يتزايد الانخراط السعودي في الساحة السودانية بصورة لافتة، يومًا تلو آخر، فالأمر لم يعد مقتصرًا على الجوانب العسكرية أو السياسية التقليدية، بل أخذ يتجه نحو مستويات أعمق تمس البنية الاقتصادية ذاتها، خاصة عبر بوابة الذهب وقطاع التعدين الذي يُعد من أهم ركائز الاقتصاد السوداني ومفاتيح التأثير فيه.
وفي هذا السياق أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية أن شركة مصفاة الذهب السعودية أبدت استعدادها للدخول الفوري في عمليات شراء الذهب السوداني، وذلك على هامش مشاركة الجانبين في “مؤتمر التعدين الدولي” الذي عُقد بالرياض مؤخرًا.
وخلال اللقاء أكد مع رئيس مجلس إدارة شركة مصفاة الذهب السعودية سليمان بن صالح العثيم جاهزية شركته لبدء العمل فورًا، مستندًا إلى ما تمتلكه من خبرات في إدارة سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية وبنية مختبرية متكاملة، تغطي مراحل النشاط التعديني من الاستكشاف وحتى الإنتاج، فيما شدد وزير المعادن السوداني على استعداد الحكومة لتوفير التسهيلات المطلوبة بما يضمن فعالية الاستثمارات السعودية ويعزز فرص نجاحها.
الأمر لم يتوقف عند حاجز شراء الذهب وفقط، حيث أوضح المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، أحمد هارون التوم، أن المباحثات شملت تنسيقًا يتعلق بمنح الشركة السعودية مربعات استكشافية، إضافة إلى التوسع في استخراج عدد من المعادن الصناعية مثل التلك والمايكا والكروم والمنغنيز، نظرًا لما تتمتع به من جدوى اقتصادية عالية وتكاليف إنتاج منخفضة نسبيًا.
بطبيعة الحال لا يمكن النظر إلى هذه الخطوة بعيدًا عن المشهد الإقليمي المضطرب، حيث تتسم بيئة المنطقة بدرجة عالية من السيولة السياسية والأمنية في ساحات تتشابك فيها المصالح السعودية، من اليمن وصولًا إلى السودان.
وفي هذا الإطار يبرز الحضور الإماراتي المتزايد في المشهد السوداني بوصفه عاملًا مؤثرًا، بل ومحفزًا يدفع الرياض إلى إعادة تموضعها ومراجعة أدوات تأثيرها في عدد من المسارات الحيوية في هذا الملف، ومن ثم يطرح هذا التحرك سؤالًا جوهريًا حول حسابات الطرفين: ما الذي تريده السعودية من توسيع انخراطها الاقتصادي، وماذا يأمل السودان في المقابل من هذه الشراكة المتنامية؟
الذهب.. ثروة السودان المنهوبة
يحتل السودان موقعًا متقدمًا في خريطة الإنتاج الأفريقي، إذ يُصنف ثالث أكبر منتج للذهب في القارة. وخلال عام 2025 بلغ الإنتاج نحو 70 طنًا، متجاوزًا التقديرات المسبقة بحوالي 13%، ومسجلًا بذلك أعلى مستوى خلال السنوات الخمس الماضية.
غير أن المعضلة الأساسية لا تكمن في حجم الإنتاج بقدر ما ترتبط بمسارات تسويقه. فالصادرات التي تمر عبر القنوات الرسمية لا تمثل سوى قرابة 20% من إجمالي الكميات المستخرجة، ما يعني أن ما يقارب 80% من الذهب أصبح خارج الدورة الاقتصادية للدولة سنويًا.
وتُقدَّر الخسائر الناجمة عن هذا المسار بما يتراوح بين 5 و7 مليارات دولار، في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من ضغوط حادة، ومما يزيد من تفاقم الصورة ما تشكله عائدات الذهب بالنسبة للاقتصاد، إذ تمثل نحو 90% من موارد البلاد من النقد الأجنبي.
وتشير تقديرات متعددة إلى أن الفترة الممتدة من 2012 إلى 2024 شهدت تهريب ما لا يقل عن 400 طن من الذهب، ذهب الجزء الأكبر منها إلى الإمارات، التي كانت تستحوذ قبل التوترات السياسية الأخيرة على نحو 95% من الصادرات الرسمية، ويتم هذا التدفق عبر مسارات مباشرة أو من خلال دول مجاورة مثل جنوب السودان وليبيا، ما يعكس تشابك الاقتصاد غير الرسمي مع تعقيدات المشهدين الأمني والسياسي.
في هذا السياق، اتخذت الخرطوم في مارس/آذار 2025 قرارًا بوقف تصدير الذهب إلى الإمارات، وأعلن وزير المالية جبريل إبراهيم حينها أن بلاده ستتجه للبحث عن أسواق بديلة، مشيرًا إلى دول من بينها قطر وتركيا ومصر والسعودية، في خطوة تعكس محاولة لإعادة رسم خريطة الشركاء التجاريين وتقليص الاعتماد على وجهة واحدة.
إنعاش الاقتصاد.. دافع الخرطوم الأبرز
في ظل الأزمات العميقة التي تضرب الاقتصاد السوداني خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد خروج قطاعات واسعة من موارده عن الخدمة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، فقدت الدولة معظم مصادر دخلها، وفي المقابل، جرى توجيه ما تبقى من إمكانات لدعم المجهود الحربي وتأمين احتياجاته، ما ضيّق هامش الحركة أمام أي مسارات إنعاش اقتصادي.
ضمن هذا الواقع الضاغط، تحوّل البحث عن قنوات تنعش الخزانة العامة بعائدات الذهب إلى أولوية قصوى، بل إلى ما يشبه عنق الزجاجة لملايين السودانيين الذين يواجهون تبعات التدهور المعيشي.
ومن هنا تعوّل الحكومة، ومعها المؤسسة العسكرية، على أن يشكل الانخراط السعودي في قطاع التعدين فرصة حقيقية لإسناد الاقتصاد ووضعه على مسار تعافٍ يحد من الانهيار، مع السعي إلى تعظيم الاستفادة من الموارد التي ظل جزء كبير منها يتسرب خارج الإطار الرسمي.
وخلال عام 2025 منحت الخرطوم هذا القطاع أولوية متقدمة ضمن خططها، وهو ما تعكسه المؤشرات المعلنة، فقد وصل إنتاج الذهب إلى نحو 70 طنًا في العام الماضي، بينما تضاعف عدد العاملين في التعدين من قرابة مليوني شخص قبل الحرب إلى نحو أربعة ملايين حاليًا، بحسب بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية، في دلالة على تزايد الاعتماد على هذا النشاط بوصفه ركيزة شبه وحيدة للاقتصاد.
ماذا تريد السعودية؟
لم يكن التوجه السعودي نحو الانخراط في قطاع التعدين بالسودان خطوة عفوية أو محض استجابة ظرفية، كما لا يمكن اختزاله في كونه دعمًا اقتصاديًا للخرطوم فحسب، فالمسار تحكمه شبكة من الحسابات المتداخلة، تتقاطع فيها اعتبارات النفوذ الإقليمي مع الأمن القومي والمصالح الاقتصادية بعيدة المدى.
في مقدمة هذه الاعتبارات يبرز السعي إلى كسر ما يُنظر إليه باعتباره هيمنة إماراتية على تجارة الذهب السوداني، حيث تشير تقارير عدة إلى أن بورصة دبي ظلت الوجهة الرئيسية للكميات المصدّرة رسميًا.
وبالتوازي مع ذلك، تتهم أطراف سودانية قنوات مرتبطة بقيادات في قوات الدعم السريع بالاستفادة من جزء من هذه العوائد في تمويل قدراتها العسكرية، وهو ما تراه الرياض تطورًا لا ينسجم مع رؤيتها لاستقرار السودان ووحدته، وقد ينعكس بصورة مباشرة على توازنات تمس أمنها الاستراتيجي.
من هذه الزاوية يمكن فهم التحرك السعودي باعتباره محاولة لإعادة ضبط ميزان التأثير داخل الساحة السودانية؛ عبر تقليص أدوار منافسين إقليميين من جهة ( الإمارات)، والحد من الموارد التي تغذي أطرافًا مسلحة من جهة أخرى ( ميليشيا الدعم).
في الوقت نفسه، يحمل هذا الانخراط بعدًا اقتصاديًا برغماتيًا واضحًا يتجاوز السودان نفسه، فالرياض، التي يبدو أن الذهب السوداني أسال لُعابها، تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتكرير الذهب وتجارة المعادن الأفريقية، مستفيدة من قدراتها اللوجستية وبنيتها التحتية المتطورة.
ويشمل ذلك تقديم خدمات الفحص والمعالجة، واستقطاب صادرات يمكن أن تعيد توجيه حركة الذهب نحو السوق السعودية بدلًا من مساراتها التقليدية، بما يعزز ثقل المملكة في خريطة المنافسة الإقليمية، كما يفتح الباب أمام شراكات لإعادة تشغيل المناجم المتوقفة والدخول في عمليات استكشاف جديدة.
أما سياسيًا، فإن بوابة الاقتصاد تبدو أداة فعالة لتعميق الحضور السعودي في بلد يتمتع بموقع استراتيجي على البحر الأحمر وفي محيط القرن الأفريقي، فتعزيز الروابط الاستثمارية يمنح الرياض نفوذًا أوسع يمتد تدريجيًا إلى الملفات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، في منطقة ترتبط بشكل مباشر بحساباتها الإقليمية الكبرى.
أي تداعيات محتملة؟
من المرجح أن يؤدي الدخول السعودي على خط الذهب السوداني إلى إعادة خلط الأوراق داخل هذا القطاع الحساس، بما يربك حسابات العديد من الفاعلين، سواء من شركات خاصة أو شبكات مصالح ارتبطت خلال السنوات الماضية بعلاقات تعاون مع قوات الدعم السريع أو مع الشريك الإماراتي، مثل هذا التحول قد لا يمر دون ارتدادات، وربما يفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية من شأنها رفع منسوب التوتر في ساحة تعاني أصلًا من هشاشة شديدة.
فالذهب في السودان ليس مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل ملف معقد تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والسياسية والمالية، لذلك فإن الاقتراب من مناطق النفوذ القائمة أو محاولة إعادة توزيع الامتيازات، خصوصًا في ما يتعلق بالأطراف المرتبطة بالدعم السريع أو الشركات المتحالفة معه، يظل خطوة محفوفة بالمخاطر، وتتطلب ترتيبات دقيقة وتفاهمات واسعة حتى لا تنقلب النتائج إلى عكس ما هو مأمول.
ويتوقف جزء كبير من نجاح أي مقاربة جديدة على قدرة الحكومة السودانية، ومعها الشريك السعودي، على استمالة الشركات المحلية العاملة في التنقيب، والتي تشير التقديرات إلى أنها تسيطر على ما يزيد عن 80% من الإنتاج الفعلي، فإقناع هذه الأطراف بالانخراط في ترتيبات جديدة يمر عبر تقديم حوافز حقيقية وقيم مضافة، سواء في مجالات التسويق أو التمويل أو البنية التحتية، بما يجعل التعاون خيارًا عمليًا لا مجرد توجه سياسي.
وفي ظل هذا التشابك، يتحول الذهب – الذي يُفترض أن يكون رافعة لإنعاش الاقتصاد وتحسين ظروف المواطنين – إلى عنصر في معادلة الصراع، ومصدر تمويل للحروب، وساحة تنافس مفتوحة بين قوى إقليمية وأجندات متعارضة.. وهنا يبرز السؤال المؤلم: متى يصبح هذا المورد في خدمة السودانيين أنفسهم؟ ومتى يتحول من عبء يؤجج النزاعات إلى فرصة حقيقية للاستقرار والتنمية؟