أُعلنت النتائج النهائية لأسماء أعضاء مجلس الشعب في سوريا مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2025، متضمنة 122 اسمًا منهم 3 أسماء من دائرتي تل أبيض في محافظة الرقة، ورأس العين في محافظة الحسكة، من أصل 140 مقرر انتقاؤهم عن طريق الانتخاب غير المباشر أو الجزئي.
أُجل انتخاب 18 اسمًا متبقين في دوائر ضمن محافظة الحسكة (9 مقاعد لثلاث دوائر)، ومقعدين لدائرة منطقة عين عرب كوباني، بالإضافة لأربعة مقاعد عن الدوائر المتبقية في الرقة، وثلاثة عن محافظة السويداء، إلى حين أن تسمح الظروف الأمنية بذلك.
ومع التغييرات الأخيرة التي شهدتها مناطق شمال شرق سوريا، على المستوى السياسي والعسكري، المتزامنة مع مفاوضات بين الحكومة السورية وتنظيم “قسد” لتنفيذ عملية الدمج الإداري والعسكري، المتمخضة عن اتفاقية 18 كانون الثاني/ يناير والإعلان عن الدمج في 30 كانون الثاني/ يناير 2026، يبرز التساؤل حول احتمال تأثير هذه التغييرات على استكمال العملية الانتخابية في سوريا، وتشكيل مجلس الشعب السوري بعد عام وثلاث أشهر من سقوط نظام الأسد وتحرير سوريا.
ضمانات شفهية ضمن المفاوضات
تجري جولات المفاوضات بين الحكومة السورية و”قسد” برعاية دولية وإقليمية حثيثة، عبر وفود تقنية في العاصمة دمشق، وحتى لحظة كتابة التقرير لم ينتج عن هذه المفاوضات أي قرار حول تمثيل الكرد في مجلس الشعب، إذ ما زال هذا الموضوع قيد النقاش، وفق ما أوضحه ممثل الإدارة الذاتية عبد الكريم عمر، في حديثه لـ”نون بوست”، مؤكدًا وجود تمثيل للأكراد في مجلس الشعب في دورته القادمة.
الجولات التفاوضية، تضمنت أجوبة شفهية من قبل الحكومة حول مشاركة الكرد في مجلس الشعب والحكومة، مع غياب أي تصريح رسمي بذلك من الجانبين، بحسب الصحفي المطلع على المسار التفاوضي، رامان عيسى.
وذكر عيسى في حديثه لـ”نون بوست” أنه قد يكون هناك إعلان عن تفاصيل جديدة خلال المرحلة المقبلة بعد الانتهاء من التفاوض حول جميع البنود المتفق عليها في آلية الدمج العسكري والإداري.
خرجت مظاهرات شعبية في عدة قرى وبلدات بريف الحسكة، احتجاجًا على سياسات ميليشيا “قسد” ورفضًا لتعيين “نور الدين أحمد” محافظًا للمنطقة. pic.twitter.com/Fdii2ou1VW
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 6, 2026
وفي الوقت التي لم تتضح فيه ملامح الاتفاق النهائي، باستثناء ما تم تداوله حول ترشيح أسماء من قبل “قسد” لبعض المناصب، ودمجها ضمن مؤسسات الدولة الخدمية، إلى جانب ترشيح أسماء لعضوية مجلس الشعب، يعتقد مدير مركز الحوار السوري، أحمد قربي، أن المبدأ المفترض، وخصوصًا في مناطق الحسكة وعين العرب، هو أن تقوم “قسد” بترشيح أسماء للهيئات الناخبة، على أن تتولى هذه الهيئات اختيار المرشحين، أسوة ببقية المناطق، وهو ما ينسجم مع مبدأ المساواة.
وأكد خلال حديثه لـ”نون بوست” أن هذا هو التصور الذي يراه صحيحًا، وليس أن تقوم “قسد” بتعيين الأشخاص بشكل مباشر أو تحديد حصة هذه المناطق في مجلس الشعب، مرجحًا أن المفاوضات الحالية لا تسير في هذا الاتجاه.
استكمال الانتخابات في الرقة
يرتبط موعد تشكيل المجلس التشريعي في سوريا، باستكمال الانتخابات في المناطق المتبقية وتعبئة المقاعد الـ18، وإصدار الرئيس أحمد الشرع قائمته لـ 70 اسمًا، التي تمثل ثلث أعضاء المجلس وترمم النقص الناتج عن نتائج الانتخابات من حيث التمثيل، بالإضافة لاستكمال عمليات تأهيل مبنى البرلمان وسط دمشق.
وكان الرئيس السوري، أرجع خلال زيارته إلى مدينة حلب، يوم 30 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، تأخر إعلانه عن أسماء قائمته إلى تعقيدات مرتبطة بآلية الاختيار والواقع المجتمعي القائم، لافتًا إلى أن الاستقطاب الاجتماعي في سوريا قد يؤدي إلى نتائج لا تعبر عن كامل المجتمع، وهو ما استدعى التريث ودراسة الخلل الناتج عن العملية الانتخابية بدقة قبل استكمال التشكيل.
وأضاف الشرع أن الهدف ليس تشكيل مجلس شكلي قائم على التوازنات فقط، بل اختيار أشخاص يمتلكون خبرة وقدرة حقيقية على سن القوانين، في مرحلة وصفها بأنها مرحلة إعادة بناء الدولة وصياغة قانون ورؤية جديدة تتلاءم مع الواقعين الإقليمي والدولي.
وتستعد اللجنة العليا للانتخابات لاستكمال مقاعد محافظة الرقة، بتشكيل اللجان الفرعية والبدء بتشكيل الهيئات الناخبة لدائرتي الرقة والطبقة، للوصول إلى أربعة أعضاء، بما يضمن تحقيق الشروط الواردة في النظام الانتخابي المؤقت، المتعلقة بوجود 70% من الكفاءات و30% من الأعيان.
وفد من وزارة الدفاع برئاسة رئيس هيئة العمليات في الجيش السوري العميد حمزة الحميدي يعقد اجتماعًا في مدينة الحسكة مع ممثلي ميليشيا “قسد”، لبحث إجراءات دمج الأفراد ضمن المؤسسة العسكرية. pic.twitter.com/DpJANou2xj
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 6, 2026
وأوضح عضو اللجنة العليا للانتخابات، محمد خضر ولي لـ”نون بوست” أن دائرة عين العرب (كوباني) في حلب، تنتظر نهاية المفاوضات واستكمال عملية الاندماج، وبسط سيادة الدولة السورية على هذه المناطق.
وبعد إنجاز الاندماج، سيكون هناك أيضًا تشكيل لجنة فرعية من ثلاثة أشخاص وهيئة ناخبة من 100 شخص ممن توفر فيهم الشروط الواردة في النظام الانتخابي المؤقت وإجراء انتخابات ضمن هذه الهيئة الناخبة.
ويرى ولي أن المفاوضات الحاصلة لن تأثر على عملية الانتخابات وشفافيتها، معتقدًا أن يكون تأثيرها فقط على الثلث الذي سيعينه الرئيس السوري، وفق مبدأ تمثيل العادل والكفاءة.
كما ستستكمل اللجنة إجراءات الانتخابات في الدوائر المتبقية من محافظة الحسكة (الحسكة المركز، القامشلي، المالكية)، بعد الانتهاء من بسط سيادة نفوذ السلطة السورية عليها بشكل كامل.
أما محافظة السويداء، فما زالت اللجنة العليا للانتخابات، وفقًا لمحد ولي، مستمرة بقرارها في إرجاء إجراء الانتخابات فيها، إلى حين استكمال الحوارات الجارية حاليًا وعودتها كليًا للسيادة السورية، خاصة أنها تتوفر فيها الأسباب الأمنية المناسبة لإنجاز هذه الانتخابات.
مسؤوليات بانتظار ملئ الفراغ التشريعي
يسري في سوريا اليوم نحو 800 قانون، يعرقل بعضها عمل الوزارات وأمور المواطنين، بانتظار انعقاد المجلس الشعب لإعادة النظر فيها وتعديلها أو إلغاءها، وهو ما صرح به أعضاء اللجنة العليا للانتخابات خلال لقاءاتهم الإعلامية.
وبحسب المادة 30 من الإعلان الدستوري في سوريا، سيتولى مجلس الشعب في بعض مهامه، اقتراح القوانين وإقرارها، تعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وهو ما ينتج عنه أن جميع القرارات والقوانين التي قامت السلطة التنفيذية الجديدة في سوريا بعد سقوط الأسد، بالإضافة للمعاهدات والاتفاقية الدولية التي تم توقيعها مع الدول الأخرى، قابلة للمراجعة والطعن من قبل المجلس المنتظر.
وأبرمت الحكومة خلال الفترة الماضية سلسلة من الاتفاقيات باسم الدولة السورية، في وقت تفتقر فيه البلاد إلى سلطة تشريعية قائمة للتصديق على هذا النوع من الالتزامات، ونفاذها بشكل دستوري، لا سيما تلك التي ترتب التزامات طويلة الأمد أو تمس السيادة والموارد العامة.
مقتل الطفل عادل فواز الحسين برصاص قنّاص تابع لميليشيا “قسد” أثناء عمله ببيع البنزين في حي النشوة بمدينة الحسكة. pic.twitter.com/AGVKrzRZQx
— نون سوريا (@NoonPostSY) February 5, 2026
ويعتبر مدير مركز الحوار السوري، أحمد قربي، أن مسألة التأخير في جوهرها قضية سياسية، إذ ثمّة من يرى أن هذا التأخير قد يكون خيارًا أفضل في المرحلة الراهنة، للحفاظ على وحدة سوريا، وتفادي أي طعن محتمل في شرعية المجلس، فمن المفترض أن يمثل هذا المجلس جميع المكونات السورية وكافة المناطق.
مضيفًا في حديثه لـ”نون بوست” أن الدور الأساسي للمجلس يتمثل في التمثيل، إلى جانب دوره التشريعي، في حين أن السلطة التشريعية تعد إحدى أهم وظائف التمثيل السياسي، ما يشي بضرورة تسريع عملية تشكيل المجلس، في ظل الحاجة الملحة لوجود سلطة تشريعية في الوقت الراهن، كونها الجهة المختصة بإصدار التشريعات.
ولا تملك سوريا، أي نص قانوني ينص على إلزام الجهات المعنية بتسريع عملية تشكيل مجلس الشعب، مما يجعل المستوى السياسي والأمني هو صاحب التقدير، وهو ما يرجح القبول بتقديم الاعتبارات السياسية على حساب تأخير التشريعات لضمان جميع المناطق والمكونات في سوريا.
وبعد التطورات التي شهدتها مناطق الجزيرة السورية، يرى مدير مركز الحوار، أنه لم يعد هناك معنى لتأخير تشكيل مجلس الشعب.