دقت وزارة الصحة في غزة ناقوس خطر جديد بالتحذير من “انهيار وشيك” للمنظومة الصحية، بعدما وصلت فجوة الإمداد إلى مستوى “الرصيد الصفري”، وذلك بالتزامن مع عجز المستشفيات عن استيعاب تراكمات الحرب والأمراض المزمنة.
وبعد 120 يومًا على بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لا يزال القطاع بلا مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، ما يحوّل مشكلة المخزون إلى أزمة قرار علاجي يومي: من يُعالج أولًا، ومن ينتظر، ومن يدفع ثمن التأجيل.
الإنذار الأخير
جوهر الإنذار الصادر في 7 فبراير/شباط يتمثَّل في أرقام “الرصيد الصفري”، إذ أصبحت نسب عالية من الأصناف التالية صفرية المخزون في مستشفيات القطاع:
- 46 % من قائمة الأدوية الأساسية
- 66 % من المستهلكات الطبية
- 84 % من المواد المخبرية وبنوك الدم
وفي لغة القطاع الصحي، هذا يعني أن المشكلة لم تعد “تأخير توريد” بل “تعطُّل خدمة”: نقص مواد المختبر وبنوك الدم يقيِّد الجراحات، ونقص المستهلكات يوقف إجراءات علاجية يومية حتى لو توفَّر طبيب وسرير.
هذا العجز يعني أن المرضى قد لا يجدون مضادات حيوية أو مسكنات بسيطة، فضلاً عن النقص الحاد في أدوية السرطان وأجهزة غسيل الكلى، الأمر الذي يضطر الأطباء إلى الاعتماد على تخمينات أو وصف بدائل أقل فعالية.
وقالت وزارة الصحة إن “الأرصدة الصفرية من الأدوية والمستهلكات الطبية جعلت من أبسط المسكنات ترفا لا يملكه من يواجهون الموت كل دقيقة”. وأوضحت أن ما يصل مستشفيات القطاع من أدوية، هي كميات محدودة لا يمكنها تلبية الاحتياج الفعلي لاستمرار تقديم الخدمة الصحية.
ولفتت إلى أن خدمات السرطان وأمراض الدم والجراحة والعمليات والعناية المركزة والرعاية الأولية في مقدمة الخدمات المتضررة بالأزمة.
وحتى داخل المستشفى، يتحول نقص التشخيص إلى خطرٍ مضاعف. يذكر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية – أوتشا أواخر يناير/كانون الثاني 2026 أن فجوة التصوير الطبي ما زالت حادة.
- لا توجد أجهزة رنين مغناطيسي عاملة في القطاع.
- لا يتوفر سوى ستة أجهزة تصوير طبقي (CT).
في ظل ذلك، تصبح قرارات الجراحة والعلاج الكيميائي ومتابعة الجلطات وإصابات الرأس رهينة أدوات أقل، وتأخيرات أكثر، وأخطاء احتمالية أعلى.

وخلال العدوان الإسرائيلي على غزة تعرضت المراكز الصحية لهجمات مباشرة؛ فقد سجلت منظمة الصحة العالمية 793 هجومًا على الرعاية الصحية في القطاع حتى منتصف سبتمبر/أيلول 2025، بينها أضرار لحقت بـ34 مستشفى.
وأدى هذا التدمير إلى توقف العديد من المستشفيات المتخصصة مثل مستشفى رنتيسي للأطفال، الذي تعرض للقصف في سبتمبر 2025، وأجبر عشرات المرضى والأطفال على الفرار.
كما أصبح الوصول إلى أربعة مستشفيات رئيسية شمال القطاع – من بينها مستشفى كمال عدوان، مستشفى الإندونيسي ومستشفى غزة الأوروبي – غير ممكن بسبب محددات وقف إطلاق النار، ما حرم مئات الآلاف من سكان المنطقة الشمالية من أي خدمات صحية.
ماذا تبقى من المستشفيات؟
قبل الحرب، كانت غزة تمتلك هيكلًا يعمل كشبكة متكاملة:
- 36 مستشفى
- 200 مركز رعاية أولية
- 3,412 سريرًا
- 74 % متوسط إشغال أسرّة مستشفيات وزارة الصحة عام 2022
- تسجيل إشغال يتجاوز 100% في بعض المرافق
أما في تقويم فبراير/شباط 2026:
- لا يوجد أي مستشفى يعمل بالكامل في قطاع غزة
- تعمل 18 من أصل 36 مستشفى بشكل جزئي
- أي أن نسبة كفاءة المنظومة الصحية لا تتجاوز 50% في أفضل الأحوال
- في الرعاية الأولية: 3 مراكز من أصل 200 تعمل بالكامل، و93 تعمل جزئيًّا
وهو ما يعني أن الرعاية التي يفترض بها تقليل الضغط عن الطوارئ باتت هي الأخرى تعمل بنصف قدرة أو أقل.
وفي توصيف أدق لحجم الضرر البنيوي، يشير تقرير رسمي معروض على منظمة الصحة العالمية إلى أن 34 من أصل 36 مستشفى في غزة كانت متضررة بحلول 31 أغسطس/آب 2025، وأن 18 منها كانت تعمل جزئيًّا في ذلك التاريخ.
على مستوى القدرة السريرية، يقدِّم آخر تحديث تفصيلي منشور في أكتوبر/تشرين الأول 2025 صورةً عن السعة المتاحة: إجمالي السعة السريرية في القطاع اليوم عند 2107 سريرًا لنحو 2.4 مليون شخص ما يجعل نصيب الفرد أقل من سرير واحد لكل ألف نسمة.
هذا العدد المتواضع من الأسرّة يُترجم إلى معدلات إشغال مفرطة؛ فمعظم المستشفيات تعمل بقدرة إشغال بين 180% و300% كما ذكرت الأمم المتحدة.
وتشير هذه الأرقام إلى أن المستشفى الذي يُفترض أن يستوعب 100 مريض قد يستقبل بين 180 و300 مريضاً، مما يجبر الكثير من المرضى على النوم في الممرات أو الانتظار في طوابير طويلة للحصول على العلاج.
هذا العجز الكبير في الأسرّة يُفاقمه العدد الهائل من الجرحى والمصابين. منذ 7 أكتوبر 2023 حتى 3 فبراير 2026 استشهد أكثر من 71800 شخص وأُصيب أكثر من 171 ألف آخرين، بينهم أكثر من 44,500 طفل حسب يونيسف.
ويحتاج قسم كبير من هؤلاء الجرحى إلى رعاية طويلة الأمد وجراحات معقدة، لكن المستشفيات المتهالكة لا تستطيع استقبال الجميع.
ضغط علاجي
الضغط لا يأتي فقط من إصابات الحرب، بل من ازدياد أعداد المرضى بفعل ما خلفه العدوان الإسرائيلي من تدمير ونزوح دفع السكان للتكدس في الخيام ضمن مساحات ضيقة، فضلا عن منع الاحتلال ترحيل النفايات خارج المدن وانقطاع المياه النظيفة ما فاقم انتشار الأمراض.
إذ يرتبط تدهور الوضع الصحي في غزة ارتباطًا وثيقًا بتدمير البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
توضح يونيسف أن الأضرار الواسعة لشبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات والقيود على إدخال الإمدادات، أدت إلى تدهور كبير في شروط النظافة، مما جعل السكان بأكملهم معرضين للأمراض.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 85% من الآبار في مدينة غزة دُمرت، إلى جانب تدمير 150 ألف متر من أنابيب المياه ومحطة تحلية المياه الرئيسية، ما أدى إلى انقطاع شبه كامل للمياه النظيفة.
يُضاف إلى ذلك التحديات اللوجستية؛ إذ تعجز البلديات عن إصلاح شبكات الصرف الصحي أو جمع النفايات بسبب نقص المعدات والوقود وتدمير الطرق وعراقيل الاحتلال.
هذا الواقع يجعل من محاولات السيطرة على العدوى ومسببات الأمراض شبه مستحيلة ويزيد من أعباء المستشفيات.
ويبرز جانب آخر للأزمة يتمثل في مرضى الأمراض المزمنة والسرطان. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، هناك أكثر من 15,600 مريض بحاجة إلى إخلاء طبي بحلول سبتمبر 2025.
وأوضحت المنظمة أن أكثر من 700 شخصٍ – بينهم نحو 140 طفلًا – توفوا أثناء انتظار موافقة سلطات الاحتلال على نقلهم خارج القطاع للعلاج.
وفي فبراير 2026 صرح مدير عام منظمة الصحة العالمية تيدروس غيبرييسوس أن أكثر من 18,500 مريض لا يزالون بحاجة إلى علاج تخصصي غير متوفر داخل غزة وأن المنظمة تمكنت من إجلاء خمسة مرضى فقط مع سبعة مرافقين عبر معبر رفح للمرة الأولى منذ مارس 2025.
هذا الرقم يعكس الهوة بين الحاجة والقدرة؛ فعشرات الآلاف ينتظرون سريراً أو تصريحاً للخروج، بينما يظل معظمهم بلا علاج.
ماذا تغير بعد “التهدئة”؟
عندما بدأ اتفاق وقف إطلاق النار، كان يُتوقع حدوث تحسن سريع في الخدمات الصحية. إلا أن الأرقام تشير إلى أن تأثير الهدنة كان محدودًا. فقد ارتفع عدد المستشفيات جزئية التشغيل من 14 إلى 18 مستشفى وجرى إعادة تشغيل بعض نقاط الرعاية الأولية.
كما دعمت يونيسف ووزارة الصحة حملة تطعيم ثانية للأطفال تحت سن 3 سنوات في يناير 2026، حيث تلقى نحو 15,689 طفلاً لقاحات أساسية خلال تسعة أيام، وهو ما يمثل 87% من الأطفال المستهدفين.
وأُعيد تشغيل 11 سريرًا لوحدة العناية المركزة للأطفال في مستشفى الشفاء ومستشفى “أصدقاء المريض” بعد توريد أجهزة تنفس ورقابة.
رغم هذه الجهود، بقي العجز كبيرًا. لا توجد مستشفى واحدة تعمل بكامل طاقتها، ومعدلات الإشغال ما زالت تتخطى 150% في بعض الأقسام.
ومع أن وقف إطلاق النار قلل من عدد الإصابات الناجمة عن الغارات، فإن حالات الأمراض المعدية ارتفعت بسبب تدهور البيئة، وهو ما يثقل كاهل المستشفيات الناقصة.
كما تشير تقارير الصحة العالمية إلى زيادة الولادات المبكرة ونقص وزن المواليد بسبب سوء التغذية والتوتر المزمن بين الحوامل، فضلاً عن ازدياد حالات سوء التغذية الحاد للأطفال.
بالإضافة إلى ذلك، يمثل انعدام الوقود عقبة رئيسية أمام عمل القطاع الصحي. يعتمد تشغيل المولدات وأجهزة التعقيم والحضانات وغرف العمليات على إمدادات الوقود، لكن قيود الاحتلال أدت إلى تقليص حاد في دخول الوقود إلى القطاع.
أشارت الأمم المتحدة إلى أن القيود على الوقود تهدد استمرار عمل المستشفيات وخدمة سيارات الإسعاف. وقد اضطرت بعضها لإيقاف أجهزة التصوير المقطعي أو تشغيلها لساعات محدودة، مما يؤثر على دقة التشخيصات.
في الأثناء، ظل فتح معبر رفح محدودًا للغاية. في 2 فبراير 2026، سمحت سلطات الاحتلال لخمسة مرضى فقط مع مرافقين اثنين لكل منهم بالخروج عبر المعبر في اليوم الأول بعد إعادة فتحه، رغم توقع خروج نحو 50 شخصًا. وفي الأيام التالية بقيت الأعداد منخفضة.
ولذلك، فرغم التهدئة الهشة، يتضح أن قطاع غزة لا يزال بعيدًا عن التعافي الصحي. فالمستشفيات المدمرة ونقص الأدوية والوقود وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي تؤدي إلى تفاقم معاناة المرضى والجرحى.
ورغم نجاح بعض الحملات في إعادة تطعيم الأطفال وإنشاء وحدات عناية مركزة محدودة، فإن حجم الكارثة يجعل هذه الإنجازات قاصرة عن سد الفجوة.