“الإضراب فُرض علينا فرضًا، لم يكن خيارًا”، بهذه الكلمات عبّر المعلم محمد زكريا الهر، عن إحباطه إزاء ما آلت إليه أوضاع التعليم في شمال غربي سوريا، وما دفعه وزملاءه إلى الدخول في إضراب مفتوح، احتجاجًا على تدهور واقعهم المعيشي واستمرار تجاهل مطالبهم.
ومع انطلاق الفصل الدراسي الثاني، استقبلت مئات المدارس في إدلب وريف حلب شملت مدن الباب وعفرين واعزاز وأريافها، الفصل الدراسي بأبواب مغلقة، عقب إعلان المعلمين إضرابًا مفتوحًا أطلقوا عليه اسم “إضراب الكرامة”، في خطوة وصفوها بأنها الحل الأخير بعد تكرار الوعود الرسمية بتحسين الرواتب وإنصاف المعلم، دون أي تنفيذ فعلي، محملين وزارة التربية مسؤولية تعطّل العملية التعليمية في الشمال السوري.”
وبحسب معلمين تواصلت معهم “نون بوست”، فإن معظم الكوادر التعليمية في إدلب كانوا قد نفذوا إضرابًا مماثلًا في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025، تلقوا خلاله وعودًا شفهية بزيادة الرواتب، إلا أن تلك الوعود بقيت شفهية، وصيغت بعبارات فضفاضة، ما أفقدهم الثقة بالجهات المسؤولة.
ويُعد الإضراب الحالي هو الثاني خلال عام واحد، في وقت لا يزال فيه مصير العام الدراسي ومستقبل آلاف الطلاب مرهونًا بمدى استجابة الجهات المعنية لمطالب المعلمين، وسط تساؤل المعلمين عن ما إذا كان “التعليم أصبح مهمش لهذه الدرجة”.
لا حلول تلوح في الأفق
يقول المعلم محمد زكريا الهر، وهو أحد المشاركين في الإضراب بمدينة إدلب، لـ نون بوست: “دخلنا في إضراب منذ الشهر العاشر 2025 لعدة أسباب، في مقدمتها الأوضاع الاقتصادية الصعبة، إذ يعيش المعلمون ظروفًا مادية قاسية تجعل من الاستمرار في التعليم أمرًا شبه مستحيل، ومعظم المدرسين باتوا عاجزين عن تغطية احتياجاتهم الأساسية، إذ لا يتجاوز راتب المعلم 150 دولار، بينما تكاليف الإيجار والمعيشة تضاعفت خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما أن معظم المعلمين لا يزالون نازحين ويقيمون في منازل مستأجرة”.
يعمل محمد زكريا في مطعم إلى جانب وظيفته كمدرس، ويقول لـ”نون بوست”، إن هذا الواقع أجبر العديد من المعلمين على العمل في مهنتين أو أكثر، بعد الدوام أو في العطل الأسبوعية لتأمين لقمة العيش ما يعني العودة إلى المنزل في ساعات متأخرة، وانعكاس ذلك سلبًا على تحضير الدروس وجودة العملية التعليمية، وما ينتج عنه من نقص في إبداع المعلم بتحضير الدروس والإعطاء.
ويشير إلى أن ملف دمج تربية إدلب بوزارة التربية في دمشق زاد من تعقيد المشهد، فزيادة الرواتب أو صدور أي قرار رسمي، تستثنى منه تربية إدلب، فهي لم تدمج حتى الآن مع تربية دمشق أي غير معترف بها رسميًا، ويعمل المعلمون بنظام العقود دون تثبيت وظيفي.
ويقدّر عدد المعلمين العاملين في هذا الإطار بنحو 25 ألف معلم، ما يجعلهم في حالة عدم استقرار وظيفي مستمر، بحسب المعلم محمد زكريا.
وأوضح أنه خلال الإضراب الماضي، عُقد اجتماع في المركز الثقافي بمدينة إدلب، ضمّ نقابة المعلمين وتربية إدلب وعددًا من المسؤولين، وجرى خلال الاجتماع تقديم وعود بإنهاء ملف الدمج مع تربية دمشق، وأن سلّم الرواتب بات على طاولة الرئيس بانتظار التوقيع وإصدار المرسوم، وبالنسبة للرواتب ستكون 280 دولارًا لخريجي المعاهد، و300 دولار لخريجي الجامعات، مع التأكيد أنه في حال تأخر التنفيذ فسيتم الإعلان عنه في ذكرى التحرير “كالحلوان”.
“لكن بعد مرور شهرين على ذكرى التحرير، لم نرَ أي تنفيذ أو خطوات ملموسة على أرض الواقع”.
ويقول محمد زكريا إنهم تفاجؤوا منذ فترة، بإبلاغهم ببدء مرحلة الدمج مع تربية دمشق، وطلب من كل معلم إحضار إضبارة تتضمن: وثيقة “لا حكم عليه، وصورًا شخصية، ودفتر صحة، إضافة إلى أوراق أخرى مطلوبة”.
ويرى محمد زكريا، أنه إذا ما قورنت مدة تجهيز الإضبارة بأعداد المعلمين، التي تُقدّر بنحو 25 ألف معلم تقريبًا، فإن المدة المتوقعة لإنجاز دمج الوزارتين لن تقل عن سنة أو أكثر، إذ إن تجهيز الإضبارة الواحدة يتطلب ما يقارب أسبوعًا كاملًا، بسبب الحاجة إلى التنقل والسفر لمسافات طويلة لتحصيل بعض الأوراق، مثل طلب الختم الحي للشهادة الجامعية، فخريجو جامعة دمشق مثلًا مضطرون للذهاب إلى الجامعة نفسها للحصول على الختم الحي، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية الجامعات، ثم هناك أيضًا لا حكم عليه من الجنائية، أي أن أمامه طوابير طويلة ومرهقة لتحصيل الأوراق.

وأكد أن الحلول المؤقتة أو الوعود الشفهية لم تعد مجدية، وأن “المعلم لا يمكنه أن يؤدي رسالته التربوية وهو منشغل بكيفية تأمين طعام أطفاله، أو دفع إيجار منزله المتأخر، وإهمال المعلمين اليوم يعني خسارة جيل كامل غدًا، وأنه بسبب الوعود التي لم تُنفذ بعد، اتخذوا قرار بأن يكون هذا الإضراب مفتوحًا، “ولن نقبل بأي وعود جديدة ما لم يصدر مرسوم رئاسي يحدد الزيادة ويتم صرفها مباشرة”.
ويشير محمد زكريا، إلى أن مديرية التربية، ومعاونيها، ومشرفي المجمعات، والموجهين، والاختصاصيين، والإداريين، “كشروا عن أنيابهم”، وهو ما يزيد الوضع سوءا وتعقيدًا.
وبدلًا من تزويد المعلمين بمواعيد واضحة لتحسين الرواتب أو إصدار قرارات رسمية تنفذ الوعود السابقة، يجد المعلمون أنفسهم اليوم أمام تهديدات باحتساب أيام الإضراب كغياب عن الدوام الرسمي، وتحذيرات بإجراءات إدارية في حال تجاوز الإضراب ثلاثة أيام، إضافة إلى تهديدات بالفصل واستبدالهم.
ويروي المعلم ما حدث في مدرسة إحسان مبيض بمدينة إدلب، حيث جرى تهديد المعلمات بإحضار مدرسات بديلات، بدل المعلمات الذين شاركوا بالإضراب، كما صدرت تكاليف رسمية بالتعيين واستبدال الكوادر، رغم أن القانون لا يجيز استبدال أي معلم قبل مرور 16 يومًا من الغياب المتواصل، ليُعدّ بعدها مستقيلًا، إلا أنهم أصدروا قرار الاستبدال من اليوم الثاني فقط.
ويختم بالقول: “نحن خرجنا للمطالبة بكرامتنا، فتأتي هذه الإجراءات بالتهديد والوعيد والانتقاص من كرامة المعلم، لكن المعلم لن يخاف، واليوم، إذا اضطر الأمر فإن الجميع مستعد لتقديم استقالته وترك التعليم، وذلك ليس تكرهًا بالتعليم، فموضوع الإضراب يحز في قلوبنا لأن حياتنا مرهونة في التعليم وفي الرسالة التي نقدمها لكن الإضراب فرض علينا ولم يكن اختيار”.
وبحسب من تواصلت معهم “نون بوست”، يعدّ تحسين الرواتب المطلب الأبرز للمعلمين في الشمال السوري، الذين يتقاضون راتبًا بحدود 150 دولارًا أمريكيًا إذا كان المعلم خريج جامعة، و130 دولارًا لخريجي المعاهد، وتعتبر هذه الرواتب غير كافية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
من جهتها تقول المعلمة رؤى لـ”نون بوست”، وهي معلمة للمرحلة الابتدائية في مدرسة بشير حلي بمدينة جسر الشغور بريف إدلب، إن الإضراب لم يكن خيارًا سهلًا، بل جاء بعد استنفاد جميع المحاولات وتكرار الوعود لتحسين واقع التعليم وواقع المعلم لكن دون نتائج.
وأوضحت أن المعلمين يطالبون منذ أكثر من عام بإصلاح العملية التربوية، بما يشمل توفير الكتب المدرسية ووسائل التدفئة، إضافة إلى زيادة الرواتب.
وتابعت: “قدمنا شكاوى كثيرة وشاركنا في وقفات احتجاجية عدة، لكن مطالبنا لم تلقَ أي استجابة، ما دفعنا للجوء إلى الإضراب”.
وتشير إلى أن المعلمين يواجهون ظروف عمل قاسية، من ضعف الإمكانات التعليمية إلى اكتظاظ الصفوف، وغيرها من الصعوبات، “ومع ذلك لا نجد تقديرًا لجهودنا، كما تحملنا الأعباء لفترات طويلة في محاولة للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية إلا أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية دفعنا في النهاية إلى التوقف عن العمل، الأمر ليس سهلًا لا على المعلمين ولا على الأسر التي تدرك حجم الخسارة التي يخلّفها توقف التعليم، لكنه ضرورة لإيصال صوتنا إلى الجهات المعنية، وللمطالبة بالحقوق والكرامة، وللتعبير عن تردي الواقع التعليمي وسوء الأوضاع المعيشية في ظل الغلاء المتزايد وتدني الأجور، ولإيصال رسالة واضحة إلى وزارة التربية والحكومة بوجود تقصير متعمد ينعكس سلبًا على العملية التعليمية، ويمس حقوق المعلم ويهمش دوره.”
وتقول رؤى إن راتب المعلم لا يكفي لإيجار بيته في ظل هذا الغلاء، وأن الظروف المعيشية الصعبة تدفع بعض المعلمين أحيانًا إلى الاقتراض لتأمين تكاليف النقل والطعام، واختتمت بالقول” إن التعليم رسالة، لكنه في الوقت ذاته مهنة تحتاج إلى تقدير مادي واستقرار وظيفي يضمن الاستمرار”.
تضامن مع المعلمين
وجه محافظ حلب، عزام غريب، رسالة إلى المعلمين أشاد فيها بصبرهم الطويل وجهودهم المتواصلة، مؤكدًا أن سنوات العمل والمكابدة والثبات رغم قلة الإمكانيات تستحق التقدير.
وأوضح غريب أن المحافظة قامت بدورها في إيصال أصوات المعلمين إلى الجهات المعنية، سواء على مستوى وزارة التربية أو الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وأن جميع المطالب تُتابع بدقة وتُعتبر مطالب مشروعة.
وأشار إلى أن مسيرة التعليم تُعد أمرًا مقدسًا وأساسيًا في سياسات الدولة، وأن التحديات والصعوبات وقلة الإمكانيات تشكل عوائق قائمة.
ومع ذلك، شدد المحافظ على أن الدولة ستسعى لتلبية المطالب خلال هذا الشهر، داعيًا إلى استمرار العملية التعليمية وعدم توقفها، ومشيرًا إلى أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من أي تعطل، لا سيما في ظل ما لحق بهم خلال السنوات الماضية من أضرار ومعوقات.
إضراب واسع للمعلمين شمال سوريا
الدوام متوقف في عشرات المدارس بسبب احتجاجات على تدنّي الرواتب وتأخّر المستحقات. مطالب المعلمين تتركز على رفع الأجور وتثبيت العقود، وسط غياب أي رد رسمي حتى الآن، فيما يبقى الطلاب خارج الصفوف بانتظار حل. pic.twitter.com/0j4OjBVdvl— نون سوريا (@NoonPostSY) February 3, 2026
وفي 3 من شباط، أصدرت نقابة المعلمين في سوريا بيانًا أعلنت فيه تبنيها الكامل لمطالب المعلمين، ووصفتها بالمحقة، ولا سيما ما يتعلق بتحسين الأوضاع المعيشية والتربوية والاجتماعية للمعلم.
وأكدت النقابة أنها صرحت في أكثر من مناسبة بتبني مطالب المعلمين ودعمها، مشيرة إلى أنها تواصل العمل مع المعلمين لتحقيق هذه المطالب.
وذكرت النقابة أنها، منذ اليوم الأول للإضراب، بدأت بالتواصل مع وزارة التربية والتعليم ومديرياتها والجهات المعنية، مطالبة بوضع جدول زمني واضح لتنفيذ الوعود التي قُدمت سابقًا للنقابة والمعلمين.
وأعربت عن رفضها القاطع لأي تهديدات أو إجراءات عقابية قد تطال المعلمين على خلفية مطالبتهم بحقوقهم، مؤكدة أن هذه المطالب لا تشكّل بأي حال من الأحوال موقفًا سلبيًا أو عدائيًا تجاه الدولة السورية.
وشدد البيان على أن وقوف النقابة إلى جانب المعلمين هو مكانها الطبيعي، وأن الدفاع عن حقوقهم وبذل الجهد في إيصال صوتهم إلى الجهات صاحبة القرار هو واجب مهني لا يمكن التنازل عنه.
كما أكدت النقابة استمرارها في المتابعة والمطالبة على مختلف المستويات إلى حين تحقيق مطالب المعلمين، وتأمين حياة كريمة تليق بدورهم ورسالتهم التربوية.
وفق إحصاءات تداولها المعلمون عبر مجموعات “الواتساب”، وصل عدد المدارس المشاركة حتى 5 فبراير/شباط 2026 إلى نحو 1360 مدرسة.
وبحسب المعلم محمد زكريا الهر، تجاوز عدد المعلمين المتأثرين 20 ألف معلم، في حين يُقدّر عدد الطلاب المتضررين بأكثر من 600 ألف طالب، دون صدور أي تعليق رسمي حكومي حتى الآن.