذه الجهود جهلا تاما وفهما خاطئا لتاريخ المملكة وقيمها.
منذ تأسيسها، ظل موقف المملكة العربية السعودية ثابتا: لا يمكن القبول بالاحتلال والتشريد، ولا يمكن تحقيق السلام الدائم بدون الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وعاصمتها القدس.
يثبت التاريخ أن الأنظمة التي تبنى على الظلم والعنصرية والقهر لا تدوم. هذه ليست خطابة أيديولوجية وإنما نمط تاريخي ملحوظ. لا يمكن لأي حملة من الترهيب أن تغير الحقيقة.
