ترجمة وتحرير: نون بوست
في عام 2018، وصف ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جمهورية إيران الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات الجهادية (مثل القاعدة وتنظيم الدولة) بأنها محور الشر، في ذلك الوقت، كانت السعودية تخوض حربًا بالوكالة ضد إيران في اليمن، ولا تربطها علاقات دبلوماسية بقطر، وكانت منخرطة بشكل غير رسمي في مقاطعة اقتصادية لتركيا بدعوى دعمها للجماعات الإسلامية.
بعد خمس سنوات، أعلنت السعودية انسحابًا أحاديًا من اليمن، وأعادت تطبيع العلاقات مع إيران، وساهمت في التوسط لوقف إطلاق النار في السودان عبر دعم الجيش المتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين هناك. وبعد عام واحد، دعمت الرياض القيادة الجديدة لأحمد الشرع في سوريا، رغم خلفيته كزعيم هيئة تحرير الشام، وهي جماعة جهادية منشقة عن القاعدة.
وفي الوقت نفسه، يتسع الفجوة بين الرياض وبين التكتل الذي تقوده الإمارات وإسرائيل. ويتجاوز ذلك حرب إسرائيل على غزة، إذ يظهر أيضًا في التصعيد الأخير باليمن، حيث دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي في تحركاته نحو منطقة حضرموت، وكذلك في اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة عن الصومال، الحليف السعودي.
ومع ذلك، لا يمكن تفسير هذه الأحداث باعتبارها تحولاً سعوديًا نحو الإسلاموية كما يرى بعض المراقبين، بل ينبغي النظر إليها كدليل على تغير البيئة الإستراتيجية إقليميًا وفي الرياض نفسها. فمنذ عام 2019، حين استهدف هجوم إيراني منشآت معالجة النفط في شرق السعودية وأوقف نصف إنتاجها النفطي، تبنت المملكة سياسة “صفر صراعات” تقوم على الحياد والمصالحة. وهذه السياسة هي التي قادت المملكة، بشكل متناقض ربما، إلى صدامات مع التكتل الإماراتي الإسرائيلي.
مراحل تطور السياسات السعودية الإقليمية
منذ ستينيات القرن الماضي، مرت السياسة الإقليمية السعودية بثلاث مراحل رئيسية:
ففي أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، تطورت هذه السياسة لتملأ الفراغ الذي تركه البريطانيون بعد انسحابهم من محمياتهم شرق السويس عام 1968، وكانت تقوم أساساً على إدارة التهديدات؛ فترتيبات الأمن التي كانت تتولاها بريطانيا باتت بحاجة إلى إشراف محلي. وقبل عام 1968، كانت أبرز مخاوف السعودية هي مصر في عهد جمال عبد الناصر، وإسرائيل، والحرب الأهلية في شمال اليمن بين الملكيين والجمهوريين. وما إن غادر البريطانيون حتى ظهرت تهديدات جديدة، إذ تنافست إيران والعراق على الهيمنة في الخليج، وأصبح جنوب شبه الجزيرة مصدرًا لعدم الاستقرار، بدءًا من التحول الماركسي في جنوب اليمن وصولاً إلى تمرد ظفار في عُمان ضد النفوذ البريطاني. وكانت الرياض تخشى أن ينهار النظام السياسي على حدودها دون إنذار مسبق.
ولمواجهة هذه التحديات، وضعت السعودية سياسة إقليمية استمرت حتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وحينها بدأت المرحلة الثانية، هذه السياسة لم تنشأ كخطة طويلة الأمد مدروسة، بل كانت استجابة مخصصة لسلسة من الأحداث الحرجة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.
وقد اتسمت سياسة تلك الحقبة بأربعة أبعاد:
أولها يتعلق بالسياسة العربية، بما في ذلك الوضع المتقلب مع إسرائيل. ففي قمة الخرطوم عام 1967، الشهيرة بـ”اللاءات الثلاث” تجاه إسرائيل – “لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض” – توصل الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس عبد الناصر إلى تسوية أنهت صراعهما غير المباشر في اليمن. كما اتفقا على تقديم مساعدات مالية سنوية من السعودية والكويت وليبيا لمصر، لتمكينها من إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد حرب 1967 مع إسرائيل.
وتغير الوضع بعد وفاة عبد الناصر وصعود أنور السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا، حيث تشكل مثلث سعودي ومصري وسوري. هذا “المثلث المحافظ”، بشكل عام، وقف في مواجهة مجموعة من الدول العربية “الراديكالية”، منها ليبيا في عهد معمر القذافي، والعراق في عهد الحزب البعثي، والجزائر بقيادة هواري بومدين، وجنوب اليمن، التي تبنت سياسات مناهضة للملكية، وللوحدة العربية، وللعلاقات مع المعسكر الغربي وإسرائيل. وخلال السبعينيات، كان هذا المثلث هو من يحدد أجندة العرب في قضايا تتراوح بين حرب 1973 وسياسات النفط والتنسيق بشأن الحرب الأهلية اللبنانية.
غير أنه بعد توقيع مصر اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، والثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بالشاه، ضعفت العلاقات التي كانت تدعم هذا النفوذ المحافظ. فقد نظم العراق بقيادة صدام حسين مقاطعة عربية لمصر بسبب توقيعها الاتفاقيات، وانضمت السعودية إليها. وخلال الحرب العراقية والإيرانية، اصطفّت سوريا إلى جانب إيران، بينما دعمت السعودية العراق. ومع ذلك، في التسعينيات، مكّن غزو العراق للكويت، إلى جانب انهيار داعمه الأكبر الاتحاد السوفيتي، المثلث من استعادة قوته. فأُعيد دمج مصر، وأكدت سوريا هيمنتها على لبنان، كما ضعفت الدول العربية الراديكالية الأخرى: فليبيا تعرضت للعقوبات، والجزائر انشغلت بحرب أهلية.
وارتبط البُعد الثاني من السياسة الإقليمية السعودية بـ علاقتها مع الولايات المتحدة؛ فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أوائل السبعينيات، كان هذا الارتباط قائمًا على النفط. وقد كانت شركة أرامكو، الكيان النفطي الأمريكي، تتمتع بنفوذ كبير في واشنطن، بينما اعتمدت الولايات المتحدة على النفط السعودي لتمويل خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب. ولحماية استثماراتها الحيوية في النفط من السعودية، والتي كانت دولة حديثة التأسيس قليلة البنية التحتية آنذاك، قدمت واشنطن مساعدات اقتصادية وتقنية وعسكرية وتعليمية.
وحتى حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 والحظر الذي فرضته الدول العربية الأعضاء في منظمة الأوبك على الدول التي زودت الجيش الإسرائيلي، كانت الولايات المتحدة تعتمد على دول غير عربية لتنسيق سياساتها وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، مثل بريطانيا في الخليج، وإيران في عهد الشاه، وإسرائيل بدرجة أقل. أما بالنسبة للسعودية، فقد كانت الخلافات الإقليمية حول القضية الفلسطينية، التي أشعلت ثلاث حروب إقليمية خلال تلك الفترة، مصدرًا دائمًا للتوتر.
ولقد أدى الحظر النفطي السعودي عام 1973، في سياق الحرب العربية الإسرائيلية، إلى مواجهة الطرفين حقيقة أن النفط والسياسة الإقليمية لا يمكن فصلهما؛ فقد ارتفعت الأسعار بشكل حاد، وتعرض الاقتصاد الأمريكي لضربة كبيرة جعلت من المستحيل الاستمرار في التعامل مع العلاقة مع السعودية كترتيب تقني هادئ. ومنذ السبعينيات، لم تعد العلاقة السعودية والأمريكية مجرد علاقة تبادلية تقوم على المال مقابل النفط، بل تطورت تدريجيًا إلى علاقة إستراتيجية قائمة على حماية المصالح المشتركة.
وكان أحد جوانب ذلك هو تعزيز الروابط الاقتصادية والترابط المتبادل؛ فقد تم تشجيع السعودية على استيراد السلع والخدمات الأمريكية واستثمار فوائضها النفطية الضخمة في الولايات المتحدة. وكان هذا هدف المحادثات الأولى التي جرت في مارس/ آذار 1974 بين هنري كيسنجر والأمير فهد، نائب رئيس الوزراء آنذاك، والتي مهدت لزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى السعودية في يوليو/ تموز 1974؛ وهي أول زيارة لرئيس أمريكي أثناء توليه المنصب. ونتيجة لهذا الترتيب، جرى استقدام مئات الخبراء الأمريكيين إلى السعودية لمساعدة الوزراء وصناع القرار في إدارة التنمية والتحديث، وتسهيل التعاون بين القطاع الخاص الأمريكي والحكومة السعودية. كما شملت النتائج إعادة تدوير أموال النفط السعودية في السندات والأسواق الأمريكية، مما ساهم في استقرار الدولار وتمويل العجز الأمريكي، إضافة إلى زيادة صفقات الأسلحة.
وكان الجانب الآخر من العلاقة يتعلق بتنسيق السياسات الإقليمية؛ فعندما تولى نيكسون الرئاسة عام 1969، واصل سياسة قائمة على عدم استبدال الهيمنة البريطانية في الخليج، لكنه أعاد صياغتها ضمن إستراتيجية الحرب الباردة الجديدة. فبدلاً من الانخراط المباشر والمكلف في مناطق متعددة، ستدعم الولايات المتحدة القوى الإقليمية الحليفة. وكلف نيكسون مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر – الذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية – بترجمة هذه الرؤية إلى سياسة في المنطقة. وفي عام 1970، وُلدت سياسة “الركيزتين”، التي رأت في إيران القوة الأساسية للاستقرار، مع دعم التعاون السعودي والإيراني، وإقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الخليجية المستقلة حديثًا بعد الانسحاب البريطاني، إلى جانب تقديم مساعدات تعليمية وتقنية.
واستمرت هذه السياسة حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، ما دفع الرئيس جيمي كارتر إلى تبني سياسة التدخل المباشر في الخليج. وقد أدى ذلك إلى زيادة التنسيق السعودي والأمريكي في عهد الرئيس رونالد ريغان، حيث دعم البلدان العراق في حربه ضد إيران، ونسقا التمويل والتسليح للمقاتلين الأفغان ضد السوفييت.
وبعد غزو العراق للكويت عام 1990، أصبح هذا البُعد الأمني أكثر مباشرة ومؤسسية، حيث أصبحت القوات والمنشآت الأمريكية جزءًا دائمًا من المشهد في الخليج.
وكان البُعد الثالث من السياسة الإقليمية السعودية تمثل في موازنة العلاقة بين إيران والعراق بطريقة تمنع أيًا منهما من تحقيق الهيمنة على الخليج. ومع اتضاح أن الولايات المتحدة لن تملأ الفراغ الذي خلفه الانسحاب البريطاني، نشأ نظام متعدد الأقطاب في الخليج كانت إيران والعراق أبرز منافسيه. أما السعودية، التي كانت الأضعف عسكريًا والأصغر ديموغرافيًا بين الثلاثة، فقد لعبت دورًا أكثر محدودية. وإدراكًا لهذه القيود التي حالت دون أي محاولة سعودية للهيمنة الإقليمية، اقتصرت سياسة الرياض على هدف أكثر تواضعًا: منع العراق أو إيران من احتكار المنطقة. وحتى سقوط الشاه عام 1979، كانت المملكة أقرب إلى إيران، الحليف الرئيس لواشنطن في الخليج. ثم مالت نحو العراق في الثمانينيات لكبح إيران، قبل أن تعيد ضبط سياستها مجددًا بعد تغير موازين القوى عام 1990.
أما البُعد الأخير للسياسة الإقليمية السعودية قبل الغزو الأمريكي للعراق، فكان سعيها المستمر لترسيخ الهيمنة على شبه الجزيرة العربية. وهذا يعني منع أي منافس خارجي من إيجاد موطئ قدم، وضمان ألا تتمكن أي دولة شبه جزيرية أخرى من تهديد النفوذ السعودي.
وفي شرق شبه الجزيرة، تجلى ذلك من خلال دعم السعودية لاستقلال الدول التي أصبحت لاحقًا الإمارات والبحرين وقطر وعُمان. وفي هذا السياق، عارضت المملكة محاولة الشاه مد نفوذ إيران إلى البحرين، كما دفعت باتجاه اتحاد فيدرالي يضم الإمارات التسع، بما فيها قطر والبحرين، في دولة واحدة. وكان الملك فيصل يخشى من تكرار تجربة اتحاد السلطنات في جنوب الجزيرة الذي انتهى بقيام دولة شيوعية، لكنه كان أيضًا حريصًا على إدماج قطر والبحرين في الاتحاد للحد من نفوذ أبوظبي، بالنظر إلى النزاع الحدودي الطويل بين السعودية وأبوظبي حول واحة البريمي.
ولكن الأحداث سارت في اتجاه مختلف. ففي النصف الثاني من عام 1971، أعلنت البحرين وقطر استقلالهما، بينما شكلت ست إمارات بقيادة دبي وأبوظبي دولة الإمارات، وانضمت إليها لاحقًا رأس الخيمة. ولم تعترف السعودية بالإمارات حتى سُوي نزاعها الحدودي مع أبوظبي عام 1974. وفي عام 1981، وبعد سقوط الشاه واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، تقاربت السعودية والإمارات إلى جانب البحرين وقطر وعُمان والكويت حين أسسوا معًا مجلس التعاون الخليجي.
غير أن غزو العراق للكويت أضعف المجلس وأثر على نفوذ السعودية داخله. فعلى الرغم من نجاح المجلس في حماية أعضائه من تداعيات الحرب العراقية الإيرانية، فإن فشله في منع أو إنهاء احتلال العراق للكويت دفع الدول الأعضاء إلى الدخول في ترتيبات أمنية وعسكرية منفردة مع الولايات المتحدة.
وقد أتاح ذلك المجال لدول خليجية أخرى لتبني سياسات خارجية أكثر استقلالية، وأحيانًا متعارضة مع السعودية. ففي قطر، وبعد “انقلاب القصر الأبيض” عام 1995، رسم الأمير حمد بن خليفة مسارًا جديدًا لبلاده يقوم على القوة الناعمة، من خلال قناة الجزيرة من جهة، وبناء شبكة واسعة من العلاقات التي مكنتها من لعب دور الوسيط في النزاعات الإقليمية والدولية من جهة أخرى.
وعلى النقيض من ذلك، طورت الإمارات العربية المتحدة مسارها المستقل بشكل أكثر تدريجياً، بسبب هيكلها الفيدرالي. وأدى تعيين محمد بن زايد رئيساً لأركان القوات المسلحة في عام 1993 إلى تحول تدريجي نحو الاستثمار في القوة الصلبة والقدرات العسكرية لتعزيز سياسة خارجية مستقلة. وفي غضون ذلك، دفعت ثروة دبي النفطية المحدودة إلى وضع نفسها كمركز لرأس المال والسياحة والتجارة.
وفي اليمن، تم بناء النفوذ السعودي من خلال النفوذ الاقتصادي والمحسوبية أكثر من التحالفات الرسميةژ فقد ارتفع عدد العمال اليمنيين في السعودية بشكل كبير، وأصبحت تحويلاتهم ركنًا أساسيًا في الاقتصاد اليمني، لدرجة أن القرارات السعودية كانت تُترجم إلى صدمات اقتصادية فورية عبر الحدود. كما نسجت الرياض علاقات داخل اليمن عبر الرواتب والصلات مع زعماء قبليين وسياسيين، مما أدى إلى خلق هيكل من التبعية كان موجودًا جنبًا إلى جنب مع الدولة الرسمية.
وعندما انحرفت السياسة اليمنية عن التوجهات السعودية عام 1990، كان الأثر الدبلوماسي والاقتصادي كبيرًا. فعندما رفض رئيس اليمن الموحد حديثاً، علي عبد الله صالح، إدانة غزو العراق للكويت، ردت السعودية بإلغاء دخول اليمنيين من دون تأشيرة الذي كان معمولاً به منذ عام 1934، ورحّلت نحو 800 ألف يمني دفعة واحدة. وقد جعل هذا النفط – الذي اكتُشف في مناطق الجنوب منتصف الثمانينيات وكان تحت سيطرة صالح وحلفائه – المصدر الرئيس لإيرادات الحكومة الجديدة.
وبالإضافة إلى سوء إدارة دمج البيروقراطيتين الحكوميتين السابقتين، تصاعدت التوترات بين النخب الشمالية والجنوبية، مما دفع الجنوبيين إلى المطالبة بانتخابات. لكن الانتخابات فشلت في رأب الصدع، وانزلقت البلاد تدريجياً نحو الحرب الأهلية بعد إعلان قيادة الحزب الاشتراكي الانفصال عام 1994. ورغم أن الحرب لم تدم سوى 70 يوماً وانتهت بانتصار صالح، فإنها سرّعت من تدهور اليمن بطرق غذّت لاحقاً ظهور فاعلين مسلحين جدد على حدود السعودية.
وانهارت هذه السياسة الإقليمية السعودية بعد غزو الولايات المتحدة للعراق في عام 2003. فقد جعلت حرب العراق الدور الأمريكي في المنطقة يتجاوز الحفاظ على الوضع القائم، وهو ما كانت السعودية من أبرز المستفيدين منه. وأشارت لغة “الحرية” و”الديمقراطية” إلى اختلافات جوهرية حول كيفية ضمان نظام إقليمي مستدام. وقال الرئيس جورج بوش في خطاب له في نوفمبر/ تشرين الثاني 2003: “ستون عاماً من تبرير الغرب لغياب الحرية في الشرق الأوسط لم تجعلنا أكثر أمناً، لأن الاستقرار لا يمكن شراؤه على حساب الحرية”.
وكان ذلك بداية انفصال تدريجي وواضح بين صناع القرار في السعودية والولايات المتحدة بشأن أفضل السبل للحفاظ على مصالحهما المشتركة، وقد تفاقم بسبب سوء إدارة واشنطن للعراق بعد صدام. كما زادت الحرب من العداء الشعبي تجاه وجود القوات الأمريكية في السعودية، ما دفع الولايات المتحدة إلى نقل قاعدتها العسكرية من الرياض إلى قاعدة العديد في قطر.
وبالإضافة إلى تعقيد الشراكة السعودية الأميركية، حوّلت الحرب العراق من قوة توازن إقليمية إلى ساحة منافسة متجددة بين السعودية وإيران، وكانت إيران في البداية خائفة من أن تصبح أميركا جارتها الجديدة في أفغانستان والعراق، وكانت هناك محاولة قصيرة للتوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة لكنها باءت بالفشل.
لكن لم يمر وقت طويل حتى تبنّت إيران موقفًا هجوميًا في عدة مجالات؛ فقد نجحت بعد عام 2005 في فرض هيمنتها في العراق ودعمت المتمردين ضد الولايات المتحدة هناك، وتحولت علاقة إيران مع سوريا من الشراكة نحو الهيمنة المتزايدة، خاصة في السنوات التي تلت انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى ابنه بشار عام 2000، كما تعزز النفوذ الإيراني في لبنان بعد تراجع النفوذ السعودي والسوري، وتسارع ذلك باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005 وما تبعه من طرد سوريا من لبنان، وعندما لم تتمكن السعودية من إيجاد بديل فعّال للحريري، بدأ الفراغ السياسي يُملأ تدريجيًا من قبل حليف إيران حزب الله.
وأخيرًا، ساهمت الحرب في العراق بشكل غير مباشر في تقليص الهيمنة السعودية في شبه الجزيرة العربية، وأدت إلى تحول قطر إلى لاعب إقليمي مهم له أولويات مستقلة: إذ حلّت قطر محل السعودية كمقر لمركز العمليات الجوية المشتركة الأميركي؛ كما سمحت تغطية قناة الجزيرة لحرب العراق والانتفاضة الثانية لها بالهيمنة على المشهد الإعلامي العربي؛ ولعبت دورًا رئيسيًا في التوسط لاتفاقيات، مثل الاتفاق بين الفصائل اللبنانية عام 2008 الذي نجح في إنهاء اعتصام دام 18 شهرًا قادته المعارضة بقيادة حزب الله.
وأدى التراجع المستمر في قدرة الدولة اليمنية إلى نشوء تحديات مختلفة زادت من تآكل الترتيبات السعودية الهشة لاحتواء جارتها الجنوبي، وكان أحد هذه التحديات حركة الحوثيين الزيدية الإسلامية، التي سيطرت على صعدة في شمال البلاد وخاضت ست حروب ضد نظام صالح بين عامي 2004 و2010. أما التحدي الآخر فكان حركة “الحراك” الانفصالية الجنوبية، وأخيرًا، عندما هُزم فرع القاعدة في شبه الجزيرة العربية داخل السعودية، انتقل العديد من أعضائه الباقين إلى اليمن مستفيدين من ضعف مؤسساتها. وتزامن صعود هذه التهديدات مع تفكك شبكات الرعاية السعودية داخل اليمن بعد وفاة الزعيم القبلي القوي عبد الله الأحمر عام 2007 وتدهور صحة ولي العهد الأمير سلطان، الذي كان مسؤولًا عن الشبكة.
وبدأت الحكومة السعودية أمام هذه التطورات تتبنى تدريجيًا سياسة إقليمية أكثر حزمًا وتدخلًا، وظهر أول مؤشر على هذه السياسة الجديدة في قمة الرياض العربية عام 2007، عندما أعلن الملك عبد الله أن الوجود العسكري الأميركي في العراق “احتلال غير شرعي” ودعا إلى “بداية جديدة” عربية، وتصاعدت هذه السياسة بين عامي 2007 و2019 مع اتساع نطاق المنافسة الإقليمية، مدفوعة بالثورات والحروب الأهلية المتتابعة، وتوسع النفوذ الإيراني، وصعود محور تركيا وقطر، وانتشار الجماعات الجهادية، وتزايد مركزية صنع القرار الداخلي.
نهج التدخل
وتجلّى تصاعد التدخلية السعودية في ثلاث مراحل:
في المرحلة الأولى (2007-2011)، كانت المنافسة لا تزال محصورة في عدد قليل من الساحات، واستثمرت الرياض بكثافة في الفصائل المناهضة لإيران. ففي العراق ولبنان، دعمت السعودية تحالف 14 آذار المناهض لحزب الله في انتخابات لبنان عام 2009، وائتلاف “العراقية” بقيادة رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي في انتخابات العراق عام 2010. وفاز كلا التحالفين في هذه الانتخابات، لكن خصومهما نجحوا في تقويض انتصاراتهما. ففي العراق، أعادت المحكمة العليا تفسير الدستور للسماح للائتلافين الثاني والثالث بالاندماج بعد الانتخابات ليصبحا الفائزين، وأدت الاستقالات وفي لبنان إلى انهيار حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في يناير/ كانون الثاني 2011 ومهّدت الطريق لظهور حكومة يهيمن عليها حزب الله.
وفي المرحلة الثانية (2011-2015)، أصبحت السياسة السعودية أكثر حزمًا وتدخلًا نتيجة الثورات العربية؛ فقد حوّلت هذه الثورات فاعلين إقليميين مثل سوريا ومصر وليبيا والبحرين إلى ساحات منافسة إقليمية، كما أدت إلى نشوء محور جديد يضم تركيا وقطر وجماعة الإخوان المسلمين سرعان ما تحدّى كلاً من السعودية وإيران معًا على النفوذ الإقليمي. وأخيرًا، عمّق تعامل الرئيس باراك أوباما مع هذه الانتفاضات، إلى جانب سعيه لإبرام الاتفاق النووي مع إيران، الشرخ مع السعودية بشأن الأولويات الإقليمية؛ ورغم رفض أوباما للتدخلية المحافظة الجديدة التي مارستها إدارة بوش، إلا أنه بدا أقل التزامًا بحماية حلفاء أميركا الإقليميين ومصالحهم الأساسية، وكان ذلك واضحًا للغاية في دعمه لاستقالة الرئيس المصري حسني مبارك أمام الاحتجاجات وإصراره على إبرام صفقة دبلوماسية بشأن برنامج إيران النووي.
وأمام هذه التهديدات، تحالفت الرياض مع الإمارات التي أصبحت أكثر تدخلية ومعاداة للإسلاميين لمواجهة خصومها الإقليميين، وبعد وفاة الشيخ زايد آل نهيان عام 2004، أصبح ابنه خليفة أميرًا لأبو ظبي ورئيسًا للإمارات، وأصبح ابنه الآخر محمد وليًا عهد أبو ظبي، واستمر محمد في تركيز السلطة العسكرية وغيرها من جوانب السلطة في يديه، وعندما أثّرت الأزمة المالية العالمية 2008-2009 بشدة على دبي، قدّمت أبوظبي خطة إنقاذ بقيمة 10 مليارات دولار، وهي خطوة كرّست فعليًا هيمنتها على الحكومة الاتحادية للإمارات، وعندما مكّنت الانتفاضات العربية الحركات الإسلامية المتحالفة مع قطر وتركيا، جعلت الإمارات من مهمتها قيادة حملة إقليمية ضد الإسلام السياسي.
وكان رد السعودية على الربيع العربي أقل أيديولوجية من النهج الإماراتي؛ فقد تدخلت عسكريًا لدعم الحكومة البحرينية، وتوسطت في اليمن في اتفاق للانتقال السلمي مقابل حصانة كاملة للنظام القديم، أما خارج شبه الجزيرة العربية، فقد كانت السياسة السعودية أقل تدخلية لكنها ظلت حازمة؛ حيث دعمت في 2013 انقلابًا عسكريًا ضد الرئيس المصري المنتخب ديمقراطيًا محمد مرسي، وساندت فصائل مختلفة من المعارضة السورية ضد نظام الأسد، وأيّدت قرار مجلس الأمن 1973 الذي شكّل أساس تدخل الناتو في ليبيا.
وشهدت المرحلة الثالثة (2015-2019) الشكل الأكثر تطرفًا من التدخلية السعودية؛ حيث تضمنت مواجهة مباشرة مع كل من المحور الإيراني ومحور تركيا وقطر، وتزامن ذلك مع وفاة الملك عبد الله وصعود ولي العهد محمد، الذي ركّز السلطة في يديه. وتوسّع المحور السعودي الإماراتي خلال هذه الفترة ليشمل مصر بقيادة عبد الفتاح السيسي.
وفي مارس/ أذار 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا عربيًا ردًا على انقلاب الحوثيين في اليمن، ومنذ عام 2014، دعمت الإمارات ومصر (حلفاء السعودية) خليفة حفتر في الحرب الأهلية الليبية الثانية ضد حكومة الوفاق الوطني المدعومة من محور تركيا وقطر، وفي يناير/ كانون الثاني 2016، قطعت السعودية جميع العلاقات الدبلوماسية مع إيران إثر حادثة عنف جماعي في سفارتها بطهران، وفي يونيو/ حزيران 2017، أعلنت بمشاركة الإمارات ومصر والبحرين قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع قطر. وفي 2018، وخاصة بعد مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، أُطلقت حملة مقاطعة اقتصادية “شعبية” برعاية الحكومة السعودية ضد تركيا.
وعندما انتُخب دونالد ترامب، رأت السعودية في البداية أن سياسته تجاه المنطقة أكثر توافقًا مع مصالحها من سياسة أوباما؛ فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمه سلفه مع إيران. وبينما أعادت إدارة أوباما 400 مليون دولار من الأموال المجمدة إلى إيران ودفعَت 1.3 مليار دولار كفوائد، أطلق ترامب حملته “الضغط الأقصى” التي تضمنت زيادة العقوبات الاقتصادية.
وبلغ التدخل السعودي ذروته عندما تعرضت حقول النفط لهجوم في سبتمبر/ أيلول 2019، وكانت هذه الهجمات نقطة تحول لأنها كانت متطورة ودقيقة ورخيصة التنفيذ. في حوالي الساعة 3:30 صباحًا يوم 14 سبتمبر/ أيلول 2019 – قبل تسعة أيام فقط من اليوم الوطني السعودي وخمسة أيام بعد عاشوراء – تم إطلاق نحو 18 طائرة مسيّرة وعدة صواريخ كروز ضد منشأة معالجة النفط في بقيق، وهي الأكبر في العالم، وحقل ومصنع معالجة في خريص. وعطّلت الهجمات أكثر من نصف إنتاج النفط السعودي و5 بالمائة من الإنتاج العالمي بشكل مؤقت، وتسببت في ارتفاع أسعار النفط بنسبة 14 بالمائة؛ وهي أعلى زيادة في يوم واحد منذ عام 2010 على الأقل.
وكشفت هجمات سبتمبر/ أيلول عن هشاشة السعودية وعدم اهتمام الولايات المتحدة بالرد، مما أدى إلى تحول في السياسة الإقليمية السعودية. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة الطائرات المسيّرة المستخدمة في الهجوم تراوحت بين 10000 و15000 دولار لكل واحدة، ولم تستطع أنظمة الدفاع الباهظة الثمن الموجودة كشف أو اعتراض أكثر من 90 بالمائة من الطائرات المسيّرة وصواريخ الكروز التي أُطلقت، وبدا أن المملكة فجأة تفتقر إلى الوسائل اللازمة للدفاع عن نفسها.
وكانت هناك توقعات ودعوات لرد عسكري أميركي؛ فعلى سبيل المثال، قدّم فريدريك دبليو. كاغان، الزميل البارز ومدير مشروع التهديدات الحرجة في معهد أميركان إنتربرايز، حجّة مفادها أن عدم التحرك سينفر حليفًا ويشجع إيران، لكن ترامب اختار ذلك المسار. وقال ترامب للصحافة بعد ستة أيام من الهجمات: “أسهل شيء بالنسبة لي أن أقول: تفضلوا يا رفاق، نفّذوا ذلك. وسيكون ذلك يومًا سيئًا جدًا بالنسبة لإيران”، ثم دافع عن عدم ضرب إيران بحجة أن “الشيء الذي يُظهر القوة هو إظهار قدر ما من ضبط النفس”.
واختار ترامب بدلًا من ذلك تعزيز الدفاعات السعودية؛ ففي 28 سبتمبر/ أيلول، أعلن البنتاغون أن الولايات المتحدة سترسل 200 جندي، وبطارية صواريخ باتريوت، وأربع أنظمة رادار أرضية إلى المملكة. وبعد أسبوعين، قال البنتاغون إنه سيرسل 3000 جندي إضافي، إلى جانب “سربين مقاتلين، وجناح جوي استكشافي، وبطاريتي باتريوت، ونظام “ثاد” للدفاع الجوي عالي الارتفاع”، ولكن عندما بدأت السعودية حرب أسعار النفط في مارس/ أذار 2020 بهدف الضغط على روسيا والمنتجين الأميركيين للنفط الصخري، مما أدى إلى انخفاض السعر إلى أقل من 30 دولارًا، تصاعد الضغط في واشنطن. وفي مايو/ أيار 2020، استدعت الولايات المتحدة 300 جندي من السعودية وسحبت بطاريتين كانتا تحميان منشآت النفط هناك.
نهج “عدم الصراع”
وتبنّت الحكومة السعودية بعد هذه الهجمات سياسة إقليمية أكثر حيادًا ومصالحة؛ ففي 5 يناير/ كانون الثاني 2021 أعلن السعوديون والقطريون إنهاء نزاعهم الذي دام ثلاث سنوات واستعادة العلاقات خلال قمة مجلس التعاون الخليجي في مدينة العُلا شمال غرب السعودية، ثم أعلن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن وقفًا أحاديًا لإطلاق النار. وفي يونيو/ حزيران 2022، زار ولي العهد السعودي تركيا وتم رفع الحظر الاقتصادي غير الرسمي.
وقد تم اتباع نفس النهج مع إيران، ففي مقابلة أجريت في أبريل/ نيسان 2021، تبنى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان موقفًا جديدًا تجاه الجمهورية الإسلامية، قائلاً: “في نهاية المطاف، إيران دولة مجاورة وكل ما نأمله هو إقامة علاقات جيدة معها”، وقد انعكس هذا الشعور في عدة جولات من المفاوضات وتكرر في مقابلة أجريت في مارس/ أذار 2022 مع مجلة “ذا أتلانتيك”؛ حيث قال ولي العهد إن الإيرانيين “جيراننا. نحن جيران إلى الأبد، لا يمكننا التخلص منهم، ولا يمكنهم التخلص منا. لذا من الأفضل لكلينا أن نجد حلًا ونبحث عن طرق يمكننا من خلالها التعايش”. وبعد عام، في مارس/ أذار 2023، أعلنت الدولتان استئناف علاقاتهما.
وأدى نهج “عدم الصراع” هذا إلى تقليل الهجمات على السعودية من إيران وحلفائها، وسمح للرياض بتقديم نفسها كوسيط بدلاً من طرف في كل مواجهة إقليمية، ولهذا السبب نجحت في اجتياز اختبار الصراعات المتعددة في السنوات القليلة الماضية؛ فبدلاً من الانحياز إلى أحد طرفي الحرب بين روسيا وأوكرانيا، قررت السعودية اتخاذ دور حيادي ووسيط، واتبعت النهج نفسه في حالة السودان عندما اندلعت الحرب الأهلية في أبريل/ نيسان 2023. وعندما شنت إسرائيل حربها على غزة بعد الهجوم المفاجئ الذي شنته حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قادت السعودية مبادرة دبلوماسية لوقف إطلاق النار، وأعربت عن قلقها إزاء الهجمات الإسرائيلية في اليمن، بل وأدانت حرب إسرائيل ضد إيران.
غير أن نهج “عدم الصراع” السعودي له ثمنه أيضًا، فالموقف الذي يحمي السعودية بأكبر قدر من الفعالية يخلق احتكاكًا مع الحلفاء الذين لا يزالون يعملون عبر التدخلية واستخدام الوكلاء، ويضع المملكة بشكل خاص في مواجهة مع حلفائها الإماراتيين، الذين لا يزالون ملتزمين بسياسة إقليمية تدخلية ومعادية للإسلاميين. ففي عام 2020، طبّعت الإمارات علاقاتها مع إسرائيل، وزاد دعمها للانفصاليين الجنوبيين في اليمن مما أدى إلى اشتباكات لم تُحل إلا عبر اتفاق الرياض، الذي أدخل آلية لتقاسم السلطة والتنسيق الأمني بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وواصلت الإمارات إرسال الأسلحة لقوات حفتر في شرق ليبيا، وعندما اندلعت الحرب الأهلية السودانية عام 2023، دعمت الإمارات قوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش السوداني.
وأصبح هذا الانقسام السعودي الإماراتي أكثر وضوحًا مع انهيار المحور الإيراني الإقليمي وزيادة التدخلية الإسرائيلية بعد هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول؛ فقد شنّت إسرائيل أول ضربة لها في شبه الجزيرة العربية ضد أهداف حوثية في يوليو/ تموز 2024، وفي سبتمبر/ أيلول 2024، نفّذت إسرائيل هجومًا متطورًا عبر أجهزة النداء ضد حزب الله ثم اغتالت زعيمه حسن نصر الله. وفي الشهر التالي، غزت إسرائيل جنوب لبنان، وبنهاية نوفمبر/ تشرين الأول، تضمّن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين إسرائيل وحزب الله شرطًا بإعادة انتشار الأخير شمال نهر الليطاني، وبعد يوم من إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، شنّت قوات المعارضة السورية في إدلب هجومًا على نظام الأسد للسيطرة على حلب، وعلى الرغم من أن أهداف العملية كانت محدودة في حلب، فوجئ المتمردون بسرعة انهيار نظام الأسد، مما سمح لهم بدخول دمشق في 8 ديسمبر/ كانون الأول. وبعد ستة أشهر من سقوط نظام الأسد، شنّت إسرائيل هجومًا ضد إيران استمر 12 يومًا وانتهى بقيام ترامب بضرب المنشآت النووية الإيرانية.
ودفعت هذه التطورات الإمارات إلى التقارب أكثر مع إسرائيل في محور معادٍ للإسلاميين والابتعاد عن السعوديين. والسؤال هنا ليس ما إذا كانت لغة الرياض قد تغيّرت؛ فقد تغيّرت بالفعل، لكن السؤال هو ما إذا كان هذا المحور الإماراتي الإسرائيلي سيسمح للسعودية بالاستمرار في عزل نفسها عن حروب الاختيار. ففي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قام المحور الإماراتي الإسرائيلي بخطوتين دفعتا السعودية إلى تبني موقف أكثر قوة؛ فبدءًا من ديسمبر/ كانون الأول، استولى المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات على مساحات واسعة من الأراضي في جنوب اليمن، وفي 26 ديسمبر/ كانون الأول، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال كدولة مستقلة، وقد تضمنت كلتا الحادثتين دعمًا للانفصالية في منطقة قريبة من حدود السعودية.
وكان رد السعودية محسوبًا لكنه كان سريعًا؛ فقد ضربت المملكة شحنة أسلحة إماراتية، ثم منحت الإمارات مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن. وعندما أعلنت الإمارات انسحابها من البلاد، عقدت السعودية مؤتمرًا لليمنيين الجنوبيين، أعلن خلاله وفد المجلس الانتقالي الجنوبي حلّ التنظيم ذاتيًا، وتمكنت القوات الحكومية اليمنية بدعم السعودية من استعادة معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها المجلس الانتقالي. أما فيما يتعلق بالصومال، فقد كان رد السعودية رمزيًا، وشمل ذلك حشد جميع الدول الإسلامية الكبرى لإدانة الخطوة الإسرائيلية.
وتتغير التحالفات الإقليمية باستمرار في الشرق الأوسط نظرًا لعدم وجود قوة واحدة مهيمنة في المنطقة، وإذا واصل المحور الإماراتي الإسرائيلي حملته التدخلية، فقد يصبح من الصعب للغاية على السعودية الحفاظ على نهج “عدم الصراع” الجديد الذي تتبعه.
المصدر: نيو لاينز
